تقاليد رمضانية في حضرموت

"الختومات".. عادةُ فَرَحٍ تأبى الاندثار
محمد سليمان
May 16, 2020

تقاليد رمضانية في حضرموت

"الختومات".. عادةُ فَرَحٍ تأبى الاندثار
محمد سليمان
May 16, 2020

كثيرةٌ هي العادات والتقاليد التي توارثتها الأجيال في شهر رمضان المبارك، ومازال أهالي محافظة حضرموت يمارسونها إلى اليوم.

  ومن هذه العادات والتقاليد، "الختوماتُ" الرمضانية، التي نشأتْ في الأصل كعادةٍ دينيةٍ، كما يقول المهتم بالتراث الاجتماعي والديني، الأستاذ غالب الهدار، في حديثه لمنصة "خيوط"، موضحاً: "فلأن شهر رمضان هو شهر القرآن، يعكف أحد المكلفين، منذ بداية الشهر، على تلاوته وسط المسجد الذي يقام فيه الخَتْم، في ليلةٍ محددةٍ ثابتةٍ من كل عام؛ على أن يقوم هذا الشخص بختم المصحف في نفس يوم الختم".

   وعن المراسيم التي يتم فيها الختم، يقول الهدار: "في يوم الختم، والذي يصادف بالضرورة ليلة وِتْرِيّة. يجتمع عددٌ من مرتادي المسجد للقراءة الجماعية، بدايةً من أواخر جزء عمَّ، وتحديداً من سورة الضحى إلى نهاية المصحف، ثم قراءة أولى آيات سورة البقرة، وبعدها تُقرأ الأدعية الخاصة بختم القرآن، وكذا تُنشد بعضُ الموشحات الدينية، وغالباً ما تكون هذه الموشحات مدحاً للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، أو موشحات وعظية بليغة".

ومن الموشحات الدينية التي يتم إنشادها في "الختومات" في مدح النبي:

ضلوعي على حبِّ الحبيب طَوَيْتُها               وآياتُ مجدٍ في عُلاه تَلَوْتُها

فقلتُ لكم لمّا عليكم جَلَوْتُها                       غِذاءُ نفوسِ المؤمنين وَقُوتُها

   وتبدأ "الختومات"، في العادة، من الليلة السابعة في شهر رمضان، وتكون في الليالي الوِتْرية.

التشاهير

   ولا تخلو "الختومات" من تمتين الترابط الاجتماعي الذي تتميز به حضرموت، واليمن على وجه العموم. ومن هذه العادات، "التشاهير"؛ حيث يقوم جيران المسجد، الذي يقام فيه الختم، بدعوة معارفهم من المناطق الأخرى، لحضور الختم وتناول وجبة الإفطار والعشاء و"المشاهرة". و"التشهير"، هو أن يتزاور الأقرباء خلال هذه الأيام لتبادل المباركة والتهاني بحلول الشهر الفضيل. وخلال التشهير، كانت قديماً تقوم النساء بعمل "الترازيح"، وفيها تُردد النساء بعض الأهازيج الشعبية القديمة.

   تقول الحاجة نور سعيد: "تقف النساء في دوائرَ معينةٍ، في حَوْش المنزل الذي يقام فيه التشهير مساءً، والهتاف بأهازيجَ معينةٍ، مع ضرب الأقدام على الأرض. وعلى سبيل المثال، إذا كان في البيت عروسٌ جديدةٌ، تردد النسوة بصوتٍ واحد:

يا عروس اندري با نشوفش             يا عروس بانقلّس قلوسش

يا عروس البسي عصابة                        يا عروس يومش حبابة

يا عروس بيعي حقاش                  يا عروس على حباش

يا عروس بيعي قراطش                 يا عروس على خواتش

وإلى غير ذلك من الأهازيج".

يخرج الأطفال في مسيرةٍ يجوبون خلالها المنازل في الحي، وعادةً ما يختارون المنازل التي يكون فيها حدثٌ جديد.

