المتنافسون على لقب أسوأ مجرم في العالم

الجزء الأول من مقابلة نعوم تشومسكي عن كورونا وإعادة تشكيل العالم
قسم الترجمات
May 25, 2020

المتنافسون على لقب أسوأ مجرم في العالم

الجزء الأول من مقابلة نعوم تشومسكي عن كورونا وإعادة تشكيل العالم
قسم الترجمات
May 25, 2020
نعوم تشوميسكي 1|تشوميسكي

(2-1)

حوار: كريس بروكس

ترجمة: بلال أحمد ولطف الصراري

في هذه المقابلة، يخاطب "المفكر الرائد والإشكالي"، نعوم تشومسكي، كافة المؤمنين بالعدالة في جميع أنحاء العالم؛ يدق ناقوس الخطر من فداحة استمرار سياسات النظام الرأسمالي في محاولة إعادة تشكيل العالم. العالم بما هو مجموع سكان كوكب الأرض، بمكوناته البيئية والجغرافية، العالم متعدد الثقافات والإمكانيات الطبيعية والصناعية التي يعتمد الإنسان عليها لعيش حياة كريمة.

  يستعيد تشومسكي عدد من المحطات المفصلية التي بنت فيها "الرأسمالية المتوحشة" مركزها الرئيس في الولايات المتحدة، وعززت من سطوتها على حساب الشعب الأمريكي. ثم مدت هذه السطوة على معظم شعوب العالم، بمساعدة نفوذها الاقتصادي والعسكري، وعن طريق صناعة حلفاء مخلصين لها في العديد من الدول، بمن فيها الدول العربية.

  تشومسكي الذي يعيش حالياً الحجر المنزلي للوقاية من الإصابة بفيروس كورونا، لا يزال يتابع من معتزله أداء الإدارة الأمريكية برئاسة ترامب، "أنجح رجلٍ مخادعٍ في التاريخ الأمريكي على الإطلاق"- حسبما وصفه. ليس ذلك وحسب، بل ويتابع ما يفعله حلفاء ترامب في الهند بقيادة "مودي"، وفي المجر برئاسة "أوربان"، وفي البرازيل برئاسة "بولسونارو"؛ الرجل الذي قال عنه بأنه "يتنافس مع ترامب" على لقب "أسوأ مجرم في العالم".

  هذه المقابلة تعتبر بمثابة شهادة تاريخية على عصر الإدراة النيوليبرالية لأمريكا والعالم، من مفكر يعيش عقد التسعينات من عمره، بنفس تلك النباهة والمثابرة التي عاش فيها العصر نفسه، راصداً ومتابعاً وناقداً ومحذراً من النتائج التي يمكن أن تفضي إليها السياسات الرأسمالية المشجعة للحروب والداعمة للاستبداد. وقبل أن نترككم لقراءتها، نود تقديم الشكر الجزيل للسيد كريس بروكس، الذي وافق، بحماس، على ترجمة حواره مع تشومسكي، لنشره في منصة "خيوط".

                                                                                (المترجمان)

 (الصورة لـ أنديريو رَسك)

أجرى كريس بروكس، المحرر ضمن فريق عمل موقع "لابور نوتس" هذا الحوار، مع البروفسور تشوميسكي في 10 أبريل/نيسان 2020، وتنشر "خيوط" ترجمة حصرية لنصه الكامل، بإذن من بروكس نفسه.

"لعقودٍ من الزمن، ظل نعوم تشومسكي مفكراً "إشكالياً" رائداً. ساعدت كتبُه وخطاباته على شرح كيف أن عالما يديره الزعماء والشركات قاد إلى حروب لا تنتهي وتغييرات مناخية كارثية. وها هو الآن يساعد في تفسير الكيفية التي جعلوا بها [المليارديرات] جائحة كورونا أسوأ بالفعل، باتّباع سياساتٍ همجيةٍ تعود عليهم بالفائدة، على حساب الآخرين".

  • بروفسور تشومسكي، شكراً جزيلاً لانضمامك إلي. أعلم أنك غارقٌ في طلبات إجراء الحوارات طوال الوقت. لذا، نيابةً عن "لابور نوتس"، أشكرك لتخصيص وقتٍ للتحدث إلينا.

