الوصمة الاجتماعية أشد خطراً من الفيروس

مرضى يموتون على أبواب المستشفيات بسبب اسم العائلة
محمد سليمان
July 6, 2020

الوصمة الاجتماعية أشد خطراً من الفيروس

مرضى يموتون على أبواب المستشفيات بسبب اسم العائلة
محمد سليمان
July 6, 2020

مساء الـ30 من مايو/ أيار 2020، شعر سعيد (55 سنة) بضيق في التنفس مع ألم شديد في الصدر. سارعت أسرته لنقله مباشرة إلى طبيب متخصص بالقلب، كونه أجرى مسبقاً عملية في القلب. أجرى له الطبيب عدة فحوصات تبين من خلالها أن السكر مرتفع بشكل كبير، الأمر الذي يؤدي إلى الضغط على عضلة القلب، فيحدث تجلطاً في الأوعية، وذلك كما أخبر الطبيب مرافقي سعيد، وقرر على إثر الفحوصات إبقاءه في المستشفى على أن يخضع للرقابة الصحية المكثّفة.

“لم أكن أتخيل أن أكون بمثل هذا العجز وأنا أرى أخي يموت بين يديّ ولا أجد من يقوم بعلاجه.” بحسرة وحزن عميق استهلّ حديثه لـ”خيوط”، الحاج أحمد (اسم مستعار) من أهالي محافظة حضرموت شرقي اليمن، وهو شقيق سعيد، مضيفاً أن إدارة المستشفى أبلغتهم أن كون المريض من عائلة (فلان)، لا تستطيع علاجه قبل إجراء فحص كورونا.

شكّلت هذه العبارة صدمة كبيرة للحاج أحمد بعد توجهه إلى المستشفى الحكومي لعلاج أخيه. يقول: “توجهنا إلى غرفة تسمى بـ”غرفة الفرز”، وأطلعنا المناوب فيها على الحالة وتحويل الدكتور، حيث قام بالإجراءات وطلب منا أن نتوجه إلى الطوارئ مؤقتاً، ليتم تحويلنا إلى غرفة الرقود الخاصة بالرجال بعد استقرار الحالة”.

في غرفة الطوارئ لم يكن هناك أحد من الأطباء ليقوم بمعاينة المريض. وبعد نداء استغاثة مستمر، تعاطف معهم، حسب حديث الحاج أحمد، أحد الممرضين وقام بتركيب أسطوانة الأوكسجين، إلا أنه وفي أقل من دقيقة، عاد لنزعها دون أن ينطق بكلمة.

تجسد قصة سعيد المؤلمة نموذجاً بسيطاً للمعاناة اليومية القاسية للمرضى في اليمن مع تفشي فيروس كورونا، والذي فرض انتشاره ضغوطات هائلة على المواطنين والمرافق الصحية

بعد عودة المناوب في “غرفة الفرز”، كانت المفاجأة بقرار أحد المناوبين بالطوارئ رفض علاج المريض قبل أن يتم “فحصهم للتأكد من فيروس كورونا”، فتوجّهوا إلى أحد المستشفيات الخاصة، لكنه رفض استقبال الحاج أحمد وأخيه.

استقر بهما الحال في مستشفى وافق على استقبالهما، وبادر طبيب متعاون بعلاج “سعيد” الذي فارق الحياة بعد نصف ساعة من دخوله المستشفى.

تجسد قصة سعيد المؤلمة نموذجاً بسيطاً للمعاناة اليومية القاسية للمرضى في اليمن مع تفشي فيروس كورونا، والذي ساهم في إحداث هذا الارتباك والتغيير الحاصل في المستشفيات والمرافق الصحية، التي يرى البعض أنها فقدت جزءاً من رسالتها الإنسانية السامية في علاج المرضى، مهما كانت حالتهم ووضعيتهم. لكن في المقابل، هناك من يلتمس العذر لهذه المرافق والعاملين فيها بسبب ما فرضه تفشي فيروس كورونا من ضغوطات هائلة عليها، وتحملها معاناة كبيرة مع تردي وضعية المرافق الصحية وانعدام أبسط الإمكانيات والمستلزمات الطبية اللازمة لمكافحة الفيروس.

مستشفيات للحالات الطارئة

في السياق، يقول نائب مدير مكتب الصحة بحضرموت، الدكتور صالح باعويضين لـ”خيوط”، إن هناك توجيهات حكومية تقضي بأن تستقبل المستشفيات الحالات الطارئة فقط، مثل الحوادث وغيرها، وذلك وفق توجيهات وزير الصحة الصادرة بتاريخ 5 مايو/ أيار 2020، والذي يأتي ضمن الإجراءات الاحترازية لمواجهة كورونا.

ونظراً لمعاناة الناس نتيجة إغلاق العيادات الخاصة، فقد وجّه مكتب الصحة بحضرموت بفتح العيادات والعمليات، مع الأخذ بالتدابير الضرورية من قبل الجميع.

وعن رفض استقبال بعض الحالات، قال الدكتور باعويضين، إن بعض العائلات ترفض التعاون مع الجهات المعنية عند حدوث حالة اشتباه بكوفيد-19، بل يصل بالبعض إلى حد الإنكار وتهديد العاملين الصحيين، وهذا ما حدث كثيراً خلال الفترة الماضية، حسب تعبيره.

