عذابات أطفال التوحُّد في اليمن

في البحث عن فرصة شفاء في هامش اهتمام شبه منعدم
سلمان العمَّاري
April 2, 2021

عذابات أطفال التوحُّد في اليمن

في البحث عن فرصة شفاء في هامش اهتمام شبه منعدم
سلمان العمَّاري
April 2, 2021

لقد انتظرَت مولودتها البكر، بفارغ الصبر، وفرحت بها فرحًا لا يوصف، وسعدت كل العائلة بقدوم الطفلة الجميلة، التي أخذت تعلق عليها والدتها آمالها وترسم مستقبلها مع زهرة عمرها وفلذة كبدها التي ملأت عليها نفسها وحياتها بِشرًا وسرورًا. 

غير أن فرحة الأم لم تدُم طويلًا، ولم تأنس في طفلتها ما يعني لها كأم، فهي غير قادرة على الحركة والتخاطب والتواصل البصري، والتعبير عن حاجتها للطعام والشراب. وعندما أطفأت شمعتها الأولى، ودخلت في الثانية، بدأت تلاحظ عليها والدتها بعض السلوكيات الغربية والاختلاف عن أقرانها من الأطفال الذين ينشؤون بشكل طبيعي. ثم تضاعفت معاناة الطفلة لدرجة تدهور حالتها الصحية والنفسية، ورفض احتضان والداتها لها، وعجز الأسرة عن تفهّم مشكلتها وعن التعامل معها.

تعاني ضحى حسن محمد أبو دنيا (8 سنوات)، ووفق تشخيص حالتها الذي تحدثت به والدتها للكاتب؛ من حالة ضمور بنسبة بسيطة في الدماغ، وفقدان التواصل البصري، ولديها تشتت ذهني، وفرط حركة زائدة، مع صعوبة في الحركة والمشي. كما أن علاقة ضحى بأشقائها غير جيدة، والأطفال ينفرون منها، خاصة أشقائها لأنها تعضّهم بكثرة، وتمتطي ظهورهم، وتخرب الألعاب الخاصة بهم. وإلى ذلك، نادرًا ما تستطيع التعبير عن حاجتها والتفاعل مع والداتها التي لا تفارقها لحظة، وتبذل كل طاقتها لإخراج طفلتها من عزلتها ومساعدتها لتعيش معها حياة الأمومة والمرح.

تعيش ضحى –كما تحكي والدتها- منذ سنوات عمرها الأولى، ظروفًا صحية وأوضاعًا نفسية بالغة القسوة. عائلتها كذلك تعاني مرارة ما تعانيه طفلتها من صنوف العذابات التي لا تحصى ويصعب أن تروى. فلم تكن تفطن الأسرة منذ الوهلة الأولى لحقيقة معاناة طفلتها، ولكن إصرارها قادها في نهاية المطاف لمعرفة العالم الخاص بضحى.  

طرقت أم ضحى أبوابًا كثيرة، وترددت، في العاصمة صنعاء، على مستشفيات أهلية لديها أطباء نفسانيون وأطباء أعصاب وعيادات خاصة بالأطفال. وبعد سنوات من المعاناة أرشدهم أحد الأطباء إلى إلحاق الطفلة بأحد مراكز رعاية أطفال التوَحُّد، عقب تشخيص حالتها وتأكيدهم على وجود أعراض وسمات لديها ترجح إصابتها بهذا المرض، في الوقت الذي تعاني فيه البلد من ازدياد حالات الإصابة بالتوَحُّد بين (1)الأطفال وقلة مراكز الرعاية وغياب المحاضن المؤهلة.

