مرضى السرطان... قصص معاناة تنتهي بالشفاء

تسجيل 5 آلاف حالة إصابة بالمرض كل عام
أمل جابر
June 22, 2021

مرضى السرطان... قصص معاناة تنتهي بالشفاء

تسجيل 5 آلاف حالة إصابة بالمرض كل عام
أمل جابر
June 22, 2021

السرطان القاتل الصامت والزائر الخفي، الذي يعده الكثير حكمًا نافذًا بالإعدام، ونهاية حتمية للحياة، قد يعد عند آخرين نوع من الامتحان والابتلاء، وفرصة لإعادة ترتيب الأولويات، والنظر إلى الحياة من زاوية أخرى.

لا محظور لدى هذا المرض الخبيث، فالجميع يمكن أن يكون هدفًا له، كبارًا وصغارًا، رجالًا ونساء، أغنياء وفقراء، كان جميعهم ذات يوم أشخاصًا متعافين ويعيشون حياة طبيعية، وفي نقطة فارقة في حياتهم، فجرت الحياة في وجوههم أكبر صدماتها، وفتحت أبوابًا من المعاناة، وأوقات من الخوف قد لا تنتهي.

في السنوات الأخيرة تزايدت حالات الإصابة بهذا المرض بشكل لافت، هذا ما يؤكده الدكتور، ماجد جابر، مدير إدارة الخدمات الصحية بالمؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان، بالقول: "زادت في السنوات الأخيرة نسبة الإصابة بالسرطانات، حيث يتم تسجيل ما يصل إلى 5 آلاف حالة خلال السنة الواحدة "، وأرجع جابر لـ"خيوط"، سبب ذلك إلى كثرة استخدام المبيدات والمواد الكيماوية والمشعة إضافةً إلى الظروف المعيشية وسوء التغذية والحروب، منوهًا إلى أن أغلب هذه الإصابات في الجهاز الهضمي الناتج عن الاستخدام العشوائي للمبيدات الزراعية شديدة السمية على الجسم.

حالات شفاء

 رغم قتامة هذا المرض وما صاحبه من صورة نمطية بالموت المحتوم؛ إلا أن هناك قصصًا ملهمة ونماذج قوية للإرادة والتحدي تستحق تسليط الضوء عليها؛ "فتحية" التي تجاوز عمرها (60 سنة)، إحدى هذه القصص الملهمة التي استطاعت بإرادتها القوية، وحبها وتمسكها بالحياة النجاة من شبح السرطان القاتل، لتعود للحياة بعد سنوات من الغياب في غرف المشافي، في مصارعة لآلام الأدوية الكيماوية، انتصرت "فتحية" على المرض واحتفلت بابنيها الشابين وهما يحصدان درجات التميز في كلية الطب، بعد أن كافحت لأجلهما منذ طلاقها من والدهما، وتوليها مسؤوليتهما منذ كان عمرهما لا يتجاوز الخمسة أعوام.

زادت في السنوات الأخيرة نسبة الإصابة بالسرطانات، حيث يتم تسجيل ما يصل إلى 5 آلاف حالة خلال السنة الواحدة، بسبب استخدام المبيدات والمواد الكيماوية والمشعة، إضافةً إلى الظروف المعيشية وسوء التغذية والحروب


أصيبت الحجة فتحية بسرطان في عظمة الترقوة منذ أكثر من 40 سنة، لكنه كان خاملًا ومحصورًا، إلى أن تعرضت لحادث أدى إلى تحفيز الخلايا السرطانية وتنشيطها، بدأ بعدها المرض بالانتشار، خضعت فتحية للعلاج قرابة الأربع سنوات، لتتماثل للشفاء أخيرًا، أو كما وصفته بـ"الولادة من جديد" بعد أن ظلت طريحة الفراش لا تقوى على الحركة ولا الإمساك بالأشياء لسنوات.

الطفلة نور محمد (10 سنوات)، أصيبت بسرطان في الدم وهي في عمر السابعة، إذ تم اكتشافه في مراحله الأولى، تلقت على إثره الدعم الكامل من والديها وإخوتها وأصدقائها، وأخذت جرعات العلاج الإشعاعي والكيماوي بانتظام، لتنجو بعد ثلاث سنوات كاملة من المعاناة والصراع مع المرض.

