الحرب شبح إضافي يواجه مرضى التوحد

مركز وحيد يعمل في تعز
أصيل الشرعبي
April 2, 2021

الحرب شبح إضافي يواجه مرضى التوحد

مركز وحيد يعمل في تعز
أصيل الشرعبي
April 2, 2021

"لا تستهن بقدراتي" لافتة معلقة في إحدى زوايا مركز الأمل لعلاج أطفال التوحد في مدينة تعز. ما إن تجتاز هذه العبارة ويقع ناظريك على أطفال المركز حتى ترى سلوكًا لم تعهده من قبل، فلا ملامح وجوههم البريئة قادرة على الاستغراب والدهشة، ولا اللغة قادرة على إعطائهم بعض الكلمات ليتحدثوا بها، فقط أصوات غير مألوفة وردود أفعال غير اعتيادية هي جزء من مؤشرات إصابتهم بمرض التوحد.

على الرغم من تأثير الحرب على مختلف شرائح المجتمع اليمني، لا سيما ذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم من الفئات المتضررة جراء تدهور الأوضاع المعيشية في اليمن، إلا أن مرضى التوحد بتعز أخذوا نصيب الأسد من الإهمال والمعاناة، فكانوا الحلقة الأضعف نتيجة توقف المركز الوحيد في المدينة، على مدى ثلاثة أعوام بسبب الحرب، قبل أن يتعافى من جديد مطلع العام 2018. قصص عديدة يضمها مركز الأمل، معظمها خلفتها الحرب وتداعياتها، مما فاقم الأزمة على العديد من الأُسر.

قصص ماثلة

والدة الطفل عبدالقوي -عبدالقوي طفل مصاب بالتوحد- كغيرها من الأمهات اللاتي عانين كثيرًا لعدم فهم التصرفات الغريبة التي بدت على أولادهن، فبعد أن فقد زوجها مصدر دخلهم الوحيد بسبب الحرب، وجدت نفسها وحيدة في البحث عن العلاج لطفلها ومساندة زوجها في توفير لقمة العيش إثر توقفه عن العمل.

يضم مركز الأمل لمرضى التوحد في تعز حوالي 81 طفلًا وطفلة من مرضى التوحد، إلا أن ذلك العدد تقلص مع نقص الإمكانيات وضيق المكان، الأمر الذي دفع المركز لاستقبال عدد أقل مما كان عليه في السابق

في حديثها لـ"خيوط" تقول والدة عبدالقوي، إنها لاقت صعوبة في التعامل مع طفلها منذ ظهور أعراض التوحد وهو في عمر ثلاث سنوات، لكنها لم تدرك طبيعة المرض إلى أن نصحوها أشخاص بالذهاب إلى مركز الأمل، وهناك تحسن الطفل وتعلم الكثير من المهارات على يد المدربات في المركز. 

في المقابل تحكي والدة الطفل أحمد معمر، قصتها بصوت مخنوق وملامح حزينة باهتة قائلة: "ظروفنا صعبة للغاية والحرب شردتنا، وزوجي مصاب بالفشل الكلوي، وأحيانًا لا أستطيع توفير قيمة العلاجات لابني أو دفع قيمة الإيجار".

هكذا اختصرت الأم الأربعينية معاناتها إلى جانب العديد من النساء ممن تقطعت بهن السُّبل وساءت حالتهن جراء الحرب والحصار الذي تشهده المدينة منذ أعوام.

 تتذكر والدة أحمد كيف عانت في بداية ظهور الأعراض على طفلها، حتى وصل بها الأمر إلى الذهاب للمشعوذين، كل ذلك بعد أن ساورها الشك بأن الجن يسكنون جسد الطفل. 

وتضيف قائلة لـ"خيوط": "قال الأطباء بأن أحمد مصاب بشحنات كهربائية في الدماغ، وصرفوا له علاج فتحسن قليلَا، لكنه انتكس من جديد، وبعد معاناة طويلة التقيت بإحدى الأخوات ووجدت أن لديها طفلًا يعاني نفس الأعراض التي يعاني منها ابني، ونصحتني بهذا المركز".

تحسن أحمد بفعل التدريبات التي خضع لها داخل المركز، كغيره من الأطفال الذين يخضعون لعلاج الاضطرابات في السلوك الاجتماعي وصعوبة التواصل مع الآخرين، ودخلت والدته المركز كمتطوعة تتعلم كيفية مساعدته في المنزل، لكنهم يعانون ظروفًا معيشية صعبة فاقمتها الحرب وكبّدتهم ألوانًا مختلفة من الألم والمعاناة.

توقف النفقات التشغيلية

في مدينة تعز يوجد مركز وحيد لاستقبال حالات التوحد من الأطفال، وهو مركز الأمل الذي تأسس عام 2007، بشكل بسيط للغاية على يد رئيسة المركز سميرة الباشا بحسب مديرته الحالية، أمل السقاف، وتطور تدريجيًّا إلى أن أصبح يضم حوالي 81 طفلًا وطفلة من مرضى التوحد، إلا أن ذلك العدد تقلص مع نقص الإمكانيات وضيق المكان؛ الأمر الذي دفع المركز لاستقبال عدد أقل مما كان عليه في السابق. 

