في البحث عن وظيفة ثالثة

رحلة التعفف في بلد تسحقه حرب التجويع
خيوط
November 15, 2021

في البحث عن وظيفة ثالثة

رحلة التعفف في بلد تسحقه حرب التجويع
خيوط
November 15, 2021

حسين عبدالرحمن (46 سنة)، يعمل مدرِّسًا بإحدى مدارس التعليم الأساسي، وسط مدينة المكلا محافظة حضرموت، بنصاب حصص يتجاوز الـ16 حصة في الأسبوع، وبراتب شهري زهيد لا يتجاوز 60 ألف ريال؛ أي ما يعادل 60 دولارًا فقط.

يستيقظ حسين في الصباح الباكر، ليمشي مسافة أكثر من ثلاثة كيلو مترات مشيًا على الأقدام، لكي يدرك حافظة التوقيع، ومثلها عند العودة مساءً. 

يؤكد لـ"خيوط"، أن سبب تجشمه كل هذا العناء وهو بإمكانه ركوب الباص، هو لتوفير مصروف المدرسة اليومي لطفليه: ياسر (15 سنة)، وفهيمة (12 سنة)، إذ يكلفهما ذلك ذهابًا وإيابًا نحو 800 ريال.

يعاني حسين من مرض الخشونة في الركب منذ ما يقارب الثلاث سنوات، ومع تحذير الأطباء له بعدم المشي كثيرًا، إلا أن المعاناة فوق حجم التحذير، فمبلغ 10 آلاف ريال، وهي تمثل ما نسبته 17% تقريبًا من إجمالي الراتب، تغطي مصروف المدرسة لابنه وابنته، في حدها الأدنى شهريًّا.

أنا خارج الحسبة 

يتناول حسين وجبة الغداء (أرز من الدرجة الثانية)، قد اعتاد مع أفراد أسرته على هذا النوع المنخفض من الجودة، منذ سنتين تقريبًا، مع موجة الغلاء التي صاحبت تدهور أسعار العملة المحلية أمام العملات الأجنبية، أصبح معها حسين عاجزًا عن توفير قطمة الأرز البسمتي.

حتى السمك، فقد نسي هذا المعلم والتربوي سمك التونة، والذي غادر مائدتهم منذ سنوات، إلا من طفرة لتواجده بعض أوقات الموسم فقط، واستبدلوه بأنواع أخرى أقل جودة وفائدة غذائية.

يقف حسين كي لا يسقط، يقف بكبرياء الذي لا يقبل إلا أن يأكل من عرق جبينه؛ فلا يسأل الناس إلحافًا، يتعفف ليستر أبناءه ويصر على تعليمهم، هو لا يريد أن يشعرهم بأي فوارق تحدثها ظروف الحرب كل يوم

عند الساعة 2:30 مساءً من كل يوم عدا الجمعة، يغادر حسين المنزل ليعمل في تمديد وتسليك المنازل فهو يحمل شهادة معهد تخصص كهرباء ويتقن هذه المهنة. ومع موجة الغلاء اضطر حسين أن يضاعف العمل في هذه المهنة ويكلف نفسه فوق طاقته، يقول إنه لا يستطيع أن يغطي براتبه الضعيف متطلبات المواد الغذائية الرئيسية في الشهر، فيضطر للعمل مساء.

يضطر حسين للعودة في ساعات المساء الأولى ليبدأ في تحضير دروس الغد وتصحيح الدفاتر وأوراق الاختبار وكتابة الإنجاز للخطة الفصلية، يقول: "هذا يؤخر إنجازي لعملي في مجال الكهرباء، مما يعرضني لخسارة الكثير من العمل المسائي؛ فنسبة إنجازي أقل بكثير من إنجاز كهربائي متفرغ، وهذا لن يرضي الكثير من المقاولين". 

ويستطرد قائلًا: "أنا أجهد نفسي لأجل أبنائي، فأنا خارج الحسبة، أما أبنائي فيجب عليّ تأمين مستقبلهم، فالأسعار في ارتفاع؛ الأمر الذي يتطلب مني مضاعفة جهدي برغم إصابتي خشونة الركب إلا أني أقف كثيرًا".

سياط التجويع

يقف حسين كي لا يسقط، يقف بكبرياء الذي لا يقبل إلا أن يأكل من عرق جبينه. فلا يسأل الناس إلحافًا، يتعفف ليستر أبناءه ويصر على تعليمهم، هو لا يريد أن يشعرهم بأي فوارق تحدثها ظروف الحرب كل يوم.

لقد أدهشني بأنه يبحث عن عمل ثالث! قال: "أريد مصدر دخل ثابت إلى جانب الراتب الضعيف، أستطيع أن أكيف نفسي ومصاريفي بموجبه، أما عمل الكهرباء فسأكيفه مع طبيعة هذين الدوامين"، رغم صعوبة ذلك، بل وخطورته على الصحة العامة للفرد إلا أن ذلك ممكنٌ في بلد يتم تجويع أهلها على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي.

يبقى حسين المعلم والتربوي، يبحث عمّا يسد به فجوة الغلاء المستمر، فلا يجد إلا لحمه ودمه وصحته هي ما يمكن أن يسد به هذه الفجوة في بلد يعيش أسوأ أزمة إنسانية يشهدها العصر الحديث.

وتستمر سياط التجويع تسوق اليمنيين إلى حتفهم، فالموت بالجوع ليس أن تموت ببطن خاوية، تعددت أساليب التجويع والمتهم واحد. أوقفوا هذه الحرب.


•••
خيوط

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English