أم ضحى (30 سنة) لا تعرف شيئًا عن اضطراب التوحُّد، ولم تكن على علم بوجود مثل هذه المحاضن التي تهتم بمشكلة ومعاناة طفلتها، رغم رحلة البحث الطويلة والمعاناة الممتدة منذ سنوات. وعندما تسنى لها الوصول إلى بعض المراكز –كما تتحدث لمنصة "خيوط"- لم تحصل ضحى على التشخيص الكافي والرعاية اللازمة، كون هذه المراكز حديثة النشأة وغير مؤهلة جيدًا، وعدد غير يسير منها توقف عن تقديم الخدمات.

 والتوَحُّد مصطلح يطلق على أحد اضطرابات النمو الارتقائي الشاملة التي تتميز بقصور وتوقف في نمو الإدراك الحسي واللغة، ونمو القدرة على التواصل والتخاطب والتعلم والنمو المعرفي والاجتماعي، وعادة ما يصيب الأطفال في الثلاث سنوات الأولى، حيث يفتقر الأطفال إلى الكلام المفهوم ذي المعنى الواضح، كما يتصفون بالانطواء على أنفسهم وعدم الاهتمام بالآخرين أو التفاعل معهم. ويصبح (2)الطفل وكأن جهازه العصبي قد توقف تمامًا عن العمل، كما لو كانت قد توقفت حواسه الخمس، وأصبح يعيش منغلقًا على ذاته في عالمه الخاص.

لا يحظى الأطفال المصابين بالتوحُّد في اليمن، بأي رعاية أو اهتمام حكومي، كما لا يحظون بالاهتمام اللازم من قبل المؤسسات الخاصة والمجتمعية ووسائل الإعلام، فيما تصنّفهم بعض المؤسسات المدنية العاملة في مجال رعاية المصابين بالتوحّد، ضمن الفئات المهمشة

أعداد المصابين بالتوَحُّد في اليمن  

في الوقت الذي يتكاثر فيه عدد المصابين باضطراب التوَحُّد بشكل متسارع ومتفاقم في اليمن، إلا أنه لا توجد أرقام وإحصائيات محددة ودقيقة على المستوى الرسمي، لأعداد المصابين بالتوَحُّد من الأطفال؛ ما يخلق قصورًا في وضوح الخدمات المفترض تقديمها لهم. وطبقًا لنسبة الانتشار العالمي للتوَحُّد التي تقول إن اضطراب التوَحُّد يحدث في أي مجتمع بمعدل 10 – 20 حالة، في كل 10 آلاف نسمة، تقدر دراسة بحثية أكاديمية يمنية (3)، عدد المصابين في المجتمع اليمني، ما بين (19495–38990) حالة، وفقًا لعدد السكان في آخر إحصاء سكاني للبلاد عام 2004، وهي الإحصائية التي بلغ فيها عدد سكان اليمن (19.721.643). وبحسب تقديرات النمو السكاني خلال السنوات اللاحقة للعام 2004، والذي تفترض بلوغ عدد سكان اليمن 30 مليون نسمة، فإن نسبة المصابين بالتوَحُّد في صفوف الأطفال تتراوح بين 30 ألف و60 ألف مُصاب.

   أطفال التوحُّد دون رعاية 

لا يحظى الأطفال المصابون بالتوحُّد في اليمن، بأي رعاية أو اهتمام حكومي، كما لا يحظون بالاهتمام اللازم من قبل المؤسسات الخاصة والمجتمعية ووسائل الإعلام، فيما تصنّفهم بعض المؤسسات المدنية العاملة في مجال رعاية المصابين بالتوحّد، ضمن الفئات المهمشة (4). وقد تسببت الحرب في ارتفاع نسبة المصابين الجدد بهذا المرض، وفي زيادة معاناة الموجودين من قبل، ووُجد الكثير من (6)الأطفال مشوهين نتيجة استخدام أسلحة محرمة وإشعاعات تؤثر على الحوامل في اليمن، وفق مصادر رسمية (5) وتقارير صحافية.

