أزمة الوقود تخنق مستشفيات اليمن

تبادل اتهامات والسوق السوداء مستمرة
عصام القدسي
July 12, 2020

أزمة الوقود تخنق مستشفيات اليمن

تبادل اتهامات والسوق السوداء مستمرة
عصام القدسي
July 12, 2020

ألقت أزمة الوقود الأخيرة في صنعاء والمناطق التابعة لسلطة أنصار الله (الحوثيين)،  بظلالها القاتمة على مرافق حيوية، ناهيك عن استنزافها للمواطنين المضطرين للتحرك اليومي لكسب لقمة عيشهم. منذ منتصف يونيو/حزيران 2020، بدأت أزمة الوقود في صنعاء والمناطق الواقعة في نطاق سلطاتها، وعلى الرغم من إعلان الحكومة المعترف بها دولياً السماح لأربع سفن بإفراغ الوقود في ميناء الحديدة، قال المدير التنفيذي لشركة النفط في صنعاء، عمار الأضرعي، في تصريح أثناء وقفة احتجاجية الجمعة 10 يوليو/ تموز 2020، أمام مقر الأمم المتحدة بصنعاء، بأن سفينتين فقط، أفرغتا حمولتهما من الوقود.

 ومع تصاعد الأزمة أو انفراجها جزئياً، تستمر مظاهر بيع الوقود في السوق السوداء في جميع المناطق التي تشملها الأزمة.

ومن بين القطاعات الأكثر تضرراً من أزمة الوقود، يأتي القطاع الصحي، حيث انقطاع التيار الكهربائي يمكن أن يودي بحياة مريض أو أكثر. وحذرت شركة النفط التابعة لسلطة صنعاء من وضع كارثي يمكن أن يشهده أكثر من قطاع في حال استمرت الأزمة.

مشاهد تنضح بالألم

على سرير في غرفة طوارئ مستشفى الثورة، يرقد رجل خمسيني، يعاني مرض “القدم السكري”، وبجانبه طفلة تمسك عكازه الذي يحمله بدلاً عن قدمه. لم يكن بالإمكان إيقاظ مريض هذا حاله، لمعرفة تفاصيل أوجاعه، ناهيك عن كون المرض ترك أثره الواضح على هيئة جسده المرهق وعينيه المفتوحتين حتى وهو في ذلك السكون العميق.

منذ الوهلة الأولى لدخول مستشفى الثورة في العاصمة صنعاء، يدرك المرء حجم ما خلفته الحرب من خراب وضحايا. مشاهد يمتزج فيها السخط بالألم؛ امرأة هدّها المرض تفترش الأرض في طابور المرضى، في انتظار دورها للدخول إلى غرفة المعاينة، طفل يتألم في ركن الممر، وآخر يغفو بأوجاعه في حضن والدته التي تبدو بأن الحياة طمرتها بالقسوة والفقر، وهناك في الغرفة المجاورة، رجل آخر يرقد على سرير، منتظرا لطبيب لم يأت بعد.

يمر القطاع الصحي في اليمن بمرحلة متقدمة من الانهيار والشلل، وفي الوقت الذي تستمر فيه أزمة الوقود، صارت المستشفيات مهددة بالإغلاق في أية لحظة، ناهيك عن التوقفات المؤقتة لبعض الأقسام بسبب نفاد الوقود. ولا تزال تحذيرات شركة النفط ووزارة الصحة التابعتين لسلطة أنصار الله (الحوثيين) في صنعاء، تتوالى من تأثير أزمة المشتقات النفطية على أكثر من قطاع حيوي، أبرزها قطاع الصحة.

ويستقبل مستشفى الثورة العام في صنعاء، مرضى من جميع أنحاء اليمن، وتجرى فيه عمليات كبيرة، مثل جراحة القلب المفتوح، وزراعة الكلى. وبالمثل، المستشفى العسكري ومستشفى السبعين، والمستشفى الجمهوري.

المدير العام لهيئة مستشفى الثورة، الدكتور عبداللطيف أبو طالب، قال في حديث لـ”خيوط”، إن أزمة المشتقات النفطية أثرت على أداء الخدمة الطبية، وأن بعض العمليات الكبيرة التي كانت تجرى في المستشفى، توقفت، ومنها عمليات زراعة الكلى.

وأشار أبو طالب إلى أن توقف المولدات عن توليد الطاقة الكهربائية، يهدد حياة المئات من المرضى، حتى لو كان هذا التوقف لحظياً “لخمس دقائق”. وأضاف أن أزمة الوقود القائمة حتى الآن، فاقمت من معاناة المصابين بأمراض مزمنة، كالربو، حيث يحتاج المرضى إلى أكسجين مستمر عبر أجهزة التنفس الصناعي.  ودعا أبو طالب، “المجتمع الدولي وكافة المنظمات الدولية، إلى تدخل طارئ لإنقاذ مستشفى الثورة، والقطاع الصحي بشكل عام في اليمن”.

