"الزنداني" جدل واسع حيًّا وميتًا

الشيخ وكذبة أبريل
خيوط
May 6, 2024

"الزنداني" جدل واسع حيًّا وميتًا

الشيخ وكذبة أبريل
خيوط
May 6, 2024
.

لم يكن العيد سوى كذبة أبريل للكثير من اليمنيين؛ بسبب ضيق الحال وتردّي الأوضاع المعيشية، وسرعان ما تحولت هذه الكذبة إلى جدل حول العديد من القضايا والأحداث التي كانت "السوشيال ميديا" مكان وقوعها، وساحة رئيسية للجدال والسجال حولها.

هذا الجدل سرعان ما انفجر مع وفاة رجل الدين اليمني الشهير، الشيخ عبدالمجيد الزنداني، كان ذلك بمثابة أهم حدث في شهر أبريل، ليس على مستوى اليمن بل في المنطقة العربية والإقليمية.

ألقت وفاته بصخرة على مياه كانت راكدة، بسبب "سبلة" عيد الفطر؛ كما يطلق محليًّا على الأيام الأخيرة من الفترة المحددة لإجازة العيد، وكذا مع هدوء الأوضاع في اليمن، نتيجة انحسار الصراع في البلاد على مستوى الجبهات والجانب العسكري، إلا من حشود هنا وهناك، ومناوشات سرعان ما تعود إلى حالة الخفوت.

انفجرت مواقع التواصل الاجتماعي ومختلف وسائل الإعلام والحياة العامة بين منتقد و"مترحّم" عليه وبين رافض لذلك. ظهرت من جديد قصة الفتاوي المنسوبة له، ومنها ما رافقت فترات الصراع السياسي والعسكري خلال العقود الثلاثة الماضية في اليمن، حيث كان الراحل أحد أبرز وجوه هذه المراحل. كما تناقل ناشطون وقنوات تلفزيونية صورة له مع أحمد عزام في أفغانستان، جامعة الإيمان وعلاج مرض الإيدز، في حين كانت أكثر عبارة متداولة خصوصًا من قبل الأجيال الجديدة مرفقة مع صورة الشيخ: "عند الله تجتمع الخصوم"، بينما كثير منهم لا يعرف ما هي هذه الخصوم؟ لكنها وسائل التواصل الاجتماعي، وفق حديث الباحث الاجتماعي فهمي منصور، لـ"خيوط"، التي أصبحت تساهم بطريقة خطيرة في تشكيل وعي نسبة كبيرة من هذه الأجيال التي تغافل بعضٌ منهم وهو يكتب هذه العبارة أن جزءًا مهمًّا من المنهج الذي درسه في التعليم العام ألفه الشيخ، محل الجدل الذي يريدون "مخاصمته". 

ساحات عديدة للجدل

هكذا يصنفه بعضهم؛ هناك عبدالمجيد الدعوة، وهناك عبدالمجيد السياسة. يتقمص الدعوي السياسي ويتلبس السياسي الدعوي حتى لا تكاد تجد فرقًا، وهي حالة ملتبسة تمامًا كحالة التباس الإخواني بالسلفي عنده. شكل من الزواج السياسي، بحسب تعبير الكاتب والمفكر الدكتور أحمد سنان؛ جمع بين السلفية الوهابية والسنية الإخوانية وفقًا لفقه الضرورة، على طريقة فتوى "زواج فريند" الشهيرة.

ترك الشيخ الزنداني حياة الدنيا المثقلة بجدليات وتناقضات جمة، وانتقل إلى قبره حاملًا معه ما كان قد اقترفه شرًّا وخيرًا، إذ يرى الدكتور سنان، في تصريح لـ"خيوط"، أن "يكف الخطاب عن الرجل"، توقيرًا لمن وكل به، وما دام أنه يتجه صوب قضاء الخالق بعد عجز قضاء الخلق عن إحضاره أمامه في كل ما نُسب إليه، ولم يستطع قُضاة الخلق بسبب من ذلك إدانته أو تبرئته.