- سعيدٌ بذلك.

  • أردتُ للتو البدءَ بالحصول على أفكارك بشأن اللحظة غير المسبوقة التي نعيشها. من الواضح أننا في خضمّ جائحةٍ عالميةٍ وركودٍ عالميٍّ، على حدٍّ سواء. والآن، وَجَد ملايين الناس في الولايات المتحدة أنفسَهم عاطلين عن العمل، وبلا ضمانٍ، بينما نظام الرعاية الصحية، الخاص بنا، مثقلٌ بحمولةٍ زائدةٍ، ويفتقر تقريباً إلى أبسط الأشياء بالنظر إلى عدد أسِرّة المستشفيات وأجهزة التنفس ومعدات الحماية الشخصية التي نحتاجها. وأنا أعلم أنه يمكننا قضاء نصف ساعةٍ كاملةٍ في الحديث حول هذا السؤال وحده؛ ولكن،بإيجازٍ، أتساءل عما إذا كان بإمكانك أن تُلخّص لنا كيف نفهم اللحظة الراهنة التي نحن فيها، والخيارات السياسية التي قادتْنا إلى هنا؟

- حسناً، أولاً وقبل كل شيء، يجب أن ندرك أنه ما لم نصل إلى جذور هذا الوباء، فمن المحتمل أن يتكرر بشكلٍ أسوأ، وذلك، ببساطة، بسبب التلاعبات في النظام الرأسمالي الذي يحاول خلق الظروف التي سيكون فيها [الوباء] أسوأ، من أجل مصلحته [النظام]. يمكننا أن نرى ذلك في فاتورة التحفيز، وأمور أخرى كثيرة.

الآن ثانياً، بسبب الاحتباس الحراري، الذي يحدث ويضع كل ذلك في الظل، سنتعافى من هذا بتكلفةٍ باهظة. لن نتعافى من الذوبان المستمر لطبقات الجليد القطبي. وإذا كنت تريد أن تفهم كيف ينظر رأس المال المعاصر إلى هذا، فألق نظرةً على ميزانية ترامب. صحيحٌ أن ذلك تَطَرُّفٌ مَرَضِيٌّ للأنظمة الرأسمالية الاعتيادية، وربما ليس من الإنصاف استخدامُها كمثالٍ؛ ولكنه ما نعيشه.

لذلك، في العاشر من فبراير/شباط[2020]، وبينما كان الوباء يتفاقم وفي طريقه لأن يصبح أكثر سوءاً، خرج ترامب بمقترحات ميزانيته. وماذا كانت؟ النقطة الأولى: إيقاف تمويل الجهات الحكومية المتعلقة بالصحة. طوال فترة ولايته، استمر في تقليص التمويل على أي شيء لا يعزِّز سلطةَ وثروةَ القطاع الخاص-سلطة الشركات. فجرى، بشكلٍ متزايدٍ، إيقاف تمويل كل قطاعات الصحة الحكومية. لقد قتل البرامج، وجميع الأمور الأخرى.

لنَبقَ في العاشر من فبراير؛ فأكثر من إيقافٍ للتمويل كان قد طال مركز التحكم بالأمراض، والأقسام الحكومية المتعلقة بالصحة؛ إنما كان هناك أيضاً ارتفاعٌ في بند التعويض في الميزانية لصالح صناعة النفط الأحفوري-زيادة المعونات المالية لهذه الصناعة. إذن، دعونا الآن، ليس القيام بقتل أكبر عددٍ ممكنٍ من الناس فحسب، بل ولْنحاولْ تدمير كل المجتمع. هذا بشكلٍ أساسيٍّ، وبكل معنى الكلمة. وبالطبع، المزيد من التمويل للجيش، ولجداره الشهير.

