عبدالرحمن الحرازي وسيرة الظل (2)

كيف غدا الضحك علاجًا للجوع!
محمد عبدالوهاب الشيباني
March 18, 2021

عبدالرحمن الحرازي وسيرة الظل (2)

كيف غدا الضحك علاجًا للجوع!
محمد عبدالوهاب الشيباني
March 18, 2021

(2) 

عن القرية وأحوالها

أنا عبدالرحمن غالب بن علي الحرازي الآنسي، من بلاد آنس في ذمار، وتُسمَّى منطقتنا مخلاف حِمْيَر، وموضع قريتنا يسمى "خرابة الحرازي" التي ننتسب إليها، وأسَّسها، على أنقاض خرابة قديمة كان اسمها "الظابي"، جدُنا الأول قبل 300 سنة، حينما انتقل إليها من مدينة صنعاء كقاضٍ للمنطقة. كان أول شيء فعله جدي بعد وصوله إلى هذا الموضع، بناء دار ومسجد. مدوَّن في مصحف والدي، القاضي غالب بن علي، أني من مواليد الخامس من شوال سنة ألف وثلاث مئة واثنتين وستين هجرية، أي قبل موت الإمام يحيى بن حميد بست سنوات.

أتذكر من قريتنا تلك الحقول الزراعية، التي كانت ولم تزل تزرع أنواع الحبوب من ذرة وشعير وقمح وبلسن وعَتَر وحُلبة، أما الوادي في أسفل القرية، فقد كان ولم يزل هو الآخر مكسوًّا بأشجار البُنّ، المشهور باسم البُنّ الفضلي، ذي الجودة العالية حتى اليوم. وكان موسم جني محصول البن، في وسط أشهر الشتاء، الحدث المهم في حياة ملاك الأرض والفلاحين الذين يعملون فيها.

من الألعاب التي كنا نمارسها في تلك الأيام لعبة تسمى (قاحش)، وهي كرة صغيرة نصنعها من جلود الذبائح ونحشوها بالخرق البالية، ثم نخيطها بعناية، قبل أن تتحول إلى كرة للعب بواسطة عصي معقوفة، أشبه بعصي الهوكي المعاصر. 

حتى سن السادسة عشرة بقيت في القرية أساعد والدي وأتعلم في مكتب القرية "المعلامة"، وأحتفظ من تلك الأيام بجملة من الصور البائسة التي تعكس الصورة الحقيقية لحال اليمنيين جميعهم؛ فقر وجوع ومرض وجهل. فقد كان الواحد منا يبقى لابسًا ثوبه لعام كامل، دون أن يغسله، وإذا غسله فبنوع محدد من التراب الناعم، بسبب انعدام الصابون، حتى إن هذا التراب كانت تستخدمه النساء للاغتسال، وكانت الأثواب تُشاهد وهي على جسوم أصحابها، مملؤة بالرقع من أقمشة متباينة، فقد كان الناس في حال تمزق أثوابهم، بفعل اهترائها، يلجؤون إلى إعادة ترقيعها في المواضع المقطوعة، بخرق من ملابس قديمة يحتفظون بها لهذا الغرض، وأيضًا تفعل النساء الأمر ذاته مع أثوابهن. وكان من النادر أن ترى شخصًا عاديًّا لابسًا حذاء، فالجميع -نساء ورجالًا- كانوا يمشون حفاة، وإن بواطن أقدامهم كانت قاسية كالأحجار.

في الشتاء القارس، كان بإمكانك مشاهدة الفلاحين الميسورين يلبسون (الجَرْم) للتدفئة، والجرم عبارة عن جلود أغنام مدبوغة، وتوصل ببعضها على هيئة جاكت بدائي طويل يصل للركبتين، وليس له أكمام، ويجعلون شعر الأغنام بطانًا داخليًّا، وواجهته الخارجية هي الجلد المدبوغ.