تقول "نور": إنها كانت تبكي كل يوم تذهب فيه لأخذ جرعات العلاج، وكانت تسأل والديها هل ستموت كجدتها التي كانت مصابة بذات المرض وتوفيت على إثره، لكنها الآن قد أصبحت بصحة جيدة، وتستطيع الذهاب إلى المدرسة، واللعب مع صديقاتها، وهذا ما كانت تتمناه طوال سنوات مرضها، تؤكد نور أن الأدوية التي تستخدمها الآن ليست سيئة جدًّا كتلك التي كانت تتلقاها من قبل. ورغم أن هذه الأدوية سترافق نور على مدى حياتها إلا أنها ستكون أخف عبئًا من السرطان.

الدعم النفسي 

يؤكد جميع الأطباء على أن الحالة النفسية لأي مريض في العالم مهمة جدًّا في علاجه، وكلما كانت حالته النفسية جيدة، انعكس ذلك على سرعة استجابة الجسم للشفاء من أي مرض كان، أما السرطان فإن الحالة النفسية تعتبر ركيزة أساسية إلى جانب الأدوية في عملية شفاء المريض، كما يلعب الدعم الاجتماعي، ممثلًا بأسرة وأصدقاء المريض والمحيطين دورًا مهمًّا وإيجابيًّا في علاج مرضى السرطان حيث يمنحهم دعم الأسرة والأحباء حافزًا للحياة.

تقول قوته سنان، إحدى المتعافيات من سرطان الثدي، في كتابها "الأورام السرطانية شفاء محقق" -الذي ألفته خصيصًا لتعريف المصابين بكل ما يخص هذا المرض وعرض تجربتها، ومنحتنا نسخة إلكترونية منه: "عانيت كثيرًا -والحمد لله- ولكني تعديت هذه المرحلة وخرجت منها أقوى مما كنت، مع أني لاحظت الشفقة والخوف من أحبائي وغيرهم ودعواتهم لي، ولهذا اكتشفت -والحمد لله- أن حب الله والناس شيء غالٍ وكبير ولا يعرفه إلا من شعر به".

وتشير الدكتورة سبأ الأكوع المسؤولة الصحية لرعاية مرضى السرطان في المؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان في حديثها لـ"خيوط"، إلى أن هناك الكثير من الحالات التي تعاملوا معها، وتعافت سريعًا وكانت أكثر قدرة على تحمل المرض ومضاعفات الأدوية، وأكثر إرادة في تحديه والتغلب عليه، بسبب مساندة العائلة للمريض وتشجيعهم المستمر له وتذكيره بأحلامه المؤجلة التي سيحققها إن تعافى، إضافة إلى أهم خطوة في هذا الاتجاه والمتمثلة بالكشف المبكر لبعض الحالات والتي تسمح للأطباء بالتعامل معها.

في المقابل، فإن حالات أخرى لم تلقَ الدعم والمساندة من المحيطين إلى جانب الاهمال، وتأثرت بشكل سلبي حالاتهم واستجابة أجسادهم للعلاج.

عشرات القصص لنساء أصبن بالسرطان، ومنهن من تماسكن ووصلن إلى بر الأمان بعد سنوات من الصبر والتحمل على أوجاع المرض ومضاعفات الأدوية، أسسن بعد ذلك رابطة لهن تحت اسم "منتدى الناجيات"، يعملن فيه على توعية الآخرين وتقديم الدعم النفسي للمصابين

تحكي العاملات في الرعاية الصحية في "المؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان"، بأن كثيرًا من النساء اللاتي قدمن إلى المؤسسة تعرضن لنوع من النبذ والإهمال من الأسرة والمحيطين، وتعرضت بعضهن للطلاق بسبب إصابتهن بهذا المرض، فيما أدى انهيارهن النفسي إلى تدهور كبير في وضعهن الصحي وتراجع في خططهن العلاجية وتفاقم لحالتهن، أودت فيما بعد بحياة الكثير منهن.