  • عندما اكتشف "جوناس سولك" لقاح سارس في 2003، أصرَّ ألا تكون هناك براءةُ اكتشاف؛ إذ قال: "تحصّلْنا على اللقاح ليكون للشعب؛ إنه ببساطة كالشمس"

 لكن هذان الأمران يتمظهران بشكلٍ واضح جداً، كمؤشرٍ على الإجرامية التي هي قبل كل شيءٍ مُزْمِنةٌ، لكنها ملفتةٌ للانتباه، في البيت الأبيض المعتل اجتماعياً. يكشف عنها [ترامب] بشكلٍ راديكاليٍّ. إنما، بالطبع، لا يمكن أن يكون ملوماً على كل هذه الأمور. علينا النظر إلى ما وراءها لكي نفكر فيها بشكلٍ أفضل.

بعد وباء سارس، في 2003، وهو أيضاً فيروسٌ تاجيٌّ [من عائلة كورونا]، كان مفهوماً لدى العلماء، وبشكلٍ جيدٍ، أن تكراراتٍ لنوعٍ أو آخر من الفيروسات التاجية في طريقها لأن تأتي، وعلى الأرجح بجديةٍ أكبر. حسناً، الفهم ليس كافياً. على أحدهم أن يلتقط الكرة ويجري بها. لدينا الآن إمكانيتان. إحداهما شركات الأدوية؛ لكنها تتوافق بشكلٍ اعتياديٍّ والمنطق الرأسمالي: أن تعمل [اليوم] ما يصنع ربحاً في الغد. أنت لا تقلق بشأن حقيقة أن كل شيءٍ سينهار في غضون سنتين؛ هذه ليست مشكلتك. ولذا فشركات الأدوية، على وجه الخصوص، لم تفعل شيئاً. كان هناك أشياءٌ يمكن القيام بها، كان هناك وفرةٌ من المعلومات المنتشرة. العلماء كانوا على علمٍ بما ينبغي القيام به، وكان هناك تحضيراتٌ واستعداداتٌ كان بالإمكان الإتيان بها. شخصٌ ما، عليه أن يدفع مقابل ذلك. ليس شركات الأدوية. حسناً، في عالمٍ عقلانيٍّ، حتى في العالم الرأسمالي السابق لرونالد ريغان، كانت الحكومة لتتدخل، وتقوم بذلك.

بشكلٍ متطابقٍ على الأرجح، هذه هي الطريقة التي اجتُثَّ بها شلل الأطفال؛ من خلال برنامجٍ بادرت به الحكومة ومولته. عندما اكتشف "جوناس سولك" اللقاح، أصرَّ ألا تكون هناك براءةُ اكتشاف؛ إذ قال: "تحصّلْنا على اللقاح ليكون للشعب؛ إنه ببساطة كالشمس"، تلك لا تزال رأسماليةً؛ لكنها كانت رأسماليةً منضبطة. ثم أُنهيَ كل ذلك مع صَدمة رونالد ريغان: الحكومة هي المشكلة وليست الحل. هلم بنا نشرعن الملاذات الضريبية، دعونا نشرعن إعادة شراء السندات (الأسهم)، التي تقدر تكلفتها على الشعب بعشرات المليارات من الدولارات، في عملية سرقةٍ صرفة.

الحكومة هي الحل عندما يكون القطاع الخاص في مشكلة؛ صار هذا مفهوماً. وعندما يحتاج الشعب أمراً ما، فحينها فقط، لا تكون الحكومة هي الجواب. إذن، بالعودة إلى 2003، فإن الحكومة لم تستطع التدخل. في الواقع، تدخلتْ بدرجة طفيفة للغاية. ومن المشوق جداً رؤية ما الذي حدث؛ أقر أوباما، بعد أزمة إيبولا، بأن هناك مشاكل، وأن علينا أن نفعل شيئاً.

قام أوباما بعدة أمور؛ أحدها كان محاولة التعاقد للحصول على أجهزة تنفسٍ صناعيّ. هذه الأجهزة هي بمثابة عنق الزجاجة في المنظومة [الصحية] في الوقت الراهن. إنها التي تجبر الممرضات على اتخاذ القرار بشأن من سَيقتُلنَه في الغد. لا يوجد العدد الكافي منها، لكن إدارة أوباما، كانت قد تعاقدت على تطوير أجهزة تنفسٍ صناعيٍّ ذات جودةٍ عاليةٍ وتكلفةٍ منخفضة. الشركة [التي وقعت العقد] سرعان ما تم شراؤها من قبل شركة أكبر وضعت المشروع جانباً-كانت تنافس في السوق بأجهزة التنفس خاصتها عاليةِ التكلفة- وعادت إلى الحكومة لإبلاغها بأنها في حِلٍ من العقد؛ فهو غير مربح بما فيه الكفاية.