فرحة الأطفال

    ترافق ليلة الختم فعالياتٌ وطقوسٌ مختلفةٌ، فتجد جميع جيران المسجد يزيّنون أولادهم الصغار ويُلبسونهم الثياب الجديدة للخروج عصراً إلى البُسُط التي تباع فيها الحلويات والألعاب، فيشترون "المَصَر"، كما يقول الأستاذ غالب الهدار. و"المصر"، هو ما يشتريه الأطفال من بساط الختم، من حلوياتٍ وفصوصٍ وألعابٍ، ويجمعونه في كيسٍ أو حقيبةٍ صغيرةٍ، ويتباهى به الأطفال في البيوت. بالإضافة إلى خروجهم للشراء من البُسط، يقومون بمراسيم طقس "الختامي"؛ حيث يخرج الأطفال في مسيرةٍ يجوبون خلالها المنازل في الحي. وعادةً ما يختارون المنازل التي يكون فيها حدثٌ جديد. فالبيت الذي فيه مولودٌ جديدٌ، مثلاً، أو عروسٌ جاءت إلى بيتٍ ما، أو مسافرٌ جاء من الخارج... الخ، يُقيمون له/لها "ختامي"، فيوزع رب البيت ما تيسّر للأطفال، كالحلوى أو الحنظل أو الفشار. وتُعرف عادةُ "الختامي"، في أماكن أخرى، بـ"الوريقة".

   وفي "الختامي"، يجتمع الأطفال، منتصفَ العصر، في مكانٍ محددٍ، وينطلقون إلى البيوت التي بها مناسباتٌ ويرددون أهازيج، منها:

يا حبيب هاتوا حقنا             يا حبيب لي من ربنا

    حتى إذا وصلوا البيت الأول، يقولون بصوت عالٍ، مرتين أو ثلاثاً: "شي ولا ما شي؟" (أي: هل يوجد ما تعطونا، أم لا؟)، فيأتيهم الجواب. فإذا كان لديهم ما يعطونهم، تُفتح لهم الأبواب ويدخلون البيت، وهنا يُعلِمهم أهل البيت بالمناسبة التي يريدون "التختيم" لها، وقد تكون أكثرَ من مناسبة. أما إذا كان الرد بـ"ما شي" (أي لا يوجد)، يقولون لهم: "طاق طاق، طلقناكم بالمخدة والطلاق!"، ويذهب الأطفال لاستكمال جولتهم على بقية المنازل. وفي حالات الإيجاب، كأن يكون "التختيم"، المطلوب من الأطفال ترديده، بمناسبة المولود الجديد، يرددون الأهازيج والشعارات، فيقولون للمولود الجديد:

سالِمْ سلم لامه          ريح المسك في كُمه

وللمولود الذي يريدون قدوم أخيه الجديد يقولون:

سالم سلم لأبوه         وامه تجيب أخوه

وللطفل الذي بدأ لتوه بالمشي، يقولون:

سالم كُبر وسار         سالم شقح لعبار

أما الذي تعلّم وختم قراءة القرآن الكريم، فيهتف الأطفال له بالقول:

سالمْ ختم قرآنه         سالم كبير إخوانه

والذي يريد الزواج يقولون له:

سالمْ بغينا له مَرَة               لي وجهها كما المنظرة

 سالم بغِينا له عروس          لي وجهها كما الفانوس

وغيرها من الأهازيج المختلفة التي تتناسب مع المناسبة.

أسواقٌ شعبية

   في الآونة الأخيرة، تزايدت الحركة الاقتصادية خلال أيام "الختائم"، فبالإضافة إلى بُسُاط بيع الحلويات والألعاب التي تنتشر عصراً، تمتلئ، بعد صلاة التراويح، ساحات المسجد الخارجية والشوارع الجانبية بالأسواق الشعبية المخصصة للنساء، والتي تباع فيها الملابس والأدوات المنزلية وغيرها، وتستمر هذه الأسواق إلى ساعاتٍ متأخرةٍ من الليل. وهذه تمثل مواسمَ مربحةً لأصحاب البُسُط ومحلات بيع الملابس.

   هكذا هي حضرموت واليمن، مليئة بالعادات والتقاليد الاجتماعية التي تُعزِّز الترابط الاجتماعي بين أبنائها، وتؤسس لقاعدةٍ اجتماعيةٍ متينةٍ بالمحبة والوئام.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English