جميع تلك المكتسبات التي تحققت منذ الثمانينيات في صنعاء، وطوال عقود في جنوب اليمن، أخذت في التلاشي بعد سيطرة التيار الديني على جهاز السلطة، حيث احتكم الفن، بما فيه المسرح والغناء والفن التشكيلي، للنظرة الأصولية، ورقابة رجال المخابرات، وبالمحصلة سرعان ما انتشرت التحريمات الدينية في المجتمع اليمني، وكذلك مفاهيم العار والعيب بين الأُسَر الأقل تشدُّدًا.

يدافع أنصاره عنه بقوة، فهو بنظرهم الرجل المؤمن القوي الشجاع الزاهد الورع، نموذج رجل الدين الذي يريدون السير على خطاه. هكذا تحولت مختلف المنابر المتاحة من مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام وغيرها، إلى ساحة للسجال والجدال استمرت طوال شهر أبريل بالتزامن مع حملات أخرى صادمة بانتهاكها للخصوصيات، لم يقطعها سوى ظهور بعض المستجدات الطارئة هنا أو هناك، كانت بعضها كارثية تحولت إلى حديث الساعة في المجتمع المتمثلة بقصة المبيدات المحظورة المتداولة على نطاق واسع في اليمن. 

ولكن بالمقابل، أنصار الشيخ بدلًا من أن يسعوا لتهدئة النفوس ولملمة الشمل وتناسي بعضٍ مما شجر خلال عقود كثيرة (والحديث هنا للدكتور سنان)، أخذوا يتنافسون على تهييج الخصوم. هذا ولّد تشفيًا وحساسية مقابلة، فاشتعلت المواقع الإلكترونية بحرب ضروس قد لا تخمد قريبًا، وكأننا لم نكتفِ من الحروب.

كما يقول سنان: "لا يشغلنا كثيرًا الزنداني الدعوي الصرف، فذلك قد تصدى له بعض خصومه في سوق الدعوة، منهم الوادعي والحجوري وغيرهم، مع أن كل هؤلاء كانوا يلتقون عند داعم واحد. الزنداني السياسي هو ما يعنينا ويحتاج إلى بيان خطل أو صواب منهجية خطابه الرافض للآخر.

منذ فجر الإسلام يتصارعون على السلطة، هذا يقول: إن السلطة لقريش، وذاك يقول: إن السلطة  للصدريين؛ لكنهم يتغافلون أن الله بعث النبي محمدًا بالدين الإسلامي للعالمين، ليس لعشيرة أو لعائلة".

أستاذ علم الاجتماع بجامعة صنعاء، عادل الشرجبي، كان له رأي مهم في موضوع الشيخ والجدل الدائر: "كنا نحن -اليساريين، والحداثيين بشكل عام- في نظر رموز الإسلام السياسي كفّارًا، سواء عن إيمان وعقيدة أو خدمة لأهداف سياسية".

وعلى الرغم من ذلك، كان معظمهم عند موت أحد رموز اليسار والحداثة لا يشمتون، بل يبادرون قبل غيرهم إلى الدعاء له بالرحمة والمغفرة، بحسب الدكتور الشرجبي، حدث هذا كما يقول: "عند اغتيال جار الله عمر، وعندما تُوفي الدكتور عبدالعزيز المقالح، رغم أنّهم كفّروه أثناء حياته واستتابوه".

بالمقابل، يرى الدكتور سنان، أن الزنداني لم يكن معروفًا بصفته سياسيًّا إلا مع الحرب الأفغانية عندما تبنّى الفكرة الأمريكية في مجاهدة الروس مقدمة على أولويات أخرى. ليلتقي بعد ذلك مع الشيخ حسين الوادعي مطلع تسعينيات القرن الماضي ضد دستور الوحدة، إذ يشير الشيخ الأحمر في مذكراته إلى الدور الكبير للزنداني ضد الدولة، وتحويلها إلى دولة إسلاموية على غرار المملكة الجارّة، التي تحاول اليومَ خلع جلبابها القديم ولبس البدلة وربطة العنق.