تلك رأسمالية همجية. ليست فقط رأسمالية، بل رأسمالية نيوليبرالية؛ إنها تصبح أكثر سوءاً. في يناير وفبراير من العام الجاري [2020]، عندما طرقت الاستخبارات الأمريكية على باب البيت الأبيض بالقول: "مرحباً؛ هناك أزمة حقيقة. افعلوا شيئاً". لم يستَطَع فعل شيء. ذلك أن إدارة ترامب كانت تقوم بشيءٍ ما؛ أعني أنها كانت تُصَدِّر أجهزة التنفس إلى الصين وبلدانٍ أخرى، لتحسين ميزان التبادل التجاري. جرى الأمر على هذا النحو، وامتد إلى مارس.

الآن، هاهم المصنعون أنفسهم، وشركات الملاحة، الذين كانوا يصدرونها [أجهزة التنفس]، يعاودون استيرادها، بفائدة مضاعفة. هذا ما نتعايش معه؛ وبإمكانه أن يستمر بسهولة. لذا، لو أعدتم النظر إلى الأمر بأكمله، فهناك أساساً إخفاق هائل في السوق. الأسواق، ببساطة، لا تعمل. يمكن أن تعمل، أحياناً، في بيع الأحذية؛ لكن لو حدث أمر جلل، فليس ذلك من شأنها. يجب عليك أن تستثمر كما أوضح ميلتون فريدمان وآخرون: "بدافع الشَّرَه وحسب". أنت تقوم بالأمور لصالحك، من أجل ثرائك، ولا شيء غير ذلك. إنها كارثة متصلبة. سبق أن ضربنا أمثلة كثيرة على ذلك، وليس عليّ استعراضها. لذا، في البداية، يأتي إخفاق السوق. ثم تأتي الضربة الإضافية من مطرقة الرأسمالية المتوحشة، النيوليبرالية، التي طالما عانينا منها على مستوى العالم، منذ 40 سنة، وتتخطى أجهزة التنفس.

  • المزيد من الدعم الحكومي [الأمريكي] للنفط الأحفوري، وتدمير قوانين وكالة الحماية البيئية التي يمكن أن تنقذ الناس لكنها تضر بالمصالح، كل هذا يحدث أمام أعيننا بصورة مستمرة، والسؤال: هل ستوجد قوة مضادة لذلك؟

المستشفيات في الولايات المتحدة يجب أن تُشغّل وفقاً لنموذج استثماري. وعليه، ليس لديها سعةٌ احتياطيةٌ. إنها لا تعمل حتى في الظروف العادية. يمكن لكثير من الناس، بمن فيهم أنا، أن يشهدوا على أن ذلك يحدث في أفضل المستشفيات. لكنها طبيعة الأعمال. ومع ذلك، إذا حدث شيء ما خطأ، فأنت هالك. يمكن لذلك أن يكون مقبولاً في صناعة السيارات مثلاً؛ لكن ليس في قطاع الرعاية الصحية. نظام الرعاية الصحية خاصتنا، إجمالاً، فضيحة دولية. ونموذج إدارة الأعمال يجعل منه، بالطبع، كارثة متصلبة؛ ولذلك يوجد كل هذا.

وبعض الأمور الأخرى التي حدثت باستمرار، تبدو سريالية جداً بحيث لا يمكن مناقشتها. كان لدى الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) برنامج- برنامج ناجح للغاية- للكشف عن الفيروسات الموجودة في قطعان الحيوانات، القطعان البرّيّة التي تغدو أكثر قرباً من البشر بسبب تدمير بيئتها الطبيعية والاحترار العالمي. هكذا كانوا يتعرفون على آلاف الفيروسات المرضية الكامنة، كانوا يعملون في الصين أيضاً. قام ترامب بحلّ ذلك البرنامج. في البداية قطع تمويله، ثم بعد ذلك قام بحلّه بتوقيت شديد الحساسية في أكتوبر [2019].