لم تكن هناك بطانيات، وإنما يستخدم الناس الألحفة التي كانت تحاك بواسطة اليهود، والذين كانوا يصنعون أيضًا "الأجرمة"، وكانت هناك، إلى جانب ذلك، ما تُسمَّى بـ"الخُطة"، وهي مجموعة جلود مدبوغة وموصولة ببعضها، وتستخدم كفرشان أرضية في المفارج والغُرف، عند الأسر الميسورة، لتدفئة الأرضيات الطينية.

 كان معظم الناس يستخدمون أكياس النوم القماشية البيضاء والتي كانت تسمى (المُريكن)، فقد كانوا، حينما يحين موعد النوم، يقومون بنفضها وتفقد خلوها من حشرات الكُتن (البق)، ثم يخلعون أثوابهم، وخصوصًا الرجال، ويدخلون إلى الأكياس للنوم، والسبب في ذلك أن الانتشار الكثيف لحشرة البق مع دخول الظلام، كان يمكّنها من دخول الأكياس أن لم تقفل بإحكام من قبل أصحابها، وإذا دخلت فإنها تتغذى على دم الضحية، وتسبب له حكة شديدة في أنحاء جسمه، فيضطر إلى فقسها، فيتلطخ ثوبه بالدم الأسود، الذي تصاحبه رائحة كريهة. لهذا كانوا يتجردون من أثوابهم قبل دخولهم الأكياس، وحتى لا يضطرون إلى غسل أثوابهم المهترئة لإزالة بقع الدم الداكن.

كنا جياعًا ذات ليلة فاقترح أحدنا أن نضحك لننسى الجوع، وبالفعل بدأنا نضحك ونضحك ونضحك، وبلا سبب، ونحاول استذكار مواقف ضاحكة لنضحك، فنسينا الجوع ونمنا حتى الصباح، وكنا نقول: هذا علاج الجوع

عن المدرسة وأهوالها

قرر والدي إرسالي، مع ابن عمي علي أحمد الحرازي (صار وزيرًا ومحافظًا في سنوات الثمانينيات والتسعينيات)، مع مسافرين إلى صنعاء للدراسة في المدرسة العلمية، والالتحاق بأخي الكبير محمد بن غالب الذي كان طالبًا فيها. وبعد رحلة راجلة شاقة ابتدأت من خرابة الحرازي وصلنا إلى مدينة (مَعْبَر) التي دخلناها بعد الظهر، وفي مقهاية تناولنا غداءنا المكوَّن من فطيرة بلسن (خبز يصنع من نوع من البقوليات الجافة) و"جَمَنة" قِشر (دلة فخارية تحتوي على مغلي قشرة البن وليس بذرته)، ولم نبِت إلاّ في منطقة "خِدَار" في "بلاد الروس" في مقهاية ثانية. وفي المرحلة الثانية مشينا من "خِدَار" وبتنا في مقهاية بـمنطقة "حِزْيَز" على مشارف صنعاء، وثالث يوم ظهرًا وصلنا صنعاء، ولم ندخلها من باب اليمن كما هي عادة المسافرين، بل وصلنا مباشرة إلى "شرارة"، ومنها إلى المدرسة العلمية، حيث استضافنا أخي محمد في الحجرة التي يقطنها مع زملاء له في المدرسة، فشكل نزولنا عندهم عبئًا جديدًا على زملائه في السكن، لأننا صرنا نقاسمهم أكلهم الشحيح.