تفيد تقارير علمية بأن التوحُّد يؤثر على حياة الطفل ونموه، فهو لا يستطيع التعبير عن احتياجاته ورغباته فيُعبّر عنها بطريقة عكسية، كالبكاء أو الضحك أو الضرب على الرأس، وليس بمقدوره إقامة علاقات إنسانية، سواء عاطفية أو اجتماعية، ونحو ذلك (7). كما أن ارتفاع نسبة الجهل والأميّة بين أولياء الأمور والمجتمع في اليمن بشكل عام، يفاقم مشاكل الطفل المتوحد، والأسوأ من ذلك تعمُّد بعض الأسر (8)إخفاء أطفالها المتوحِّدين وحرمانهم من التعليم ومن الاندماج مع المجتمع. 

ويواجه العاملين في مراكز تأهيل المصابين بالتوحّد، غياب الدعم الحكومي وعدم وجود مراكز رسمية خاصة بهؤلاء المرضى. تقول ريّا عكَّام، وهي مسؤولة في مركز "ابني" لرعاية المصابين بالتوحُّد: "يعاني القائمون على المراكز من شحة الدعم وقلة الوسائل والأدوات المساعدة في التأهيل، وندرة في وجود مقاييس ذكاء والتشخيص الدقيق لمرض التوحُّد، وعدم توفر مساحة للتشخيص والتدخل المبكر، أو تبادل الخبرات بين المراكز وقطاع الصحة والمنظمات". 

عندما تفتح المدارس أبوابها ويقترب العام الدراسي، يراود شريفة الوشلي الحلم ذاته الذي يراودها منذ سنوات؛ شراء الحقيبة المدرسية والدفاتر والألوان، لتُلحق ابنتها في مدارس عادية مثلها مثل بقية الأطفال

لا تختلف قصص معاناة أطفال التوحُّد وعائلاتهم في اليمن عن بعضها؛ فقصة الطفلة ضحى هي قصة ليان يحيى قطران (5 سنوات). تقول أم ليان في رسالة محزنة بعثتها للكاتب: "لقد أفقدتني الحرب سلامة وصحة طفلتي، فقد بدت مشكلتي معها منذ الوهلة الأولى عند حملي المليء بالخوف والفزع الذي تملكني من شدّة سقوط الصواريخ والقنابل العنقودية على مدينة صنعاء وحدوث العديد من الانفجارات على المدى الطويل، وما زلت في فقْدٍ مستمر، فالطفلة في حاجة إلى رعاية خاصة من أدوية وعلاجات ومصاريف وتدريب وغيره".

لدى ضحى أبو دنيا أعراض وسمات متعددة، وتحتاج إلى اهتمام ورعاية خاصة، فهي تحتاج إلى تأهيل نفسي وذاتي قبل أي تأهيل آخر. وقد ضاعفت الحرب من معاناة ضحى وقدرة أسرتها على معالجتها ورعايتها وشراء الأدوية والمستلزمات الطبية التي تكاد تكون شبه معدومة في اليمن.

تتناول ضحى عِدّة أدوية لتخفيف الكهربائية الزائدة في الدماغ، وضعف التركيز وتنمية الذاكرة، ومعالجة الحالة النفسية. وقد أثرت الحرب على سلامة وصحة الطفلة، وتضطر الأسرة لتوفير تكاليف علاج وتطبيب الطفلة على حساب مصاريف العائلة، كما تدخر من مصروفها الخاص للإسهام في تكاليف رعايتها الصحية. 

شريفة الوشلي وزوجها حسن محمد (43 سنة)، والذي فقد وظيفته الرسمية في ظل الحرب، يواجهان الكثير من الضغوطات والأعباء الإضافية جراء إصابة طفلتهما بالتوحّد. فالطفل التوحُّدي بحاجة إلى رعاية واهتمام من نوع خاص، إضافة لتكاليف الأدوية والتأهيل. وهذه التكاليف تشكل ضغطًا نفسيًّا وعبئًا كبيرًا على الأسرة من ناحية، كونه عبئًا يلازمهما فلا يستطيعان العيش بحرية وممارسة حياتهما بشكل طبيعي، وقد يتسبب للوالدين بالاكتئاب واضطرابات نفسية.