وللوقاية من مرض السرطان تذكر منظمة الصحة العالمية عدد من الإجراءات لتقليل خطر الإصابة منها الكشف المبكر والذي من خلاله يمكن الحد من وفيات السرطان إذا كُشفت حالاته وعُولجت مبكّراً، وذلك من خلال التشخيص المبكر، تقول الصحة العالمية: "من المُرجّح عند الإبكار في تشخيص السرطان أن يستجيب المُصاب به للعلاج، ويمكن أن يزيد احتمال بقائه على قيد الحياة ويقلل معدلات المراضة، وكذلك تكاليف علاجه الباهظ الثمن، كما يمكن إدخال تحسينات كبيرة على حياة مرضى السرطان عن طريق الكشف عن المرض مبكّراً وتجنب تأخير الرعاية.

إضافة إلى الفرز، والذي يهدف إلى تحديد الأفراد الذين تشير نتائج فحصهم إلى إصابتهم بنوع معين من السرطان أو المرحلة السابقة لإصابتهم به قبل ظهور أعراضه عليهم.

إلى جانب العلاج تتحدث الصحة العالمية عن أهمية الرعاية التي اطلقت عليها بـ"الملطِّفة" علاج يخفّف الأعراض الناجمة عن السرطان، ولا يشفيها، ويحسّن نوعية حياة المرضى وحياة أسرهم. ويمكن أن تساعد الرعاية الملطِّفة الناس على العيش بمزيد من الارتياح، وهي رعاية تمسّ الحاجة إليها في الأماكن التي ترتفع فيها نسبة المرضى المصابين بالسرطان في مراحل متأخرة من المرض تقلّ فيها فرصهم في الشفاء منه.

ويمكن بفضل الرعاية الملطِّفة تخفيف المعاناة الجسدية والنفسية الاجتماعية والمعنوية لدى نسبة تزيد على 90% من المرضى المصابين بالسرطان في مراحل متقدمة.

ولا غنى عن استراتيجيات الصحة العامة الفعالة والشاملة للرعاية المجتمعية والمنزلية من أجل تزويد المرضى وأسرهم بخدمات تخفيف الآلام والرعاية الملطِّفة.

الناجيات

عشرات القصص لنساء أصبن بالسرطان، ومنهن من تماسكن ووصلن إلى بر الأمان بعد سنوات من الصبر والتحمل على أوجاع المرض ومضاعفات الأدوية، أسسن بعد ذلك رابطة لهن تحت اسم "منتدى الناجيات"، يعملن فيه على توعية الآخرين وتقديم الدعم النفسي للمصابين، من خلال إقامة أنشطة، وجمع تبرعات للمصابات الأخريات اللواتي لم يُكتب لهن التعافي بعد.

تحكي فاطمة محمد، سيدة في منتصف الثلاثينيات وأم لثلاثة أطفال، قصتها مع السرطان وكيف كانت معرفتها بمرضها فاجعة حقيقية في حياتها وحياة زوجها وأولادها، حيث ظل هاجس الموت ويُتم صغارها يطاردها ولا يفارقها، فكانت رغبتها القوية في البقاء حافزًا مهمًّا في رحلة صراعها مع المرض لأجلهم، مستفيدة من تجارب أخريات تغلبن على السرطان وعدن لحياتهن الطبيعية، إذ فتحت لها هذه القصص نافذة الأمل لتكون واحدة منهن، وهو ما تحقق لها بعد عامين من العلاج.

وما يجدر الإشارة إليه، أن من أهم عوامل الشفاء من هذا السرطان -حسب أطباء ومختصين- هو الكشف المبكر، حيث تصل نسبة شفاء الحالات التي تُكتشف مبكرًا من 80% إلى 90%، كما أن تقبل المرض والرضا بالقدر، وسرعة الدخول في مراحل العلاج، والإرادة القوية وقوة التحمل، وحب الحياة والتمسك بها، ومناعة الجسم والدعم النفسي من العائلة والمحيط الاجتماعي، والالتزام ببرنامج غذائي يحدده الأطباء، تعتبر على رأس قائمة أسباب الشفاء، ومع ذلك ينعكس وضع البلد الاقتصادي والسياسي للمواطنين كليًّا على سرعة الحصول على الدواء والاستجابة له.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English