رحم الله محمد عبده العبسي

نرثي بلداً صار طلولاً واستوطنته الأشباح
بلال أحمد
December 20, 2020

رحم الله محمد عبده العبسي

نرثي بلداً صار طلولاً واستوطنته الأشباح
بلال أحمد
December 20, 2020

 عن 32 سنة فقط، غادرنا، اضطرته قسوة الحياة ليكون إنساناً منهكاً بالمسؤولية مبكراً، وأخرجته دون شفقة، من حسابات الطفولة منذ يومه الأول فيها. شبّ الجسد وكبر قلب الطفل وهرم الرأس المثقل بهموم الوطن والأسرة والمجتمع، فكان الأب العطوف الذي تبنى كل البشر، وترك بداخله ذاك الطفل، رغم القهر، ينمو ويترعرع، فانعكس في وجوه البسطاء والأطفال فرحة تشرق من عيونهم، وبهجة ترسم ابتساماتهم كطلة صباح ندي تراقص شعاع فجره الواعد.

  الطفل الأب، أو الأب الطفل، لا يهم الترتيب، وحده كان يعرف كيف يتصرف وأيهما يسبق الآخر ومتى، كان كليهما في آن، لا أعرف كيف كان يفعل ذلك ببساطة، يكفي أننا كنا نحس به ولذلك أحببناه وسنظل نحب صاحب تلك الحالة الذي رفرفت روحه عند ربّ رحيم أحن عليه مني وبشبابه الذي لم تسمح به الظروف.

  حين لا تكون أنت من مات، ليس عليك التفكير سوى بمن تبقى على قيد الحياة، وحين تموت لا أدري ماذا سيحدث، لن يستمر تفكيرك بأولئك الأحياء الذين خلفتهم بعدك، لن يكون ذلك منطقياً بالمرة، هل كتب على المرء أن يظل يفكر حياً وميتاً؟ دعونا نحسن الظن بالرب، ونترك من رحل ليعيش -أخيرا- بسلام.

   لا بد وأن كثيراً منهم سينتبه، في لحظة تأمل لحاله حين كان هنا، أنه عاش منسياً لا يفكر به أحد. لن يكون حزيناً إن كان ذلك ما حدث، الأمر لم يعد مهمّاً الآن، هو لن يعود مهما كانت محاولات التكفير عن ذلك "التجاهل" أو سوء التصرف، ستظل محاولات أصحابها شأن يخصهم، تنبع من ذوات مجروحة اختارت التألم كحق في تعبيرها -هي- عن الفقد والندم، وأشياء أخرى لا تعني أحداً غيرها، صحيح كلها مشاعر نبيلة، وعذبة بالفعل، صافية تتدفق بحس مرهف، إنما الأحياء أنانيون على الدوام، لا أصدق أنهم يحزنون لو كان بالحزن سعادة لمن رحل، طبعهم لا يهتز بزلزال الموت، سيبحثون عن سلوى الفقد وإن على حساب الفقيد نفسه. لن يكونوا أحياءً بغير ذلك الإيذاء المعتاد، سيكون إيذاءً مزدوجاً مع الموت، ومغادرة كل روح كانت لتتمنى، بأن يتركوا صاحبها وشأنه.

للأسف لا قدرة لنا على إيقاف شيء من القدر، نحن نتنقل بين الأقدار وفق خيارات مختلفة تغير ربما من كمّ فرحتنا ولونها بين اختيار وآخر أو بأشياء حياتية أخرى، لكن دون تغيير في الموعد الذي ستنتهي إليه كل مساراتنا الممكنة والطريقة التي ستذهب بنا إليه

  أمسي في ركن بارد يا صديقي كل ليلة، بـ"فنيلة" داخلية و"معوز" صيفي، استقبل الزمهرير بصدر نصف عارٍ وساعدين مكشوفين، هكذا يتجمد الحزن مع كل شيء، بما في ذلك أنا، فلا أشعر به ولا بنفسي؛ فقط أدخن كثيراً، وأسعل بالطبع، وبشدة. أقلب الصفحات كمخبر مسعور لم يعد يثق بشيء، ولا بنفسه. لم أعرف أن عدد قطع الشطرنج الـ32 سيكون أمرها مهمّاً قبل رحيلك، العدد لم يخطر ببالي قبلاً، ووجدت نفسي الليلة أتوقف على سرد في إحدى الصفحات عن عجوز باع اثنين تحفة شطرنجية عابها نقصان في عدد القطع، المشتري ذهب ضحية التحفة التي اشتراها بثمن بخس ورفيقه ربما نعم وربما لا. السرد كان غامضاً وخاتمته لم تكن جيدة كما لم تكن سيئة، كانت غبية وسلبية وسوداوية للغاية. الأرقام تثير ريبتي دائما، والأبراج، وتصرفات البشر لا تترك لنا خيارات سوى الشك، وحياكة سيناريوهات رياضية توقعية منطقية وحتى تنبؤية وفقاً لمعطيات الأرقام ومؤشرات السماء، كل شيء مرسوم بقدر دقيق وعلينا الوصول لمعادلات تفسيره بما في ذلك الموت.

   للأسف لا قدرة لنا على إيقاف شيء من القدر، نحن نتنقل بين الأقدار وفق خيارات مختلفة تغير ربما من كمّ فرحتنا ولونها بين اختيار وآخر أو بأشياء حياتية أخرى، لكن دون تغيير في الموعد الذي ستنتهي إليه كل مساراتنا الممكنة والطريقة التي ستذهب بنا إليه: الموعد، الموت، الشهادة. نحن كائنات تعني ما تقول حتى دون أن تقصد، أو تعرف ما تقوله. سأفترض كل شيء وأي شيء حتى ترفرف روحك بسلام. هي تفعل ذلك بالفعل، أثق بربي، وظني به كما كان ظنك به دوما، يكفي لأطمئن بأنك تحلق عاليا في الجنان.

"افعلوا شيئاً، افعلوا شيئاً أيها اليمنيون قبل أن نفاجأ بعد حين وقد صارت اليمن أطلال بلد وموطن أشباح".

  رحم الله محمد العبسي، إذ قال كلامه هذا في شارع كان يعج بحركة الناس والسيارات، وينبض بحياة كانت تهم بالفرار على وقع جرس الإنذار الذي كان صوت صديقي الرخيم يقرعه بقوة. ها نحن نرثي بلداً صار طلولاً واستوطنته الأشباح كما قلت، قبل أن يغادرنا جسدك منذ أربع سنوات، ويبقى حضورك بيننا مدهشاً رغم الغياب؛ في حالة ستستغرق منا وقتاً طويلاً قبل أن نفهم كيف لا ينقطع الحضور وبكامل البهاء، لمن نعرف أننا لن نلتقيه مجدداً قبل اللحاق به في دار البقاء.

"إنا لنغفل، والأيام في الطلب".

بكلمات أبي الطيب هذه، عنون الراحل محمد العبسي شريط ذكرياته الفيسبوكية لعام 2016، ثم ترجّل بعدها بأيام معدودة.

كتب: "قالها مالئ الدنيا وشاغل الناس" وأورد كلمات المتنبي.

من يملأ فراغ ما تركته فينا يا صديقي، ويسد نهم حيز مظلم، لا يشبع من الحزن، ولا يرتوي!


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English