أكاديميون يتخطفهم الموت فقرًا وقهرًا

كيف يفقد الأكاديميون اليمنيون حياتهم
د. نجيب الورافي
April 5, 2021

أكاديميون يتخطفهم الموت فقرًا وقهرًا

كيف يفقد الأكاديميون اليمنيون حياتهم
د. نجيب الورافي
April 5, 2021

لا يعني ما سوف ترصده سطور هذه المقالة -من صور عناء ومكابدة لشريحة اجتماعية مهنية، هم الأكاديميون- النظرَ إلى الموضوع وَفق أي تمييز طبقي أو فئوي اجتماعي. فليس العالم الباحث في أي مجال وأستاذ الجامعة والعاملون فيها، بمقدمين على سواهم من شرائح المجتمع، لا سيما العاملين في السلك الوظيفي الحكومي، في حق العيش والحياة الكريمة، فذلك استحقاق لجميع فئات الشعب بكافة مستوياته وفئاته.

مهما تباينت مستويات المعرفة ومجالات العمل، فحاجة الإنسان واحدة، وقسوة المكابدة والعناء واحدة، ومن غير المعقول أن نبني أحكامًا باحتمال فئة من الناس للآلام والأوجاع التي خلفتها جائحة واقع الحرب، فيما قد تثقل كاهل فئة أخرى، لخصوصية عقلية أو وظيفية معينة! البلاء الذي حاق بالموظف اليمني خاصة، وفئات الشعب اليمني عامة، هو بلاء واحد، وإنما تناوُل وضع هذه الشريحة المهنية ممثلة بالأكاديميين، مجرد شاهد حال لا أكثر، يمكن أن يقاس عليه تشخيص حال موظفي السلك الحكومي المدني والعسكري، ويمكن أن يُبنى عليها نتائجها المأساوية. 

ومع كل ما سلمنا به سابقًا، فلا بد من قول منصف حول ما يعنيه الأكاديمي لبلده، وما القيمة التي تمثلها الجامعات ومؤسسات البحث العلمي، بما فيها من قيمة، وكيف تسعى مختلف الدول إلى تيسير سبل العيش الكريم للعقول المنتجة للمعرفة، وما تبذله من مال وجهد في تأهيلهم وتطوير معارفهم، وكيف تعدُّهم الثروة الوطنية الخلاقة والأكثر تميزًا وقيمة! ولن أقارن بين نظرة الدول والشعوب لعلمائها، فأمر ذلك متاح ويمكن الاطلاع عليه والنظر في وسائل الميديا المختلفة.

حين ابتدأت الحرب الراهنة في اليمن، كان أقصى ما توقعه الأكاديميون أن تقتصر جنايتها على مستوى الأداء العلمي للتعليم الجامعي بمستوياته الأولية والعليا، والتسبب في عرقلة مسارات البحث العلمي والتأثير السلبي على وسائله ومخرجاته. لم يكن يدور في خلد أحد أن للحرب جناية هي أكبر من ذلك بكثير وأشد ضررًا وويلًا، وهو وصولها إلى القوت اليومي وإيجار السكن والمأكل والمشرب والتطبّب، وسواها من الحاجات ذات العمق الأساس والصميمي للعيش الإنساني.

تعرض الأكاديمي، كغيره، لقطع راتبه. ليس ذلك فحسب، بل وما كان يتمتع به من تأمينات، هي في العرف العالمي فروض ينبغي توفرها لأستاذ الجامعة والعاملين في حقل البحث العلمي عامة؛ كالتأمين الصحي وتأمين المسكن والمواصلات والتواصل التكنولوجي... إلخ -أصبحت هذه كلها في ظل الحرب، في حكم كان.

فتح أستاذ الجامعة عينيه ليجد نفسه بلا راتبه الشهري، وبلا رعاية صحية، بل ولا مأوى! حدث أن أقدم ملاك عمارات سكنية كانت مخصصة لسكن أساتذة الجامعة على طردهم منها وإخلائها، علمًا أن الجامعات هي المعنية كطرف في عقود الإيجار، وهي المتكفلة رسميًّا بتسكين عامليها وتخصم الإيجار الشهري من راتب الأستاذ، أمام صمت الدوائر المسؤولة داخل الجامعات وخارجها، وهو صمت مريب، لا يجد تفسيرًا سوى التحايل. كون الراتب مقطوعًا، بدا كأنما استراحت تلك الدوائر المعنية من عناء مسؤولية تخصيص موازنات لتغطية إيجارات تلك المساكن. صمتت الجامعات وشُلّت حركتها وموقفها، مثلما شلت يدها عن أن تمتد لتدفع الراتب الشهري لموظفيها. أما من هم خارج تلك المساكن، وهم الغالب الأعم، فحدث ولا حرج عما تعرضوا له هم وأسرهم من قهر وإذلال؛ وجدوا أنفسهم بعد قطع رواتبهم يقفون عاجزين عن تسديد الإيجار الشهري دون حامٍ ولا راعٍ!