  • نظام العبودية الأكثر خبثاً في التاريخ الإنساني، هو الأساس، الجزء الأكبر من الأساس الذي قام عليه ازدهار الولايات المتحدة الأمريكية

بإمكاني الاستمرار أكثر وأكثر. هذه هي الصورة التي تحصل عليها: مجموعة من الساديين المعتلين اجتماعياً في البيت الأبيض، يكثفون إخفاقات عميقة في السوق التي تتراجع إلى الوراء أكثر فأكثر. والآن يكثفون ذلك إلى حدّ أبعد. الأغنياء لا ينتظرون رؤية كيف سَيُبنى العالم القادم؛ فهم يعملون على ذلك في الوقت الراهن، ويتأكدون من أنه سيظهر بالطريقة الصحيحة. المزيد من الدعم الحكومي للنفط الأحفوري، وتدمير قوانين وكالة الحماية البيئية التي يمكن أن تنقذ الناس لكنها تضر بالمصالح، كل هذا يحدث أمام أعيننا بصورة مستمرة، والسؤال: هل ستوجد قوة مضادة لذلك؟ إذا لم توجد...!

  • قبل أن نتطرق لنقاش إمكانية نشوء حركات شعبية وكيف يمكنها أن تناهض هذا، يبدو النقاش حول إخفاقات الأسواق، متربطاً كذلك، بإرث من العنصرية المؤسساتية في الولايات المتحدة، ونحن نرى هذا يتمثل في التأثير غير المتناسب الذي يحدثه فيروس كورونا في مجتمعات السود. بنظرك، كيف علينا أن نفهم هذا؟

- بإمكاننا فهم ذلك بالعودة أربعة قرون إلى الوراء، عندما جُلبت أول دفعة من العبيد. لا أريد أن أضطر للخوض في التاريخ بأكمله، لكن نظام العبودية الأكثر خبثاً في التاريخ الإنساني، هو الأساس، الجزء الأكبر من الأساس الذي قام عليه ازدهار الولايات المتحدة الأمريكية.

كان القُطنُ نفطَ القرنين الثامن والتاسع عشر. كان من الضروري الحصول على قُطنٍ رخيص. أنت لا تحصل على ذلك وفقاً للقواعد التي يدرّسوك إياها في قسم الاقتصاد؛ بل باستغلالٍ خبيثٍ ووحشيٍّ للعبيد.هذا ما وضع أسس الصناعة: صناعة النسيج، التمويل، التجارة، بيع التجزئة.من الواضح أن ذلك ما كان يجري فعله باستمرار خلال معظم سنوات القرن التاسع عشر. حسناً، أخيراً أُلغيَ نظامُ الرِّق رسمياً لقرابة عشر سنوات خلال فترة إعادة الإعمار. وبعد ذلك، كان ثمة اتفاق مع الجنوب يتيح له العودة تماماً إلى الوضع الذي كان عليه سابقاً. يمكنك أن تجد ذلك في واحد من أفضل الكتب التي تناولت هذا الموضوع، بعنوان: "العبودية بمسمّى آخر". معايير اتُّخِذَت بشكلٍ أساسي، لتجريم السكان السود؛ كان وقوف الشخص الأسود في ركن الشارع يؤدي إلى تغريمه، بدعوى التشرد. لا يستطيع دفع الغرامة. حسناً! عليك أن تذهب إلى مجموعة الأعمال الشاقة في السجن.[1]

والنتيجة النهائية لذلك، كانت هذه الثورة الصناعية الهائلة في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، والتي تم البناء عليها بشكل كبير، بحيث لم يُطلق عليها عبودية، وإنما ملكية الولاية لقاطنيها السود. إنها أفضل بكثير من العبودية! إذا كان لديك عبيد فعليك إبقاؤهم أحياء. حسنا، وإذا وضعتهم في السجن فعلى الحكومة إبقاؤهم أحياء. ستحصل عليهم بمجرد أن تكون بحاجة إليهم، دونما سؤال عن أمور، كنقص الانضباط والاحتجاج وخلافه. استمر الأمر على هذا النحو، تقريباً حتى الحرب العالمية الثانية. عند تلك النقطة: كان هناك وظائف، وكان على الناس أن يعملوا.

