انتشار ظاهرة حمل السلاح في حضرموت

قصة مقتل أكرم السيود التي هزت مجتمع مسالم
محمد سليمان
November 19, 2020

انتشار ظاهرة حمل السلاح في حضرموت

قصة مقتل أكرم السيود التي هزت مجتمع مسالم
محمد سليمان
November 19, 2020

 خرج الشاب أكرم السيود من منزله بمدينة تريم في صبيحة أحد أيام شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2020، كعادته للتوجه إلى بقالته الصغيرة الموجودة بوسط المدينة، التي يعمل فيها لإعالة أسرته. لم يكن يعلم أكرم وشقيقه يونس أنهما على موعد مواجهة مع "وحش" متمترس خلف سلاح "الكلاشنكوف" يستخدمه للاستعراض وتهديد الآخرين. 

    لم تسعف الظروف الصعبة أكرم، الذي يعيل ثلاثة أبناء، على مواصلة دراسته في المعهد المهني، فعمل مع والده وإخوته في مطعم السيود الذي يمتلكونه ويقع في مدينة تريم. كما تحمل المسؤولية كاملة بعد وفاة والده، إذ أنشأ أكرم بقالة صغيرة، للمساهمة في إعالة أسرته وأشقائه، واستطاع أن يكسب الكثير من الزبائن لبقالته الصغيرة، فقد "كان محبًّا للناس ذا شعبية واسعة وتعامل راقٍ مع الزبائن، فالكل كان يحبه ولم يكن لديه أي مشاكل مع أحد. فهو مسالم لدرجة كبيرة، لا يهتم إلا بالقيام بعمله على أكمل وجه"، كما يفيد صديقه المقرب أحمد علي باسعد في حديثه لـ"خيوط".

    في لحظة هينة من الزمن، بحجم هوان النفس البشرية في زمن حرب، لم يبق للمسالمين مكانٌ للعيش حتى في أماكن سعيهم لكسب الرزق الحلال، فقدت ثلاثُ بنات، في زهرة عمرهن، سندهن في الحياة، وفقدت أمّهن زوجًا ودودًا محبًّا مخلصًا كان لها العون والأنس في مواجهة ظروف الحياة المؤلمة.

تفاصيل الجريمة

    يقول يونس، شقيق أكرم -الذي كان معه في البقالة- في حديثه لـ"خيوط"، إن الجاني استفز أكرم كثيرًا؛ حيث طلب شحن رصيد لجواله، وبطبيعة الحال طلب أكرم من الجاني استكمال رقمه ليكمل عملية شحن الرصيد، فتفاجأ بوابل من الشتائم والسباب أطلقها الأخير عليه، دون سبب.

شقيق المجني عليه: "بعد أن استعدت جزءًا من وعيي وتركيزي شاهدت الجاني يطلق الرصاص على أخي أكرم الذي استطاع نزع السلاح من يده ورماه بعيدًا؛ ومن ثَم هرع الناس لردعه واستطاعوا الإحاطة به وإمساكه وتسليمه للأمن"، فيما فارق أكرم الحياة في المستشفى بعد إسعافه جراء نزيف داخلي حاد

    بسبب ذلك رفض أكرم بأن يكمل عملية الشحن له، وطلب منه مغادرة البقالة (وهذا ما وثقته كاميرا المراقبة)؛ فما كان من القاتل إلا أن شحن بندقيته عند خروجه من البقالة وأخذ بالتهديد والوعيد لأكرم.

    أخذ يونس تنهيدة، مع علامات الألم المرسومة على وجهه، واستطرد قائلًا: "كنت داخل الحمام، وعند خروجي أخبرني أكرم بأن شخصًا قد رفع السلاح عليه وأشار لي نحوه، إذ كان حاملًا سلاحه، وفي حالة استعداد لإطلاق النار خارج البقالة".

    يتابع يونس حديثه: "خرجت في الحال لأرى ما الذي يجري، وحينها أشار لي الجاني بالاقتراب منه، وعند اقترابي منه بغرض التفاهم، قام بإطلاق النار وأصابني في يدي".

    حسب شهود عيان، عندما رأى أكرم أن الجاني أطلق النار على أخيه، هرع إلى خارج البقالة فباشره الجاني بعدة طلقات نارية، أصابته في رجله وفي خاصرته وطرحته أرضًا.

    يقول يونس: "بعد أن استعدت جزءًا من وعيي وتركيزي شاهدت الجاني يطلق الرصاص على أخي أكرم الذي استطاع نزع السلاح من يده ورماه بعيدًا؛ ومن ثَمّ هرع الناس لردع الجاني واستطاعوا الإحاطة به وإمساكه وتسليمه للأمن، فيما فارق أكرم الحياة في المستشفى جراء نزيف داخلي حاد". 

تحرك رسمي وشعبي

    فور انتشار خبر جريمة القتل في مدينة تريم، عمّت حالة من السخط لدى أهالي المدينة المعروفة بطابعها المسالم، إذ أصدرت السلطة المحلية بمديرية تريم على إثر ذلك بيانًا أدانت فيه الجريمة وتوعدت بمحاسبة الجاني، مؤكدة أن الجريمة لا تمت للمدينة ولا لعادات أهلها بصلة.