وتشير السقاف في حديثها لـ"خيوط" إلى وجود صعوبات كثيرة تواجه المركز، كان آخرها توقف معظم النفقات التشغيلية من قبل الجهة الوحيدة الداعمة للمركز والمتمثلة بصندوق رعاية وتأهيل المعاقين في صنعاء، وبقاء النفقات الأساسية. وتشكو السقاف من عدم توفر الوسائل التعليمية ووسائل المواصلات للمركز قائلة: "النفقات قليلة جدًّا، ولا نملك وسائل مواصلات للأطفال والمعلمين، في مقابل أن ظروفهم المعيشية متردية جدًّا، فيما المعلمات شبه متطوعات، يتقاضين 19 ألف بالشهر، لكنها تُصرف كل ثلاثة أشهر، وأحيانا تزيد تلك المدة".

ونظرًا لوقوع المقر الرئيسي للمركز سابقًا في منطقة الاشتباكات، وتحديدًا جوار فندق سوفتل شرق المدينة، الأمر الذي أدى إلى إنشاء فرع وسط المدينة وآخر في الحوبان نظرًا لصعوبة التنقل بين الحوبان ومدينة تعز.

نجاح رغم الصعوبات 

استطاع مركز الأمل للتوحد رغم الصعوبات والتحديات التي أحدثتها الحرب، أن يدمج عددًا من الطلاب الذين خضعوا للبرامج التأهيلية وإلحاقهم بالمدارس، بعد أن تحسنت سلوكياتهم الحياتية بفعل التدريبات التي خضعوا لها، وهناك أكثر من 10 طلاب تم دمجهم مؤخرًا مع أقرانهم في المدارس كما تؤكد ذلك الأستاذة فايزة الأصبحي إحدى المدربات في المركز.

وتتابع الأصبحي حديثها لـ"خيوط" قائلة: "أطفال التوحد يفتقدون للأجواء التي يعيشها الطفل الطبيعي، لا سيما في ظل استمرار الحرب وسقوط القذائف بين الحين والآخر في الأحياء السكنية، وقد كان للمبادرات والمنظمات دور كبير في توفير بعض الأدوات التعليمية والألعاب الترفيهية وتعريف المجتمع بهذه الفئة"، مؤكدة أن المركز يعمل جاهدًا لمساعدة الأطفال على تجاوز الظروف الصعبة التي يعيشونها بسبب الحرب.

هذا ويواصل مركز الأمل تقديم بعض الخدمات الصحية من خلال التنسيق مع المستشفيات الحكومية، أو مختبرات صحية من أجل عمل فحوصات بالمجان، ويقوم بتنفيذ أنشطة ترفيهية حسب الإمكانيات المتوفرة للمركز، بحسب الأصبحي.

يخضع 60 من الأطفال المصابين بالتوحد لبرامج تعديل السلوك والتواصل وتنمية المهارات الاجتماعية واللغوية وكذلك القدرات العقلية، فضلًا عن وجود 40 ممن تجاوزت أعمارهم سن 18 يستفيدون من باقي الخدمات خارج إطار التعليم داخل المركز

تضيف الأصبحي أن أسباب التوحد مجهولة، والعلاج الوحيد هو البرامج التأهيلية وهذا ما يقوم به المركز في الوقت الذي يفتقد فيه الكثير من الآباء للقدرة على التعامل مع هذا المرض، وعدم التفرقة بينه وبين الإعاقة الذهنية.

وبحسب القائمين على المركز، يخضع 60 من الأطفال المصابين بالتوحد لبرامج تعديل السلوك والتواصل وتنمية المهارات الاجتماعية واللغوية وكذلك القدرات العقلية وتطويرها، بالإضافة إلى تعليمهم المهارات الحركية والاستثارة الحسية والتخاطب، فضلًا عن وجود 40 ممن تجاوزت أعمارهم سن 18 يستفيدون من باقي الخدمات خارج إطار التعليم داخل المركز. 

تجدر الإشارة إلى أن التوحد مجموعة اضطرابات عصبية تشمل أعراضها وجود مشاكل في السلوك الاجتماعي للشخص المصاب، وصعوبة في التواصل مع الآخرين. وتشير منظمة الصحة العالمية في تقاريرها إلى أنه من الصعب تحديد اضطرابات طيف التوحد لدى الطفل قبل بلوغه سن 12 شهرًا، ولكن يمكن تشخيصها بصورة عامة عند بلوغه سن عامين، ومن السمات المميزة لظهور المرض لديه التأخر أو التراجع المؤقت في تطوير مهاراته اللغوية والاجتماعية.


•••
أصيل الشرعبي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English