وعلى الرغم من بعض التصرفات الخاطئة التي يعتبرها باعويضين “تصرفات فردية في غالبيتها”، فقد أكد أن رفض التعاون يؤدي إلى عدم القدرة على تحديد المخالطين ليتم التعامل معهم وفق البرتوكولات المعروفة في مكافحة الفيروس.

وتقوم الجهات الصحية المعنية في المحافظة بوضع كل من يحتمل ارتباطه بالمصاب أو عائلته ضمن الدائرة التي يجب اتخاذ الإجراءات اللازمة لحمايتها من المصاب.

تعرضت أسرة الحاج أحمد لحملة تنمّر على نطاق واسع، بدأت برسالة “واتساب” كتبها مجهول يتحدث فيها عن موت شخصين من العائلة التي ينتمي إليها أحمد، بأعراض مشابهة لفيروس كورونا.

تجريم رفض علاج المريض

تحظر المادة (21) من القانون رقم (26) لسنة 2002، بشأن مزاولة المهن الطبية والصيدلانية، على مزاولي المهنة كل في مجال اختصاصه، رفض معالجة أي مريض ما لم تكن حالته خارج اختصاصهم، إلا إذا توفرت لديهم أسباب فنية أو اعتبارات مهنية باستثناء الحالات الطارئة، فيجب على الطبيب بذل العناية اللازمة أياً كانت الظروف، مستخدماً كل الوسائل المتاحة لديه حتى يتأكد من وجود أطباء آخرين يملكون القدرة والإمكانيات لتقديم العناية المطلوبة، وعلى المنشأة، سواء كانت خاصة أو عامة تقديم المساعدة اللازمة، وتحدد اللائحة التنفيذية ضوابط هذه الخدمة.

أسباب فنية واعتبارات مهنية هي عادة ما يتحجج بها كثير من الأطباء خلال هذه الجائحة، كما يقول المحامي عبدالرحمن بارجاء لـ”خيوط”. إذ أن كثيراً من الأطباء يتحججون بعدم توفر وسائل الحماية اللازمة والإجراءات والبروتوكولات المعمول بها في الجانب الطبي للتعامل مع الأوبئة وعمليات الرصد وغيرها من الأسباب والاعتبارات. وفق بارجاء، فإن بالإمكان إن حدثت تجاوزات من بعض الأطباء، أن يتم رفعها للجهات المسؤولة بالمستشفى للنظر فيها، وقد تعتبر مخالفة إدارية تتخذ على إثرها العقوبات المعمول بها إن صحّت.

تعامل المجتمع

تعرضت أسرة الحاج أحمد لحملة تنمّر على نطاق واسع، بدأت برسالة “واتساب” كتبها مجهول يتحدث فيها عن موت شخصين من العائلة التي ينتمي إليها أحمد، بأعراض مشابهة لفيروس كورونا.

بدأ بعدها الناس بالهروب وعدم مجالسة كل من يرتبط اسمه بهذه العائلة من قريب أو من بعيد، لتتوفى الحالة الثالثة من نفس العائلة بعد نقلها إلى المستشفى، وتعلن السلطات الصحية إصابة الحالة المتوفاة، بفيروس كورونا، لكن مع عدم ذكر اسم الحالة المتوفاة. مع ذلك، انتشر الخبر بسرعة، لتزداد مساحة الوصمة من قبل المجتمع، وترفض العائلة إجراء الفحص لبقية أفرادها، كما أفاد مصدر صحي.

يتحدث الشاب وليد، عما يتعرض له أقرباؤه قائلاً: “وصل بنا الحال إلى أن يذهب أحدنا للجلوس في مكان، وما إن يعرف الموجودون باسم العائلة حتى يتهربوا من الحديث معنا أو حتى الجلوس في المكان الذي نكون فيه، وكذلك بالنسبة للنساء والأطفال. نضطر كثيراً إلى تغيير اسم العائلة للحصول على رعاية صحية أو لشراء غرض أو لإنجاز معاملة ما، هذا يشكل ضغطاً نفسياً هائلاً علينا وخاصة كبار السن، حيث لم يعد يأتي أحد لزيارتهم كما كان الأمر في السابق”.

هروب المجتمع من العائلة التي يصاب أفرادها بفيروس كورونا، ووصمها ولو لمجرد الاشتباه بإصابة أحد أفرادها بكورونا، وكذلك رفض العائلة إجراء الفحوصات، كلها “ردود أفعال طبيعية” كما يقول أستاذ علم النفس الدكتور أرسلان الوزير، والذي أشار في حديثه لـ”خيوط”، إلى أن “المجتمعات التي تتميز بطابعها الريفي في أغلب تكويناتها، يتربى أفرادها على الرقابة المجتمعية أكثر من الرقابة الذاتية وحتى الربانية في كثير من الأحيان”. كما لفت إلى أن ذلك “يجعل كثيراً من العائلات تخاف من نظرة المجتمع لها في حالة الاعتراف بإصابة أفرادها بالفيروس، كما أن رد فعل المجتمع أيضاً طبيعي نتيجة الضخّ الإعلامي الهائل والذي يتحدث عن المرض وخطورته”.

وصمة عار تزايدت على إثرها حالات الوفاة في الآونة الأخيرة نتيجة حُمّيات غير معروفة، حيث يأبى كثير من المرضى وعائلاتهم الذهاب إلى الجهات المختصة بغرض الفحص، ويكتفون بالعلاجات المعروفة للحمى والسعال في البيوت.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English