"الهُدف" واستطالة الخرافة

تعليلات شعبية لوفاة حديثي الولادة وعلاجهم في إب
بلال فيصل
February 29, 2024

"الهُدف" واستطالة الخرافة

تعليلات شعبية لوفاة حديثي الولادة وعلاجهم في إب
بلال فيصل
February 29, 2024
.

في محافظة إب (وسط اليمن)، معتقداتٌ شعبية قديمة منتشرة بين الناس، بعضها مستمر حتى اليوم، من ذلك ما يسمى: "الهُدف"، خلاصته أن الأطفال حديثي الولادة معرضون للإصابة بعلل وأمراض أسبابها غريبة غير منطقية، تنتهي ببعضهم إلى الموت، أما طرق علاجها فعجيبة وغير مألوفة، يعتبرها كثير من الناس خرافات، ولا تخلو من المنكرات.

الأطفال الذين يعانون هذه الحالة يُطلق عليهم "الأطفال المهدفون" أو "الطفل المهدوف"، ويكون كثير البكاء، هزيل الجسم. يقال: "طفل فلان اهتدف"؛ أي أصيب بالعلة والمرض، و"طفل فلان يجب أن يهدف له"؛ أي يجب معالجته.

بحثَت "خيوط" في أصل الأمر وحقيقته، والقصص المتداولة حوله، وما إذا كان خرافة أم أقرب إلى المصادفة أم حقيقة مجربة ومكررة.

لا يُعرف تحديدًا سبب التسمية (الهُدف) وانتشارها، لكن من خلال ما سمعناه ورصدناه؛ تعني (الإصابة)، يقال: "فلان هدفته عين"؛ أي أصابته.

المعتقد الغريب

بحسب اعتقاد الناس، يكون الطفل عرضة لما يسمى "الهُدف"، عندما يكون بين عمر الولادة إلى ثلاثة أشهر، لأسباب لا تتعلق بمرض عضوي أو خلل ما في الجسم، وإنما لأمور أخرى خارجية تبدو غريبة. فإذا ذهبت أمُّ الطفل إلى بيت عزاء، أو حضرت حفل زفاف، وعادت إلى طفلها وهو في مكانه وأخذته إلى حضنها، فإن ذلك يتسبب بإصابته بالعلة "الهُدف"، وسيبدأ جسده بالنحول شيئًا فشيئًا.

تكون الأم سببًا في "هُدف" طفلها في حالات، وفي أخرى يكون السبب أحد أفراد العائلة أو من خارجها.

ومن المعتقدات المرتبطة بالهُدف أنه عندما تغتسل المرأة النفاس في يومها السابع أو يوم الأربعين لا يسمح لها بأخذ طفلها وهي عائدة من الحمام مباشرة وشعرها مبلل؛ لأن ذلك وبحسب معتقدات الناس سببٌ في اعتلال الطفل وظهور علامات المرض وربما يموت في غضون أيام قليلة إذا لم تتنبه العائلة. ولكي تأخذ الأم طفلها دون أي مشكلة، تقوم إحداهن بحمل الطفل ورفعه فوق رأس الأم وهي عائدة من الحمام ثم تحتضنه بشكل طبيعي، ولن يحدث له شيء، أما إذا حدث العكس وذهبت الأم ووقفت على رأس ابنها الصغير، فيجب أن يغسل الطفل بنفس الماء الذي اغتسلت به الأم، ويكون مجمَّعًا في وعاء.

رواية الجدة

تحدث لـ"خيوط" عددٌ من الأهالي في ريف محافظة إب، وقد بدا على بعضهم الاقتناع بحقيقة "الهُدف" حيث لا يعدونه خرافة أو مجرد معتقدات قديمة. إحدى الجدات تحكي لـ"خيوط"، قصة ابن جارتها "المهدوف"، تقول: "إحدى الأمهات ذهبت إلى عزاء، وعادت مباشرة وأخذت طفلها إلى حضنها، عانى الطفل بعدها وتدهورت صحته، وبدأ جسده بالضمور ونقص الوزن، وكان يبكي كثيرًا. نصحت الأم بالذهاب إلى قبر المتوفَّى الذي ذهبت إلى منزل أسرته لتقديم العزاء". وفعلًا ذهبت وأخذت معها وعاء ماء، وقفت وظهرها إلى القبر، وصبت الماء إلى خلفها ليسقط على القبر ثم تركت المكان، وسلكت طريقًا غير الذي جاءت منه بناء على تعليمات من نصحوها، وبحسب رواية الجدة، تحسن الطفل وعاد إلى حالته السابقة.

في حالات مشابهة للقصة السابقة، يُذهب بالطفل نفسه إلى المقبرة، ويتم غسله هناك وتغيير ملابسه، ومن ثم العودة به إلى المنزل من طرق مختلفة، وإذا لم يتعافَ الطفل "المهدوف"، يُحفر له قبر صغير، ويغطى بالتراب إلى رقبته ثم يُغسل ويلبس ثيابًا جديدة، ويعودون به إلى البيت.

إنّ الطفل المهدوف -وفق الأهالي- إذا ذهب به أهله إلى الأطباء والمستشفيات لن ينفعه ذلك بشيء؛ لأنّه وعند فحصه، ستظهر النتائج إيجابية، وأنه لا يعاني من أي مرض ولا أعراض ظاهرة كالحمى أو الغثيان.