كما كان الفن جزءًا رئيسيًّا من الجدل الدائر وسيرة وأفكار "الشيخ"، إذ يرى الكاتب والناقد محمد الكرامي، في حديثه لـ"خيوط"، أنّ الزنداني لعب دورًا سلبيًّا في المشهد الفني اليمني، منذ اندلاع حرب صالح ضد الجنوب والحزب الاشتراكي في صيف 94، مشيرًا إلى أن اليمن كانت تشهد أكبر تظاهرة فنية في فترة (1990-1993)، لكن جميع تلك المكتسبات التي تحققت منذ الثمانينيات في صنعاء، وطوال عقود في جنوب اليمن، أخذت في التلاشي بعد سيطرة التيار الديني على جهاز السلطة، حيث احتكم الفن، بما فيه المسرح والغناء والفن التشكيلي، للنظرة الأصولية، ورقابة رجال المخابرات، وبالمحصلة سرعان ما انتشرت التحريمات الدينية في المجتمع اليمني، وكذلك مفاهيم العار والعيب بين الأُسر الأقل تشدّدًا.

الأمر يحتاج إلى شيء من العقلانية

سبق شهر أبريل/ نيسان ورحيل رجل الدين البارز الشيخ المثير للجدل عبدالمجيد الزنداني، الذي يصف كثيرون في إطار انتقاده لهم، أفكارَه بالمتطرفة والمتشددة والتي ساهمت في جزء من المشهد بالغ التعقيد المتأرجح بين العداء للإسلام ومن يستخدمونه بطريقة متطرفة- اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة، قرارًا بعنوان: "تدابير مكافحة كراهية الإسلام". جاء ذلك خلال اجتماع بمناسبة اليوم الدولي لمكافحة كراهية الإسلام أو"الإسلاموفوبيا". صوتت 115 دولة لصالح مشروع القرار الذي قدّمته باكستان نيابة عن منظمة التعاون الإسلامي، فيما امتنعت 44 دولة عن التصويت. ولم تصوّت أي دولة ضد القرار.

هل كان يختلف في ذلك عن خصومه الذين لا يغسل رثاؤهم له والتظاهر بتسامحهم عن ماضيه، ما ارتكبوه أنفسهم من كوارث ومجازر وانتهاكات؟ الأمر يحتاج إلى شيء من العقلانية عند المؤيدين والمناوئين له على حد سواء".

ويدين القرار أي دعوة إلى الكراهية الدينية والتحريض على التمييز أو العداوة أو العنف ضد المسلمين، "كما يبدو من تزايد حوادث تدنيس كتابهم المقدس والهجمات التي تستهدف المساجد والمواقع والأضرحة". وتهيب الجمعية العامة في قرارها بالدول الأعضاء، أن تتخذ التدابير اللازمة لمكافحة التعصب الديني والقوالب النمطية والسلبية والكراهية والتحريض على العنف وممارسته ضد المسلمين، وأن تحظر بموجب القانون التحريض على العنف وممارسته على أساس الدين أو المعتقد.

بالمقابل، ظهر صراع الأيديولوجيات في رحيل الزنداني مقرفًا إلى حدٍّ مثيرٍ للإشفاق بل الاشمئزاز، هكذا يرى بعضهم ما حدث بعد وفاة الشيخ "الإشكالي". 

الإعلامي اليمني أنور العنسي، يقول في هذا الخصوص: "أسرف البعض في الثناء على رجلٍ اشتغل بالدين بما لا يجوز في تذكر محاسن الموتى، وتقيأ البعض الآخر بما لا ينبغي تجاوزًا عليه القول في جلال الموت".

