عدسة مقرّبة على تعز القديمة

عراقة لا تفنى ووجه للحاضر تقضمه أنياب الحرب
محمد الكمالي
January 4, 2021

عدسة مقرّبة على تعز القديمة

عراقة لا تفنى ووجه للحاضر تقضمه أنياب الحرب
محمد الكمالي
January 4, 2021

تمثل مدينة تعز القديمة (جنوب غرب اليمن) مكانًا تاريخيًّا وعلميًّا وتجاريًّا مهمًّا، ولدت منه على مساحات شاسعة النسخة الحديثة لها، ولا تزال إلى اليوم تعتبر رئتها الأولى في السياحة والثقافة والاقتصاد.

مدينة الرسوليين الأثرية وحاضنة الثورات ومنطلقها، تشكل حكاية ذات مذاق فريد عند خوض الكتابة عنها، وما بين ماضٍ مزدحم بالأحداث والذكريات وحاضر ذي وجه شاحب ووحيد، لا يمكن للتاريخ هنا إلا أن يمضي، وللجغرافيا أن تستجيب.

وجهات مختلفة 
  في السابق كانت للمدينة القديمة في تعز سبعة أبواب من كافة اتجاهاتها، لكن الآن لم يعد لها سوى بابين؛ باب موسى وباب الكبير.

  "على أعتاب أول وأكبر أبواب المدينة تبرز ملامح الحكاية، عند الباب الكبير تشعر بأن نزهتك قد بدأت"، هكذا يقول فهد الظرافي لـ"خيوط"، وهو أحد عشاق مدينة تعز المعروفين في التقاط وجمع الصور القديمة.

  ويضيف الظرافي، أن أجمل الأماكن التي يمكن للزائر الذهاب إليها داخل المدينة القديمة هي جامع ومدرسة الأشرفية، ثم جامع ومدرسة المظفر، يلي ذلك جامع المعتبية، قائلًا بأن هذه الثلاثة المعالم التاريخية يمكن لها شرح النفس، وإعطاء نبذة عن مآثر الدولة الرسولية بأبلغ ما يمكن.

هذه المعالم الثلاثة شهدت على فترات متعاقبة حملات ترميم قامت بها منظمات وهيئات دولية ضمن الحفاظ على الأماكن التراثية.

الحديث عن الأسواق الشعبية في المدينة القديمة وفي تعز عامة، سيقودك أولًا، وبلا شك، نحو سوق الشنيني، الذي كما تقول الروايات التاريخية بأنه اكتسب شهرة التسمية نسبة إلى الشيخ الصالح عفيف الدين عبدالله محمد الشنيني، المتوفَّى سنة 804 هجرية.
لكن الأمر يبدو مختلفًا لدى أهالي مدينة تعز، حيث تكتسب شهرته الرمزية من كونه مكانًا لبيع أجود أنواع الأسماك الصغيرة (الوزف)، إضافة للفلافل الحارة والجبن البلدي، مع الانتشار الكبير فيه لمحلات العطارة والتمور، ومحلات صناعة وبيع الأعمال اليدوية والزراعية والفخار.

إقبال ضعيف وحقائق مغيبة

  "الوضع الاقتصادي المتدهور الذي تشهده المدينة، وانخفاض سعر صرف الريال في البلاد، أضعف الحركة الشرائية للناس، وأمات السوق"، يقول أصيل، وهو نجل مالك مقلاية الشرعبي، التي يزيد عمرها عن خمسين عامًا داخل سوق الشنيني.
ويتطرق الشرعبي لما يمثله السوق كمركز رئيسي لتجار البيع بالجملة، حيث يستطيع من خلاله المواطنون في المدينة ومحيطها معرفة بورصة الأسعار وجدوى التوفير، واضعًا مقارنة حالية لا تشبه سابقاتها في مسألة الإقبال على الشراء. في الجهة المقابلة، وعلى بعد أمتار من المكان الممتد نحو باب موسى غربًا، تتواجد العديد من محلات الصرافة إلى جانب معارض الأقمشة والحرير فيما يعرف بسوق "البَزّ"، وهو الأمر الذي اعترض عليه الحاج أحمد حسن كثيرًا، قائلًا بأن اسمه الحقيقي سوق وشارع الجمهورية، وليس "البزّ" كما يشاع.