كان موقع المدرسة العلمية في نهاية ميدان "شرارة" (ميدان التحرير اليوم) في اتجاه حيّ "بير العزب" (مقر مدرسة الوحدة وجمال جميل الآن)، وحين قابلنا مديرها، في اليوم التالي لوصولنا، والذي كان حينها يحيى النهاري، رفض قَبولنا بحجة أن المدرسة ممتلئة بالطلاب، ولا مكان لنا فيها، فذهبنا لوزارة المعارف التي كان موقعها في الجهة الغربية لدار السعادة (مقر برج تيليمن الحجَري في التحرير اليوم)، وهناك قابلنا العزي اليريمي وأحمد عبدالواسع الواسعي، اللذان كانا يعملان في الشؤون التعليمية، لأخذ توجيهٍ للنهاري بقبولنا. غير أن الأمر سار بعكس رغبتنا، وبعد أيام طويلة من المتابعة بين [وزارة] المعارف والمدرسة، أشار علينا البعض بالذهاب إلى منزل القاضي (الصفي الجرافي) الذي كان يقع في السائلة أمام جامع النهرين، وقالوا هو وحده من يستطيع حل مشكلة عدم قبولنا في المدرسة. وحينما ذهبنا إلى منزله عصر ذات يوم، رفض عساكر الحراسة إدخالنا إليه في بداية الأمر، فطلبنا تبليغه بأسمائنا لأخذ موافقته بالدخول، فوافق بعد وقت، وحين دخلنا إلى مقيله كان مكتظًا بجالسين كُثر من القضاة والفقهاء يعتمرون العمائم الكبيرة، وأمامهم أكوام من القات، ومدائع طويلة (نارجيلات) موضوعة في صحون نحاسية واسعة تسمى "مَعَاشر" ولها قصب (خراطيم) طويلة مكسوة بالقماش الملون تتنقل بين أفواههم، وكانت ورائحة المفرج كلها "تُتَن" (تبغ) محروق، وكان المكان مغطى بسحابة ثخينة من دخان لزج.

وبعد السلام عليه من الباب، استفسر عن طلبنا، وحينما عرف أننا قادمون من منطقة آنس، ونرغب في الالتحاق بالمدرسة العلمية، وأننا ننتمي لأسرة قضاة في المنطقة يعرفها جيدًا بسبب بقائه فيها لسنوات طويلة، كتب لنا تعريفًا لوزارة المعارف، التي بدورها وجهت يحيى النهاري باستيعابنا في المدرسة.

استوعبونا في الشعبة الأولى في المدرسة (المستوى الأول)، وأسكنونا في قسمها الداخلي مثل بقية الطلاب، وكان من زملائي: جار الله عمر، وعلي محمد صلاح، ويحيى الظرافي، وأحمد الشبيبي، وعبدالرزاق الرقيحي، ومحمد الفضلي. منحونا في أول سنة ريالين إلَّا ربع مقابل كسوة، وكانت إدارة المدرسة تخصص لنا في اليوم الواحد أربع "كُدَم" (نوع من الخبز بحجم قبضة اليد)، نتناولها غالبًا مع "القشر" (مغلي قشر البن الجاف)، أو نتناولها مع مطبوخ "البراصة" (نوع من الخضروات القريبة من فصيلة البصل الأخضر والثوم) أو البطاطا المهروسة؛ أما أيام الإثنين والجمعة، فقد كانت الوجبة تتحسن بإضافة اللحم الغنمي والأرز إلى وجبة الغداء. ومع ذلك لم نكن نشبع مطلقًا، ونحس بالجوع الدائم، وكانوا يرجعون تقتير إدارة المدرسة إلى أمر قديم وثابت، من "سيف الإسلام" الحسن، المشهور بالبخل كوالده الإمام يحيى.

كان الانفتاح البسيط الذي انتهجه ولي العهد -حينها- محمد البدر أثناء مرض وسفر والده للعلاج، تحولًا مهمًّا عند كثيرين على طريق التحديث، غير أن الأيام أثبتت عكس ذلك تمامًا

"الكُدَم" الذي كان يصرف لنا كطلاب في المدرسة العلمية يسمى (الكُدَمْ الخاص)، ويحضَّر عادة من القمح البلدي الخالص، وكان طعمه لذيذًا ورائحته زكية، وكان يؤتى به كل صباح من فرن قصر غمدان في الميدان على عربات تجرها الحمير. وكان إلى جانب الكدم الخاص، هناك الكُدَم العادي ويُحضَّر من أنواع عديدة من الحبوب، وكان حجمه أكبر من الخاص، فكنا من شدَّة الجوع نستبدل الأربع "الكُدم" الخاص بثمان أخريات من "الكدم" العادي. كانت اللقمة عزيزة جدًّا (بمعنى نادرة)، ووجودها مثل النقود تمامًا. مثلًا يأتي إليك زميل ويقول لك سلفني "كُدمة"، وسأقضيك لاحقًا بـ"كدمة"، وقد يصل به الجوع إلى أن يطلب منك تسليفه "لِجْعًا" فقط (واللِّجْعُ -بلهجة صنعاء- كسرةُ خبز تساوي لقمة أو لقيمة فقط).

