"النُعْمَان" ومدركاته التنويرية

التحديث علاج لجسد عليل!
عبدالقوي غالب
January 23, 2023

"النُعْمَان" ومدركاته التنويرية

التحديث علاج لجسد عليل!
عبدالقوي غالب
January 23, 2023

بدأت الحداثة شعرًا؛ وذلك من خلال قصائد "بودلير"؛ حيث بَدا شعره جديدًا ومختلفًا؛ كل شيء موضوع للشعر. 

لَئِنْ بَدا بودلير (1821–1867) متوافقًا مع "فكرة التقدم"، فإنّه أبدَى عمقًا مضادًّا لها، جماليًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا، ومع هذا عدّته الثقافة الفرنسية السائدة حينها "صعلوكًا" و"لا أخلاقيًّا".

لـ"حداثة بودلير" نَفَس حياة موجود في ثقافة العرب؛ حيث نجد نفس الحياة هذا في حياة وشعر "الشعراء الصعاليك". وهذا معناه أنّ "الحداثة" موجودة في عمق أنفسنا العميقة: الشعر.

نظر "نعمان" (1909–1996) للحداثة من خلال جديدها للحياة، فعمد نحو الأدب؛ لأنّ الأدب أفق ثقافة، فأسس مجلسًا أدبيًّا في بلدته "ذبحان" وأدخل "تعليمًا معلمنًا" بجانب التعليم التقليدي؛ ممّا أدّى إلى غلق المدرسة التي يُعَلِّم فيها، من قبل السلطة السياسية والدينية، وعلى إثر ذلك غادرَ اليمن عام 1936.

لاحظ "نعمان" خلال عمله في التحديث القصير الذي قام به في بلدته الصغيرة "ذبحان" أَنَّ ثقافة سكان مجتمعه (ثقافة التصوف وثقافة الحياة اليومية) ثقافةٌ مُحِبَّة ومنفتحة على الحداثة وجديدها.

التحديث علاج..

أدرك "نعمان" أنَّ التحديث علاجٌ لجسد عليل بحضور التاريخ على حساب الحياة، فبدأ بعلاج جسده الفردي؛ تعلم الكتابة بأسلوب حديث، وأخذ في تحديث جسد بلدته الصغيرة "ذبحان"؛ من خلال تعليم حديث منفتح على الأدب والموسيقا. 

لجوء "نعمان" إلى التحديث -أداة الحداثة- معناه أنّه أدرك مقرّ عشب علاج الجسد وذاكرته معًا. 

إنّ الأداة هي "وسط"، والتحديث هو وسط جديد للحياة. من هنا تصبح الحداثة من صميم الحياة؛ حيث الحداثة حداثات، والرغبة رغبات؛ ففي الوسط يجري تداخل وتخارج للأجساد؛ أي إنّ الوسط هو مكان نلتقي فيه مع الطبيعة، والتي ننتمي إليها وليس العكس. إنّه وسط يقطع ليصل، ويصل ليقطع. 

وبعبارة أخرى، إنّ الوسط حياة وفيه يرتقي الجسد جروحه.

المُعارِض "الأصيل" مُعارِضًا ذاته.. 

تسرّبت "الحداثة" إلى جميع أجساد عوالم الإنسان، بما فيها جسد اليمن، مشققة الاستبداد.

لاحظ "نعمان أنّ للحداثة "شرّ" -الشرّ متجذّر في وجود الإنسان– ولكن لها "مصير عالميّ" لا بُدّ من المشاركة فيه؛ فالحداثة مختلفة تاريخًا ومصيرًا يَمْضِي من خلالها جديدُ الحياة، مَعْبَرُه مثقفٌ مُدْرِك أَنَّ التاريخ ليس معنى، إنّما عرض متعدد للحياة.

مدرك الوعي -هذا- لَهُوَ ما تفاوض عليه وفارق فيه "نعمان" الجميعَ؛ ولذا بَدا في نظرهم -أصدقاء وأعداء- "مُبْهَمًا ومَلْعونًا".

نظرة الاختلاف للحداثة كـ"وسط" من قبل نعمان، هو ما يوضّح ما السياسة لديه: وَسَط مبين للاختلاف دون تمركز؛ أي إنّ السياسة لديه جسد دون سر. 

من هنا تتبيّن معارضته لاغتيال الآخر 1948 (إشارة إلى اغتيال الإمام يحيى عام 1948، من قبل المعارضة السياسية، والتي كان نعمان أحد تياراتها الفكرية)، لأنّ السياسة تفقد وسطها وتتحول إلى جحيم؛ فالمعارضة السياسية حيوية، أي من أجل الحياة، وعندما تذهب معارضة سياسية نحو القتل، تفقد السياسة حيويتها. 

ومن هنا أيضًا، تتضح معارضته السلطة (سواء كانت سلطة حكومة دولة الإمام أو سلطة حكومة دولة الجمهورية)؛ فهو كسياسي لا يرفض السلطة؛ ولكن يرفضها عندما تصبح ضدّ الحياة (إشارة إلى تقديم استقالته من رئاسة الحكومة في عهد الإرياني)، فالسلطة قرارٌ فقط، قرارٌ من أجل الحياة؛ فعندما تذهب السلطة إلى إلغاء وسط حياة ما، تغدو السلطة ثقبًا أسود؛ منفذ فساد يمتص الحياة أو منفذ استبداد يعدم الحياة.

يتضح عمق أصالة معارضة "نعمان" السياسية في رسالة الأنّة الأولى (رسالة موجهة للأمير أحمد بن الإمام يحيى في ثلاثينيات القرن الماضي– نشرت عام 1938م)، حيث المعارض السياسي الأصيل كما المثقف الأصيل معارضًا ناقدًا ذاته، بما يجعل من عمق الذات الثقافية التي ينتمي إليها سطحًا من سطوح العصر الذي يحيا فيه؛ حيث العصر هنا هو عهد الحداثة، عهد لإنسانية مختلفة عن عهد إنسانية الملة؛ حيث المعارِض والمثقف يتجاوز ذاته كي ينتمي إليها انتماء "أصيلًا"؛ أي يبتكر اختلافها في العصر، فما نعتقد أنّه أصل لم يكن إلّا اختلافًا، وما الحداثة إلا ابتكار الاختلاف؛ أي أصلٌ آخر. فكيف ننتمي للحداثة؟ بل كيف ننتمي نحن الكائنات ما بعد الحديثة إلى الحداثة؟ وإلى ما بعد الحداثة؟ وهل تساعدنا سيرة "نعمان" الثقافية والسياسة نحن الأجيال اليمنية الحالية "كائنات العولمة" على هذا الضرب المضاعف من الانتماء إلى أنفسنا في الحداثة وما بعدها، دون أن نكون ضحايا هُويّة؟

•••
عبدالقوي غالب

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English