تجد شريفة الآن نفسها أسيرة معاناة طفلتها في سجن كبير. فهي تتناوب مع زوجها ساعات النوم ليلًا، لأن ساعات نوم ضحى قليلة، وإضافة إلى ذلك تقضي معظم النهار مع ضحى مكوثًا في المراكز حديثة النشأة والتأسيس التي انتهت إليها رحلة ثماني سنوات من المعاناة الشاقة والبحث عن حلول ناجعة لشفائها. لم يساعدهما أي إجراء في إنقاذ طفلتهما من معاناتها، ويأملان أن يجدا لها فرصة للعلاج خارج اليمن.

وعندما تفتح المدارس أبوابها ويقترب العام الدراسي، يراود شريفة الوشلي الحلم ذاته الذي يراودها منذ سنوات؛ شراء الحقيبة المدرسية والدفاتر والألوان لتلحق ابنتها في مدارس عادية مثلها مثل بقية الأطفال. تقول أم ضحى: "تحطمت آمالي، ولم يفارق الحزن كل أيامي، وكل ما فتحت لي نافذة من الأمل، أعود بقدمين محبطتين وخيبات متكررة. لقد عرضناها على كثير من الأطباء والمراكز، وكل ما أرجوه أن تلتحق طفلتي بالمدرسة وتصبح مندمجة مع أهلها في البيت وأقرانها الأطفال، وأن يُبصر العالم اختلاف طفلتي عن الأطفال الآخرين بعين العطف والرحمة".

هوامش:

(1) موقع الجريدة الرسمية الثورة نت (نيسان/ أبريل 2016م)، ازدياد حالات التوحد بين الأطفال وقلة في مراكز الرعاية. تم الوصول في 10 أبريل 2020م: http://althawrah.ye/archives/388744

(2) الشخص، عبدالعزيز، والدماطي، عبد الغفار (1992م)، قاموس التربية الخاصة وتأهيل غير الأسوياء، القاهرة مصر، مكتبة الأنجلو المصرية.

(3) المركز الوطني للمعلومات، الصلوي، مروان عبده غالب سلام (2013م): المشكلات التي تواجه الأطفال التوّحديين في أمانة العاصمة صنعاء، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة صنعاء، كلية التربية.

(4) الدقيمي، غمدان، (كانون الأول ديسمبر 2017)، التوحد في زمن الحرب، قصة شاب يمني. تم الوصول في 20 مارس 2021: https://www.irfaasawtak.com/world/2020/04/01

(5) المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة، تميم الشامي لجريدة الأخبار اللبنانية (كانون الأول ديسمبر 2015): شواهد كثيرة على استعمال «التحالف» للأسلحة المحرمة دوليًّا ضد المدنيين العزل في العاصمة صنعاء، صعدة، حجة، تعز، ومأرب. تم الوصول في 20 مارس 2021. https://al-akhbar.com/FrontLine_Countries/580

(6) موقع الوكالة الرسمية سبأ (أيلول/ سبتمبر 2015م) أطفال اليمن ضحايا تحت القصف والمجتمع الدولي غير مبالي في ندوة بصنعاء (مصحح). تم الوصول في 20 مارس 2021: https://www.saba.ye/ar/news404153.htm

(7) التوحد إطار عالمي للعمل، تقرير منتدى التوحد التابع لمؤتمر «ويش» 2016م . تم الوصول في 20 مارس 2021م.
https://www.wish.org.qa/wp-content/uploads/2018/01/Arabic_WISH_Autism_Report_FINAL.pdf

(8) الدقيمي، غمدان، (كانون الأول ديسمبر 2017م)، في اليمن بعض الأسر تخفي أبناءها المتوحدين. تم الوصول في 20 مارس 2021م:https://almushahid.net/22749/

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English