  الحاج أحمد حسن، وهو أحد أهالي المدينة القديمة، دعاني على كوب شاي والجلوس بجانب دكانه الصغير في حوار أخذ منحى الجدية والمزاح معًا، في أجواء صباحية ماطرة شهدتها المدينة يومها.

  استعرض الحاج أحمد مدى أهمية أن يتم تسمية السوق بشارع الجمهورية؛ كون أول دبابة خرجت ضد الإمامة مر جنزيرها -كما يقول- في هذا المكان، معللًا تراجع العملة الوطنية وتدهور الاقتصاد في الآونة الأخيرة إلى أن دول الجوار تتعمد صنع ذلك، "لكن الزمن يدور". حسب تعبيره.

على بعد أمتار قليلة من مكان العقيق في قلب المدينة القديمة، يأتي ما يعرف بسوق "اللقمة". ويفسر الباحث والموثق الفوتوغرافي فهد الظرافي، سبب هذه التسمية للسوق لكونه تباع فيه جميع أنواع الخبز المحلي، وما يعرف بالخمير التعزي الشهير

عراقة المكان وبساطة الإنسان

تحمل المدينة القديمة في تعز لمحات تاريخية وعصرية غاية في الجمال. عند المدخل الجنوبي لتحفة ما كانت تعرف بـمدينة "عدينة"، يقابلك العقيق اليماني بأبهى تشكيلاته المتناسقة لدى محلات بيع الفضة القديمة.

  يقول زياد الهلالي، وهو بائع للفضة والعقيق في وسط المدينة القديمة، إن انعدام تواجد السياح الأجانب منذ مدة طويلة في تعز يجعل من أمر بيع التحف والهدايا الأثرية أمرًا نادرًا. ويضيف أن هذه الأشياء يأخذها، بصورة شحيحة للغاية، من يهاجرون من اليمنيين إلى دول، مثل بريطانيا وكندا وغيرها، حيث ما زالت هذه الأشياء تمثل لهم بريقًا وطنيًّا، وتذكارًا في الغربة.

  الهلالي، قال إن ما أكثر سلعة رائجة هذه الأيام هي خواتم المتزوجين؛ إذ إنه السوق الوحيد الذي لا تزال حركته نشطة في صنع الخواتم.

  على بعد أمتار قليلة من مكان العقيق في قلب المدينة القديمة، يأتي ما يعرف بسوق "اللقمة".  الباحث والموثق الفوتوغرافي فهد الظرافي، يفسر سبب هذه التسمية للسوق؛ إذ تباع فيه جميع أنواع الخبز المحلي، وما يعرف بالخمير التعزي الشهير، إضافة إلى الكدم والملوج والروتي.
ويضيف أنه "وإلى جانب ذلك، تتواجد العديد من المطاعم الشعبية أكثرها شهرة وارتيادًا مطعم "علي مدره" الذي لا يقاوم مذاقه". 

  على قارعة المكان يتوزع كبار السن، وعمال اليومية، وهم يتناولون فطورهم مبكرًا كأجمل الصباحات التي تدعو إلى الحياة.

نحو الجهة الجنوبية، وعند نهاية أسواق المدينة القديمة، ضجيج الطواحين في سوق الحبوب يمثل حياة أخرى ومزارًا شعبيًا للناس.
أحمد العوبلي، عامل في طاحون ياسين الشهير، قال لـ"خيوط" إن المحاصيل التي يتم استقدامها من مدينة إب، بات أمر وصولها صعبًا للغاية، في ظل الحصار المفروض على مدينة تعز منذ خمس سنوات، إضافة إلى فارق الصرف بين العملات، وهو ما طرأ مؤخرًا بشكل مجحف وظالم، حسب تعبيره.

وأضاف: "في فصل الشتاء التوجه الشرائي للناس يكون على الحبوب، التي يصنع منها الفطائر، وكذلك وجبة العصيد الشعبية والمفضلة لدى أغلب الأسر اليمينة، كما هو الحال مع حبوب الذرة لصنع الشفوت المحلي اللذيذ". ويعتبر سوق الحبوب المدخل المؤدي لما كان يعرف بـ"السمسمرة" سابقًا، ويعرف حاليًّا بباحة شاي الشعبي، المكان الذي يجتمع فيه عشرات الشباب عند عصرية اليوم، وغالبيتهم ممن لا يمضغون القات.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English