ثم تأتي بعد ذلك أشكالٌ جديدةٌ من العبودية الإجبارية؛ فإلى أواخر ستينات القرن العشرين، كانت قوانين الإسكان الفيدرالية تشترط الفصل العنصري. كان كثيرٌ من المساكن العامة مدعوماً منذ الخمسينيات، مثل "ليفيت تاون" وغيرها؛ لكنها كانت للبيض فقط، دون السود. أعضاء مجلس الشيوخ الليبراليون صوتوا لصالح ذلك القرار. كانوا يكرهونه؛ لكنهم صوتوا لصالحه لأنه كان السبيل الوحيد لتمرير قانونٍ للمساكن العامة، من أي نوعٍ كان.

حتى ستينات القرن العشرين، كان لدى الولايات المتحدة قوانينُ مناهضةٌ لاختلاط الأعراق؛ كانت من الشدة بحيث أن النازيين أنفسهم رفضوا القبول بها. وقد اتخذت تلك القوانين، بعد ذلك، أشكالاً أخرى. المحكمة العليا، فعلت بالضبط، وبشكل أساسي، الشيء الذي سبق للحكومة وأن أعادت القيام به في نهاية فترة إعادة الإعمار؛ أخبرت الولايات الجنوبية أن بإمكانها فعل أي شيء تريده. لقد ألغوا قانون حقوق التصويت. فـقامت تلك الولايات بـ"عَنصَرة" القانون المتعلق بحق التصويت. لقد رأينا شيئاً من هذا القبيل، منذ يومين فقط، في ويسكونسن. شيءٌ لا يصدق. إذا أردت مشاهدة الديمقراطية التي تحطمت ببساطة، ألقِ نظرةً على ما حدث في ويسكونسن قبل يومين. [أي في 8 أبريل/ نيسان 2020]

أراد الحاكم، بعقلانيةٍ، وهو حاكم ديمقراطي، أراد تأخير الانتخابات الأولية وتمديد الاقتراع للمتغيبين. أقصد، لا شيءَ يحمل مغزىً أكثر مطابقةً من ذلك. فهناك هيئةٌ تشريعيةٌ بهيمنةٍ جمهوريةٍ، لديها أقليةٌ صغيرة من الأصوات؛ ولكنها بفضل تقسيم الدوائر الانتخابية، الذي يعرف بـ"الجريماندرينج"([2])، تمتلك العدد الأكبر من مقاعد الهيئة التشريعية. قام الجمهوريون بالدعوة إلى عقد جلسةٍ، ولا أظنهم انزعجوا حتى من فكرة وضع أنفسهم بموقفٍ محرجٍ وغير لائق. زعيم الأغلبية دعا لعقد الجلسة ببساطة وأغلقها. لم يعطوا اعتباراً لمقترح الحاكم، مدعوماً من المحكمة العليا.

جرى تصميم ذلك، للالتفاف على القوة الانتخابية للأقليات الكادحة؛ أولئك الذين لا يصِلُون بسهولةٍ إلى صناديق الاقتراع، ومعظمهم ديمقراطيون، والتأكد من أنهم لن يصوتوا.

أما الأغنياء، القاعدة التقليدية لمن قام بتصميم كل ذلك، فسيصوتون بالتأكيد.إنه نهجٌ مفتوحٌ، وغير مستترٍ حتى، في محاولاتتلبية وتأمين ما يريده الشعب [بصورةٍ شكليةٍ]، طالما السياسات الأكثر رجعيةً ستستمر على الدوام.