تساءلت "خيوط" عما إذا كان انتشار هذه المعتقدات سببه عدم وجود المستشفيات والمراكز الصحية وقتها، وخاصة في القرى والأرياف لتشخيص حالة الطفل ومعرفة نوع مرضه، لكن الأهالي أكّدوا لنا أن الأمر مستمر إلى اليوم مع وجود المرافق الصحية وانتشارها في مناطقهم، إذ يتم علاج الأطفال المهدوفين بطرق شعبية غريبة.

الكثير من الأمهات في قرى إب وحتى اليوم، يلتزمن ببعض الإجراءات الاحترازية، بحسب ظنهن وشكّهن، ومن ذلك امتناعهن عن احتضان أطفالهن فور عودتهن من مناسبات الأعراس أو العزاء، أو بعد اغتسالهن في فترة النفاس.

طرق العلاج الشعبي

هناك طرق كثيرة غريبة وعجيبة لعلاج الهُدف؛ فمثلًا إذا دخل على الطفل شخص قتل أفعى أو بيده لحم نَي، يؤخذ الطفل المهدوف إلى زريبة، ويُكبَس جسمه إلى رقبته في مكان ناشف، وهناك طريقة أخرى؛ هي إدخاله من تحت جمل من اليمين وإخراجه من الشمال، سبع مرات، إذا كان سبب الهُدف اللحم الني، وفي حالة عدم معرفة سبب هُدف الطفل، يتم جمع ماء من سبعة أماكن متفرقة، ويغسل به وتُغيَّر ملابسه وتُرمى.

وإذا دخل على الطفل حديث الولادة، عروسٌ أو ذهبت أمه إلى حفل زفاف وعادت وأخذته إلى حضنها مباشرة، يؤخذ الطفل ويرفع فوق رأس العروس، أما إذا أتى أحد من دفن ميت وأخذ الطفل مباشرة إلى حضنه، تُجمع ثياب الطفل وكل أدواته وتُرمَى في مكان بعيد، غالبًا فوق شجرة، ويعودون من طريق أخرى غير التي أتوا منها، وذلك خشية أن يهتدف الطفل.

طريقة أخرى أكثر غرابة لعلاج الطفل المهدوف؛ يتم أخذه إلى امرأة تكون في فترة الوحم، ويُدخل الطفل من فتحة كم قميصها الأيمن، بحيث يكون واسعًا، ويُخرَج من كم القميص الأيسر، وتكرر الطريقة سبع مرات.

كذلك، يصاب الطفل حديث الولادة (أي يكون مهدوفًا) إذا دخل عليه أحد وبيده لحم، في هذه الحالة ولعلاج الطفل وإنقاذ حياته، يجب أن يغسل اللحم بالماء ثم يغتسل الطفل به.

من المعتقدات أيضًا، أنه حينما يولد الطفل مريضًا، أو هزيل البنية، يقال عنه: "هدفته عين". في هذه الحالة، يؤخذ الطفل إلى قبر شخص توفِّيَ مقتولًا ثم يقومون بغسل الطفل مع ملابسه فوق القبر، وترك جزء منها أو كلها على ضريح ذلك الشخص؛ اعتقادًا منهم أنه ستذهب عنه العين الهادفة.

في تعز، الطفل المهدوف هو الطفل الهزيل الذي لا يكبر مقارنة بأقرانه. يؤخذ الطفل المهدوف إلى بِركة يغتسل فيها، وتجري عملية الغسل وفق طقوس تقوم بها امرأة ينادونها بالمبخرة.

الشك والمصادفة

بعضُ مَن قابلَتهم منصة "خيوط"، يرون في "الهُدف" عادات قديمة لا يعتقدون في صحتها، ووفقًا لما قالوا: "يلعب الشك والمصادفة دورًا في جعل الناس يصدقون الأمر". طفل ما على سبيل المثال، جسمه هزيل جدًّا ويبكي كثيرًا بعد ولادته ثم يتحسن لأنه تغذى جيدًا أو اعتنت به الأم، ويصادف أن العائلة قامت بتجربة علاجه بطرق ومعتقدات الهُدف، فيصدقون الأمر وتتعزز لديهم تلك المعتقدات. 

خوفًا على أطفالهن من "الهُدف"؛ تلتزم الكثير من الأمهات في قرى إب وإلى الآن، ببعض الإجراءات الاحترازية بحسب ظنهن وشكهن، ومن ذلك امتناعهن عن احتضان أطفالهن فور عودتهن من مناسبات الأعراس أو العزاء، أو بعد اغتسالهن وخروجهن من الحمام في فترة النفاس.

ماذا يقول المختصون؟

الدكتورة نوف الهُمام، تقول لـ"خيوط" إنّ ما يسمى "الهُدف" خرافة شعبية يصدقها بعض الناس، وتوضح بأن الطفل الذي يولد هزيل الجسم هو في الأصل يعاني نقصًا في المناعة، وليس كما يُعتقد بأنه "مهدوف". 

تضيف: "ولعلاج الطفل؛ هناك نوع خاص من حليب الأطفال، وأدوية تعطى لمن يعانون من نقص المناعة وسوء التغذية، تصرفه الصيدليات والمراكز الصحية".

الحكم في الشرع

بعض طرق علاج "الهُدف"، تدخل ضمن المنكرات والأكاذيب التي يجب ألّا يصدقها الناس وألّا يقوموا بها حتى لا يقعوا في الإثم. محمد العربي، متخصص في العلوم الشرعية، يقول لـ"خيوط": "قد يوجد مرض مثل ذلك حسب التسمية الدارجة في الأرياف وغيرها (يقصد الهُدف)، لكن المحذور يكمن في طرق العلاج التي لا تخلو من المنكرات"؛ بحسب قوله.

•••
بلال فيصل

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English