ومن حكاياتنا مع الجوع أننا ذات ليلة ذهبنا إلى مواضعنا على الحصير جائعين تمامًا، فجافانا النوم، فنهض أحد الزملاء في الحجرة وكان اسمه علي محمد المجاهد، من ذمار، وقال: "ما رأيكم نضحك؟" قال صاحبي يحيى عبدالله الديلمي، بلهجة دارجة: "كيف يعني نضحك؟" قال المجاهد: "نضحك يعني نضحك، هكذا: ها ها ها ها! ربما ننسى الجوع". وبالفعل بدأنا نضحك ونضحك ونضحك، وبلا سبب، ونحاول استذكار مواقف ضاحكة لنضحك، فنسينا الجوع ونمنا حتى الصباح، وكنا نقول: "هذا علاج الجوع". كنا كثيرًا ما ندعو الله أن نشبع ثم نموت.

كان في المدرسة مطبخ لإعداد الوجبات، وكان المسؤول عنه شخص يسمّونه "الغيل"، يقوم بتزويد المدرسة بالخضروات والحطب والجاز وبقية المستلزمات، وكان مسؤول العمال والفراشين والطباخين، شخصًا آخر، اسمه علي المشامي. من أهم المدرسين الذين مروا علينا في المدرسة الأستاذ عبدالله البردوني والعزي البهلولي وعلي نسر الآنسي. كان للمدرسة بئرها ويُستخدم جمل في نزع الماء من البئر، حيث يوجد أعلاها (المرنع) ويُنزع الماء بطريقة تسمى (المسنى)، حيث يُترك الجمل يهبط منحدرًا طفيفًا إلى الأسفل ليرتفع الدلو من قاع البئر مملوءًا بالماء، ثم يقوم الشخص المسؤول بسكبه في حوض قبل أن يعود الجمل إلى موضعه الأول، ومن الحوض يؤخذ من الماء ما يمكن استخدامه بأوعية مختلفة. أما حارس المدرسة وبوابتها فقد كان اسمه العم صالح الهمداني، ولي معه حكاية في ليلة الثورة -(26 سبتمبر). 

كانت المدرسة تغلي وتتماهى مع أفكار المدّ القومي وفي واجهته مصر وشخصية الرئيس عبدالناصر، وتعزز ذلك بقيام الوحدة العربية بين مصر وسوريا، وإعلان قيام الجمهورية العربية المتحدة (عام 1958)، وكانت الكثير من الأفكار الجديدة قد بدأت تتغلغل في وعي الطلاب، وكان لوجود شخصيات وازنة، مثل مالك الإرياني خارج المدرسة، أثره الواضح في الطلاب. فقد كان يزود العديد منهم بالكتب والنشرات والجرائد التي تصله من عدن والقاهرة وبيروت، وهي الأشياء التي كان يحرَّم دخولها إلى المدرسة. كانت هناك مقاهٍ شعبية بسيطة في أطراف "شرارة" (ميدان التحرير) لديها راديوهات، مثل مقهى عبدالله شعيب، وكنا نذهب إليها وقت نشرات الأخبار، ونسمع إذاعة "صوت العرب"، وخصوصًا برامج رئيسها وأشهر مذيعيها أحمد سعيد، وكنا نستمع بشكل سري أيضًا لبرامج الأستاذ النعمان والقاضي الزبيري التي تبثها الإذاعة، فقد كان الانفتاح البسيط الذي انتهجه ولي العهد -حينها- محمد البدر أثناء مرض وسفر والده للعلاج، تحولًا مهمًّا عند كثيرين على طريق التحديث، غير أن الأيام أثبتت عكس ذلك تمامًا.

" يتبع"


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English