    مدير مديرية تريم، المستشار القانوني خالد هويدي يوضح لـ"خيوط"، أن الجهات الأمنية بالمديرية وفور تلقيها للبلاغ توجهت إلى مسرح الجريمة وألقت القبض على الجاني وجمعت الأدلة الجنائية، وأنه تم تحويل الملف إلى النيابة لاستكمال الإجراءات القانونية.

    ويشير هويدي إلى أن السلطات بالمديرية، و"بإمكانياتها المحدودة جدًّا"، نفّذت عددًا من الحملات الأمنية لمنع حمل السلاح في المدينة. ويستدرك: "لكن يعلم الجميع بمدى تدهور الوضع الأمني بوادي وصحراء حضرموت، والإمكانيات الضعيفة جدًّا للأجهزة الأمنية التي شجعت على ارتكاب مثل هذه الجرائم".

    واقعة مقتل أكرم السيود أثارت من جديد الجدل حول ظاهرة انتشار حمل السلاح في المدن، وخاصة في حواضر وادي حضرموت، مثل مدينة سيئون وتريم، التي يُعرف مواطنوها بالمدنية والتحضر ونبذهم لمثل هذه الظواهر.

     الناشط محمد العيدروس يرى، في حديثه لـ"خيوط"، أن حمل السلاح ظاهرة دخيلة على المجتمع المسالم في حضرموت بشكل عام وفي تريم بشكل خاص.

أمني في محافظة حضرموت: عدد الحالات الجنائية من طلق ناري في وادي حضرموت بلغت نحو 126 حالة، من بينها 34 حالة وفاة، وذلك خلال الفترة من يناير/ كانون الثاني إلى سبتمبر/ أيلول 2020

    ويؤكد أن هذه الظاهرة تزايدت خلال الأعوام القليلة الماضية كنتيجة طبيعية للحرب الدائرة في اليمن، منذ ما يزيد على خمس سنوات، وانهيار مؤسسات الدولة في الكثير من محافظات الجمهورية.

    وطالب العيدروس "الجهات ذات العلاقة بوادي وصحراء حضرموت"، بتنفيذ حملة جادة لمواجهة هذه الظاهرة التي وصفها بالدخيلة على المجتمع المسالم في هذه المناطق.

    في السياق ذاته، أشار مصدر أمني -فضّل عدم ذكر اسمه- في حديثه لـ"خيوط"، إلى أن عدد الحالات الجنائية من طلق ناري في وادي حضرموت بلغت نحو 126 حالة، من بينها 34 حالة وفاة، وذلك خلال الفترة من يناير/ كانون الثاني إلى سبتمبر/ أيلول 2020.

ظاهرة حمل السلاح

    ويرى خبراء أن تهاون القانون اليمني مع حمل السلاح، وقيام الجهات المختصة بصرف تراخيص حمله بشكل عشوائي، وتجول الجنود باللباس المدني مع حملهم للسلاح، من أبرز الصعوبات التي تواجه الحملات الأمنية التي تقوم بها السلطة المحلية بمديرية تريم، وفي مختلف المناطق والمحافظات اليمنية.

    المستشار القانوني والمحامي أديب بخضر يؤكد لـ"خيوط"، أن القانون اليمني يسمح بحيازة السلاح للمواطنين، وذلك حسب قانون رقم (40) الصادر في العام 1992، والذي منذ إصداره لم يتم البت فيه وإلغاؤه أو تعديله.

    بشأن تنظيم حمل الأسلحة النارية والذخائر والاتجـار بها، وجاء في الفصل الثالث من ذات القانون في المادة التاسعة منه: "يحق لمواطني الجمهورية حيازة البنادق والبنادق الآلية والمسدسات وبنادق الصيد اللازمة لاستعمالهم الشخصي، مع قدر من الذخيرة لها، لغرض الدفاع الشرعي"، كما نصّت المادة العاشرة من نفس القانون على أن حظر حمل السلاح يقتصر على عواصم المحافظات فقط، حيث جاء في نص المادة: "يحظر على أي شخص يحوز سلاحًا ناريًّا حمله في العاصمة صنعاء وعواصم المحافظات والمدن التي يصدر بتحديدها قرارًا من الوزير إلا بترخيص من سلطة الترخيص ساري المفعول صادر بموجب أحكام هذا القانون".

    ويرى كثير من المختصين بالجانب الأمني والعسكري بمحافظة حضرموت أن ثقافة حمل السلاح كرسها نظام الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، وهي ثقافة يدفع ثمنها اليمنيون اليوم في كافة محافظات الجمهورية.

    ظاهرة حمل السلاح زادت بشكل كبير بعد حرب صيف 1994، فيما كانت هذه الظاهرة لا أثر لها في المحافظات الجنوبية قبل الوحدة اليمنية، إذ كان السلاح محصورًا بيد الدولة والأجهزة المرتبطة بها.



إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English