ميتش ماكونيل، (زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ الأمريكي)، هو العبقري الشرير الذي يقف خلف ذلك، وقام به بشكل رائع. تأكدْ [والخطاب موجهٌ إلى المُحاور] بأن سلك القضاء متخمٌ بالشباب قليلي الخبرة، معظمهم غيرُ مؤهل، وأنَّ القُضاة شديدو الرجعية. هذا يضمن لهم القدرة على قتل أي شيءٍ يريده البلد في المستقبل. تماماً مثل محكمة روبيرتس([3])؛ حيث الأغلبيةُ قادرةٌ على فعل ذلك الآن.

  يعْرف الجمهوريون بأنهم حزبُ أقليةٍ. لا سبيل أمامهم لنيل الأصوات بناءً على برامجهم الفعلية. لذلك، نجد أن ظهورهم العلني يتكئ على سياسة المطالب المتعلقة بما يسمونه "قضايا ثقافية" – الحق بحيازة السلاح، الإجهاض، وغير ذلك- وليس على سياساتهم الفعلية التي تزيد جيوب الأغنياء امتلاءً. تلك هي سياسة [الجمهوريين] الفعلية. ترامب عبقريٌّ في هذا المجال بشكلٍ يثير الإعجاب. إذ يلوِّح بإحدى يديه قائلاً: "أنا منقذكم. إنني أكدّ من أجل العامل الفقير"، وبيده الأخرى يطعنه في الظهر. إن لديه جاذبيةً أخَّاذة! وهو بلا شك أنجح رجلٍ مخادعٍ في التاريخ الأمريكي على الإطلاق.

  • يتنافس بولسونارو وترامب لمعرفة أيهما يستطيع أن يكون المجرم الأكثر سوءاً على مستوى العالم. بإمكان ترامب هزيمته بسهولة بسبب قوة الولايات المتحدة، لكن السياسات ليست مختلفة كثيراً، وهذا لا يؤذي البرازيل فحسب، بل يؤذي العالم بأكمله

  أفترض أنها ستنفجر في وقت ما، لكنها حتى الآن لا تزال باقية. إنهم يحاولون بشدة، تفكيك كل عناصر الديمقراطية المتوفرة. ولدينا نماذجُ مشابهةٌ في أماكن أخرى. رئيس الوزراء فيكتور أوربان، في المَجَر، يقوم بالشيء نفسه، وهو أحد كبار أصدقائهم. في الحقيقة، من المثير للاهتمام، تلك الصعوبة الطريفة في التعرفَ على أية استراتيجيةٍ جيوسياسيةٍ متسقة في فوضى البيت الأبيض. إنما، لدينا واحدةٌ منها، تتجلى بوضوحٍ ملحوظ: تشكيل دولي من أكثر الدول رجعية في العالم، وبالتالي، لنعتبر هذا أساسَ نفوذ الولايات المتحدة.

لدينا الرئيس عبدالفتاح السيسي في مصر، المستبد الأسوأ في التاريخ المصري؛ دكتاتورية العائلة في العربية السعودية، على وجه الخصوص (MBS) (ولي العهد محمد بن سلمان آل سعود) القاتل الأكبر. إسرائيل، التي تمضي في طريقها إلى النزوع اليميني، هي الآن في المركز من هذا كله. العلاقات التي كانت ضمنية بين إسرائيل والدول العربية في السابق، صارت الآن مفتوحةً. مودي في الهند [رئيس الوزراء، ناريندرا مودي]، ما يفعله، ببساطة، لا يوصف. منح [المواطنين] مهلة أربع ساعات فقط، قبل سريان الإغلاق الكامل. معظم سكان الهند عمال غير رسميين. ليس لديهم مكان يذهبون إليه. ليس بإمكانهم البقاء في منازلهم. ليس لديهم منازل. إنهم يتجولون على الطرق السريعة، ربما على بعد ألف ميل من قرية في مكان ما، ويموتون على الطريق. من المستحيل تخيل ما يمكن أن يتسبب به مثل هذا الأمر. لكن بما أنهم فقراء للغاية وعدد منهم مسلمون، من يعنيه ما سيحدث لهم؟ لذلك، فهو [مودي] جزء كبير من هذه الرجعية الدولية. الرجال اللطفاء مثل أوربان في المجر ومن على شاكلته. إنهم يحبونهم.