أبرز التحديات التي تواجه المستشفيات، وفقاً للناطق باسم وزارة الصحة في صنعاء، تكمن في توقف أكثر من 60% من خدمات القطاع الصحي عن العمل

مهددة بالإغلاق

أصبحت المستشفيات في العاصمة والمحافظات اليمنية التي تقع تحت سيطرة سلطات صنعاء، عاجزة عن تقديم الخدمة في حال انعدام المشتقات النفطية، خاصة في ظل تفشي وباء كورونا مؤخراً، الأمر الذي أثر بشكل رئيسي على القطاع الصحي، وفقا لحديث ناطق وزارة الصحة في صنعاء الدكتور يوسف الحاضري.

وفي حديثه لـ”خيوط”، قال الحاضري إن “هناك مستشفيات خفض عليها الدعم من المشتقات النفطية بشكل كبير جداً”، وأن بعضها اضطرت لإغلاق بعض الأقسام كإجراء ترشيدي للوقود المتوفر لديها. وأضاف أن أزمة الوقود حدت من تحركات وسائل النقل الخاصة بالمستشفيات، وأجهزة التنفس الصناعي، لا سيما تلك المخصصة للمرضى المصابين أو المشتبه بإصابتهم بفيروس كورونا.

وتكمن أهمية المشتقات النفطية للقطاع الصحي، كما يفيد الحاضري، في “توليد الكهرباء للمرافق وتشغيل الآلات والأجهزة، تشغيل سيارات الإسعاف، غرف الإنعاش، المختبرات، الطوارئ، وثلاجات الصيدليات والأجهزة الخاصة بها، وغيرها”، لافتاً إلى احتياج المرضى للنقل من طابق لآخر، حيث يصعب نقل الكثير من المرضى عبر السلالم العادية. وبحسب الحاضري، فإن “انعدام المشتقات النفطية، يشكل خطراً أكثر من المتوقع”.

أبرز التحديات التي تواجه المستشفيات، وفقاً للناطق باسم وزارة الصحة في صنعاء، تكمن في توقف أكثر من 60% من خدمات القطاع الصحي عن العمل، في ظل تزايد انتشار الأوبئة وبالتالي، تزايد احتياج الناس للاستطباب.

توافر المشتقات النفطية في المستشفيات الخاصة والحكومية، ليست كافية لإنقاذ المرضى. هكذا تلقي أزمة الوقود بقتامتها أيضاً على المرضى القاطنين في الأرياف، حيث يحتاجون لوسيلة نقل توصلهم إلى المرافق الصحية. ويرجع كثير من المرضى سبب عدم المجيء للمستشفى في الوقت المناسب، لعدم القدرة على دفع تكاليف الوصول للمستشفى، في ظل ارتفاع سعر مادة البنزين في السوق السوداء بسبب الأزمة.

ويلجأ سائقو وسائل النقل إلى شراء الوقود من السوق السواء بأسعار باهظة، ما أدى إلى زيادة أجرة الراكب، الأمر الذي فاقم صعوبة وصول المرضى في الوقت المناسب إلى المستشفيات. وخلال هذه الأزمة، دفع المواطن علي عبده، 46 ألف ريال (ما يعادل 80 دولاراً) لشراء 60 لتر من مادة البنزين من السوق السوداء، وذلك من أجل إسعاف ابنه الذي عضه كلب مسعور في منطقة عنس بمحافظة ذمار، إلى العاصمة صنعاء.

تدهور مستمر

في مدينة الحديدة تبدو الصورة أكثر قتامة؛ فمنذ اندلاع الحرب في البلاد، تعاني المستشفيات والمرافق الصحية في المدينة الساحلية، من نقص كبير في الإمكانيات، خاصة أن هذه المحافظة تعد من أكثر مناطق اليمن فقراً وانتشاراً  للأمراض، بينما يعجز غالبية سكانها عن توفير تكاليف العلاج أو الوصول إلى المستشفيات.

 في حديث لـ”خيوط”، حذر عاملون في المجال الصحي من التدهور الحاصل في المستشفيات الحكومية والخاصة على حدّ سواء، حيث باتت عاجزة هي الأخرى عن تقديم معظم خدماتها، خاصة مع تفشي جائحة كورونا، وأزمة الوقود التي أوقفت معها عجلة الحياة.

 أدت أزمة المشتقات النفطية في محافظة الحديدة إلى إغلاق بعض الأقسام في المستشفيات والتخفيف من استخدام بعض الأجهزة فيها من أجل ترشيد استهلاك الوقود، وفقاً لمدير مكتب الصحة في الحديدة، الدكتور خالد المداني.

وقال المداني في حديث لـ”خيوط”، إن مستشفى الثورة في مدينة الحديدة، هو الوحيد الذي تدعمه منظمة الصحة العالمية بالوقود ويمتلك مولداً كهربائياً بقدرة 1000 كيلووات، “أي واحد جيجا”، وأن هذا المولد، يحتاج 221 لتر من الديزل في الساعة الواحدة.