بمقتضيات الحرب، انقسم التعليم الجامعي إلى إقليمين، حتى الذين استمرت مرتباتهم وفق هذه القسمة، فإنهم يعانون أيضًا بسبب تراكمات نتائج الحرب على الجانب الاقتصادي. لم يعد راتب أستاذ الجامعة وغيره من موظفي القطاع الحكومي يساوي ثلث قيمته التي كانت قبل الحرب. كان مرتب الأستاذ المساعد يساوي 1000 دولار، والآن هبطت قيمته لتصل إلى ما يقارب 300 دولار، ومثل ذلك انعكس الأمر على بقية الحاجات، كالمسكن والصحة وسواهما.

أستاذ الجامعة نمّط نفسه وحياته وحياة أسرته على مستوى حياتي معين يتوافق مع ما يتقاضاه من راتب شهري، كما أنه أقل الفئات الاجتماعية حيلة وأكثرها ضيقًا في البحث عن خيارات بديلة لتغطية نفقاته الحياتية

ليست الحاجات الأساسية الإنسانية للأكاديمي هي كل شيء، فهناك في المقابل، حاجات هي في غاية الأهمية، وتمثل صميمية ذات علاقة بمهنة المعرفة والبحث عن الجديد في مجالات العلم والتكنولوجيا في سائر التخصصات. فمثلما يبدو الأكاديمي بمثابة ناسك متفرغ لإنتاج التفكير والوعي، فإنه في الأعراف والتقاليد العلمية الأكاديمية في كل دول العالم، سندباد العقل، الجواب الذي ينبغي أن يزور ويرتاد أقصى ما يمكن من مراكز العلم ومؤسسات البحث والتكنولوجيا في العالم. يبحث عن كل جديد عائدًا به ليبتكر الأجدّ، ويعكسه على قطاعات البناء والتنمية والتأهيل البشري لموطنه.

بموجب القوانين المنظمة للجامعات اليمنية ومؤسسات البحث العلمي، هناك شروط للتأهيل العلمي المستمر لأستاذ الجامعة. إذ لا تتوقف معرفة معلّم الجامعة عند مستوى معين أو درجة محددة، بل تشترط تلك القوانين على منتسبي الجامعات من الأكاديميين والباحثين أن يكونوا على الدوام بمثابة خلية إنتاج علمي معرفي. فكما يسهمون في تأهيل سواهم، ينبغي أن يتأهلوا وأن يبحثوا عن الجديد. صار الأكاديمي ملزمًا بإعداد بحوث علمية على مدار الوقت، وملزمًا بترقية معارفه ودرجاته العلمية، وينبغي أن يتفرغ علميًّا في إحدى جامعات العالم. وفي المقابل، فإن له لقاء ذلك امتيازات واستحقاقات كالسفر للتفرغ والرحلات العلمية إلى الخارج للمشاركة في مؤتمرات البحث العلمي والورش والندوات المنعقدة داخل اليمن وخارجه. كما أن من حقه الحصول على منح دورية وتقاضي مِنَح مالية وتذاكر سفر، وغيرها من الوسائل التي تمكنه من أن يمثل مهنته أكمل تمثيل. 

الآن، وبمقتضى ناموس الحرب اللاناموس، وكبوتها اللاوطنية واللاأخلاقية، لم يعد له شيء من ذلك، بل صار في حكم المستحيل! والأقسى من ذلك، أن من حاول تجاوز هذا الوضع المأساوي الخانق، قوبل بإجراءات عقابية تعسفية وصلت إلى الفصل من وظيفته.

في زهاء أشهر معدودة، سمعنا عن وفيات متواترة للعشرات من الأكاديميين، ربما بأسباب مختلفة، لكن مردها إلى سبب جوهري رئيس، هو القهر والإفقار. إفقار معاشي حياتي وعلمي وروحي، ثم الموت كمدًا. أستاذ الجامعة نمّط نفسه وحياته وحياة أسرته على مستوى حياتي معين يتوافق مع ما يتقاضاه من راتب شهري، كما أنه أقل الفئات الاجتماعية حيلة وأكثرها ضيقًا في البحث عن خيارات بديلة لتغطية نفقاته الحياتية. كما أنه مقابل الخيارات المقفلة في وجهه، لا خيار أمامه، فمن الصعوبة أن يقايض بمهنة المعلم المنتج للفكر، مهنة أخرى، بل ولا يستطيع بحكم عمله أن يزاول مهنًا حرة خارج المعرفة والبحث، رغم لجوء البعض إلى ذلك بدون جدوى، وذلك هو ما يضعه في أتون الفقر وفي مرمى الموت قهرًا.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English