  سالفيني في إيطاليا [نائب رئيس الوزراء السابق ماتيو سالفيني]، واحدٌ من أسوأ رجال العصابات الموجودة. أما في غرب نصف الكرة الجنوبي، فالمندوب الرئيسي هو بولسونارو في البرازيل [الرئيس الحالي للبرازيل جايير بولسونارو]؛ الذي يتنافس وترامب لمعرفة أيهما يستطيع أن يكون المجرم الأكثر سوءاً على مستوى العالم. بإمكان ترامب هزيمته بسهولة بسبب قوة الولايات المتحدة، لكن السياسات ليست مختلفة كثيراً، وهذا لا يؤذي البرازيل فحسب، بل يؤذي العالم بأكمله. التنبؤات الحالية في المجلات العلمية المتخصصة، تقول إن الأمازون سوف تتحول، في غضون 15 سنة، من كونها مغسلة صافية للكربون إلى باعث صرف لغاز ثاني أوكسيد الكربون. هذه كارثة. وكلها نتيجةَ الهدايا المتزايدة التي يقدمها بولسونارو إلى صناعة التعدين، وتجارة المحاصيل، وجميع أصدقائه. هنالك، إذن، رجال يحاولون تشكيل العالم القادم. إنهم يعملون بجدّ؛ دائماً يفعلون ذلك. حربهم الفئوية المتصلبة لا تتوقف أبداً، وإذا سُمح لهم بالانتصار، فسوف تكون النهاية بالنسبة لنا.

  • نشر الحوار في موقع "لابور نوتس" الأمريكي، على الرابط:

https://labornotes.org/2020/04/interview-noam-chomsky-how-bosses-are-making-coronavirus-worse-their-benefit

__________________________________

[1] مجموعة الأشغال الشاقة أو حسب المصطلح في الأصل (Chain gangs)، وهم مجموعة من السجناء من ذوي الجُنح، وهم من السود، يتم تقييدهم بسلسلة واحدة طويلة، ويتم تأجيرهم للعمل كنوع من العقوبة، في أشغال شاقة كتنظيف الأراضي وإصلاح المباني وتعبيد الطرقات. ويشير تشومسكي إلى أن هذا النظام كان احتيالاً على إلغاء قانون العبيد في ولايات الجنوب الأمريكي. لمعرفة تفاصيل المصطلح على الرابط: https://en.wikipedia.org/wiki/Chain_gang  [المترجمان]

[2]  نسبة إلى الحاكم الجمهوري لولاية ماساسوتش، جيري ماندرينج الذي ابتدع في سنة 1812، حيلة تقسيم الدوائر الانتخابية بطريقةٍ تُشتِّت التكتلَ السكاني للسود، بما لا يسمح لهم بتشكيل قوةٍ مؤثرةٍ في التصويت، على الرغم من تعدادهم الكبير. فقام بتقسم المقاطعات الانتخابية واتخاذ إجراءاتٍ إقصائيةٍ بما يخدم مصالح حزبه (الجمهوري)، وخصوصاً ضد المواطنين السود.وبالتالي، فإن اختيار المواطن الأمريكي عدم التصويت، مهما كان عذره وجيهاً، قد تمتد عواقبه إلى تعطيل حقه الدستوري في التصويت من خلال الإجراء الذي يُعرف بتطهير الناخبين، وهو ما يكلفه القيام بإعادة تسجيلٍ في حال أراد التصويت مجدداً؛ الأمر الذي يتسبب في إقصاء الكثيرين من المشاركة، وغالبيتهم من الأقليات الكادحة. المترجمان].

[3] يقصد المحكمة العليا الأمريكية التي يرأسها جون روبيرتس. وللمحكمة العليا موقفٌ متشددٌ من تسهيل الاقتراع الغيابي كالذي اقترحه حاكم ويسكونسن. كما سبق لها التأكيد، في مراتٍ سابقةٍ، على حق الولايات في اتخاذ إجراءات التطهير الانتخابي- المترجمان].

•••
قسم الترجمات

إقـــراء المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English