في مراكز العزل الخاصة باستقبال الحالات المصابة أو المشتبهة بالإصابة بفيروس في مدينة الحديدة، اضطر القائمون عليها إلى إيقاف المكيفات، والاكتفاء بمراوح الهواء، بالرغم من ارتفاع درجة حرارة الجو. وبحسب المداني، فإن هذا الإجراء تم اتخاذه لتوفير كميات الديزل لتشغيل الأجهزة الضرورية، لافتاً إلى أن “غياب المشتقات النفطية أدى إلى زيادة انتشار الأمراض والأوبئة وزيادة الوفيات في المدينة”، لكنه لم يفصح عن أي نسبة بشأن زيادة عدد الوفيات.

لا تزال المناطق الواقعة تحت سيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين)، تعاني من أزمة خانقة في المشتقات النفطية، وبالرغم من التصريحات الرسمية بدخول أربع سفن، تقول سلطات صنعاء إنها سفينتان

احتياج مستمر

450 منشأة صحية توجد في مدينة الحديدة، وتتوزع، بحسب مدير الصحة في المحافظة، إلى ستة مستشفيات محورية “رئيسية”، وستة مستشفيات ريفية، مشيراً إلى أن المستشفيات المحورية تحتاج في الشهر الواحد ما لا يقل عن  40-50 ألف لتر ديزل .

معظم المرافق الصحية التي تمولها منظمة الصحة العالمية في محافظة الحديدة، تواجه تحديات كبيرة في ظل عدم كفاية الدعم المقدم من المنظمة، ومن ضمنه الوقود اللازم لاستمرار عملها.

مستشفى باجل واحد من المرافق التي لم تستطع منظمة الصحة العالمية أن تغطي مصاريفه، كما يقول الدكتور المداني، وتبلغ كمية دعم الوقود من منظمة الصحة العالمية للمستشفى “حوالي 8500 لتر، ومن الصليب الأحمر 12-8 ألف لتر، والباقي يوفرها من الدعم الشعبي”.

أما مستشفى بيت الفقيه، فيحتاج شهرياً ما يقارب 35-40 ألف لتر، بينما الكمية التي تصرف له شهرياً من منظمة الصحة العالمية، 10 آلاف لتر فقط، وكذلك الحال بالنسبة لمستشفى زبيد الذي يحتاج حوالي 35 ألف لتر.

 وطبقاً لمدير عام مكتب الصحة في الحديدة، فإن ما يقارب 1000 مريض مسجلين في مركز الغسيل الكلوي بالمدينة، ويحتاجون لعملية غسيل الكلى مرتين في الأسبوع. كما أن المركز ليس لديه “كهرباء خط ساخن”، بل يقدم خدماته اعتماداً على مولدات كهربائية تستهلك ما يقارب 30 ألف لتر شهرياً، بينما تدعمه منظمة الصحة العالمية بـحوالى تسعة آلاف لتر فقط.

اتهامات متبادلة

 لا تزال العاصمة صنعاء والمحافظات الواقعة تحت سيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين)، تعاني من أزمة خانقة في المشتقات النفطية منذ منتصف يونيو/ حزيران 2020، بالرغم من التصريحات الرسمية للحكومة المعترف بها دولياً، بموافقتها على دخول أربع سفن محملة بالنفط فقط، الأربعاء 8 يوليو/ حزيران 2020، إلى ميناء الحديدة الخاضع لسيطرة الجماعة.

وكانت سلطات صنعاء اتهمت “التحالف العربي” الذي تقوده السعودية والإمارات، باحتجاز ما يزيد على 22 سفينة تحمل مشتقات نفطية لليمن في ميناء جيزان، ومنعها من التوجّه إلى ميناء الحديدة، الأمر الذي ينذر بكارثة إنسانية كبيرة، في حال نفاذ وقود الطاقة اللازم لتشغيل المستشفيات، وتوقف الخدمة الطبية فيها.

 وأرجع وكيل الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، مارك لوكوك، أسباب أزمة الوقود الراهنة، إلى مشكلة العوائد المالية من شحنات النفط بين أطراف النزاع اليمنية، فيما اكتفى المبعوث الأممي، مارتن غريفيث، بالدعوة إلى الإفراج عن السفن المحتجزة.

وحتى الآن لا توجد أية بوادر لانفراج أزمة المشتقات النفطية، نتيجة تصلب مواقف الطرفين، وتمسك كل طرف بأحقيته في التحكم بحساب الرواتب في البنك المركزي بالحديدة، وهو ما قد يطيل أزمة المشتقات النفطية، ويضاعف تداعياتها الإنسانية والاقتصادية.

  • تحرير “خيوط”

•••
عصام القدسي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English