يضيف: "في كل الحوارات الجادة والجريئة التي أجريتها معه وتم حذفها من كثير من المنصات التي تزعم احترامها للرأي والرأي الآخر، كنت متحديًا له بكل الحجج، طارحًا عليه أسئلة الدولة والأحزاب والنخب والمجتمع، الداخل والخارج، بشأن الدين والإسلام السياسي والإرهاب والتطرف وتمكين المرأة وحمل (المدنيين) للسلاح وغير ذلك، فكانت له من الحجج في الرد عليها ما يعتقد الكثير من أتباعه ومريديه أنها قوية ومقنِعة".

"الزنداني كان جزءًا من أيديولوجية راديكالية متأسلمة متشدّدة، هذا أمرٌ لا شكّ ولا جدال فيه، لكن هل هو وحده من يستحق المحاكمة من بين رفاقه الأحياء والأموات؟"، ويتساءل العنسي: "هل كان يختلف في ذلك عن خصومه الذين لا يغسل رثاؤهم له والتظاهر بتسامحهم عن ماضيه ما ارتكبوه أنفسهم من كوارث ومجازر وانتهاكات؟ الأمر يحتاج إلى شيء من العقلانية عند المؤيدين والمناوئين له على حد سواء، خصوصًا أن الرجل لم يكن قد ووُري الثرى بعد".

بينما يستمر مناصروه كثيرًا في ترديد ما قالوا إنها وصاياه الأخيرة التي دعا فيها للوحدة ونبذ الفرقة، نصح الأحزاب، وشدّد على توحد المواقف خلف القضية الفلسطينية؛ نصائح مقدمة من الشيخ الذي أشغل الناس حيًّا وميتًا.

الجدير بالذكر، أنّ الشيخ عبدالمجيد بن عزيز الزنداني وُلد سنة 1942، في قرية الظهبي بمديرية الشعر من محافظة إب، إحدى محافظات الجمهورية اليمنية، ولكن أصله من منطقة "زندان" في مديرية أرحب بمحافظة صنعاء.

‏بحسب "موسوعة الجزيرة"، فقد تلقى تعليمه الأولي في الكتّاب بمسقط رأسه، والتحق بالدراسة النظامية في عدن، ثم انتقل إلى مصر للدراسة الجامعية، فالتحق بكلية الصيدلة ودرس فيها سنتين ثم تركها بسبب اهتمامه بالعلم الشرعي، وأخذ يقرأ في علوم الشريعة، وتسنى له الالتقاء بأكابر العلماء في الأزهر الشريف.

بعد تولي عبدالرحمن الإرياني الحكمَ في اليمن، عاد الزنداني إلى صنعاء، حيث كان يعيش في السعودية، وتولى إدارة الشؤون العلمية في وزارة التربية والتعليم، وعمل في تدريس عددٍ من المواد العلمية، كمادة الأحياء، ثم عُيّن رئيسًا لمكتب التوجيه والإرشاد عند إنشائه سنة 1975، قبل أن يُعيّن في وزارة المعارف.

بينما شكّل الإعجاز العلمي أحد الانشغالات الأهمّ للزنداني، إذ يعتبره مناصروه وكثير من رجال الدين أحدَ أبرز العلماء المعاصرين الذين حاولوا البرهنة على سبق القرآن في مجال الحديث عن الاكتشافات العلمية في مجالات كثيرة، كالطب، وخلق الإنسان، والجيولوجيا.

في عام 2004، أعلن أنّه اكتشف دواء لمرض فقدان المناعة المكتسب (الإيدز)، وذلك عن طريق خلط مستخلصات من أعشاب، قال إنّ لها تأثيرًا على الفيروسات وعلى بعض الخلايا السرطانية. وأكّد أنّ أبحاثه في هذا المجال استغرقت 15 عامًا، رافضًا الكشف عن الوصفة خشية السطو عليها مما سمّاه "مافيات الأدوية".

•••
خيوط

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English