قصص من مآسي الحرب في الوازعية

حيث للنسيان ضررُهُ الفادح على فرص الحياة
محيي الدين فضيل
May 10, 2020

قصص من مآسي الحرب في الوازعية

حيث للنسيان ضررُهُ الفادح على فرص الحياة
محيي الدين فضيل
May 10, 2020
|

   يتذكر الفتى بدر أحمد عبد الله (16 سنةً) فقدانَه لأمه في أبريل/نيسان 2016. لقد شاهد أشلاءها، التي جمعها مع الأهالي من منحدرات الشعاب في قريتهم "الشقيراء"، بمديرية الوازعية (جنوب غرب تعز).

    لم تكن حينها أم بدر في موقع اشتباكات؛ لكنها كانت مهمومةً بتجهيز وجبة إفطارٍ لأولادها في ذلك الصباح، قبل أن تحرمهم قذيفةٌ مدفعيةٌ من الإفطار، ومن أُمِّهم إلى الأبد. بحسب مصادر محلية، فإن مصدر القذيفة كان من جهة جبال "الردف" (شمال)، التي كانت حينها تحت سيطرة مقاتلي جماعة أنصار الله (الحوثيين).

   حالياً، يعيش بدر وإخوته الأربعة مع جدتهم، في غرفةٍ واحدةٍ وفناءٍ صغيرٍ، بالكاد يحجب جدارُه القصيرُ أنظار المارّة. يعيشون بلا أمٍّ، بلا منزلٍ، بلا أمانٍ، إلا من بريق أملٍ طفوليٍّ، عادةً ما تتركه الفواجعُ في عيون الأطفال.

   يقول بدر لـ"خيوط" إن أمه تركت فراغاً كبيراً ، وصار حِملُه ثقيلاً، خصوصاً في ظل عدم وجود منزلٍ يضم أشقاءه الثلاثة وشقيقتهم الوحيدة. ولأنه أكبرهم، فقد اضطر للعمل بأجرٍ يوميٍّ من أجل الإنفاق عليهم، كما أنه يحلم بإعادة بناء ما تهدم من منزلهم.

في مرمى قذائف أنصار الله (الحوثيين)

   على مدى عامين ونصف العام، تعرضت مديرية الوازعية لموجة نزوحٍ كبيرةٍ، بعد سيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين) عليها مرتين؛ الأولى في أكتوبر/تشرين أول 2015، استمرت شهراً ونصف الشهر فقط، والثانية في إبريل/نيسان 2016، واستمرت حتى مايو/أيار 2017، حيث سيطرت عليها قواتٌ مواليةٌ للحكومة المعترف بها دولياً.

   لم توثَّق معظمُ وقائع القصف في مناطق وقرى الوازعية، لكونها مناطقَ نائيةً؛ غير أن عشرات الضحايا من المدنيين سقطوا في فترات القتال بين الطرفين.

  عندما استولت القوات الموالية للحكومة المعترف بها دولياً على مركز مديرية الوازعية، طالتْها قذائفُ قوات أنصار الله (الحوثيين). خليل الوازعي (45 سنةً) وشقيقته أصيبا بشظايا واحدةٍ من تلك القذائف، التي كانت تنهال بكثافةٍ على مركز المديرية مساء الـ17 من مارس/آذار 2016. صعد خليل إلى سقف منزله مع شقيقته، فباغتتهما قذيفةٌ أفقدتْه رِجْلَه، فيما فقدَتْ أختُه أيضاً رِجْلَها وإحدى عينيها.

   كان خليل يعمل في بيع المواشي قبل الحرب. وعندما اندلعتْ، نزح إلى عدن لمدة ثمانية أشهر، ثم نزح مرةً أخرى إلى مديرية مَقْبَنة (غرب مدينة تعز) لمدة سنةٍ ونصف السنة، قبل أن يعود إلى مسقط رأسه (الشقيراء) سأماً من التشرد ومذلّة النزوح. غير أن قدَرَه كان في انتظاره؛ يعيش خليل الآن برجلٍ واحدةٍ، ولم يعد قادراً على ممارسة العمل الذي قال لـ"خيوط" إنه اعتاد أن يكسب عَيْشَه منه لسنواتٍ طويلة.

التفحم بغارات التحالف

   لا تقتصر المآسي التي خلفتها الحرب في الوازعية على قذائف أنصار الله (الحوثيين)؛ فغارات طيران "التحالف العربي"، الذي تقوده السعودية والإمارات، سطّرت فصولاً أخرى من تلك المآسي.

أُجريت للشاب حسين جيلح عمليتان جراحيتان في رجله المصابة. تمكن الأطباء من استخراج شظايا من رجله، لكنه ما يزال يعاني من الآلام التي أعاقت حركته وأوقفته عن الدراسة وممارسة حياته المعتادة.

بقايا سيارة ضربها الطيران - الوازعية

   يتذكر حسين جيلح (24 سنةً)، وهو شابٌّ كان يدرس في الصف الثالث الثانوي، ما حدث له وعددٍ من أفراد أسرته في أول جمعةٍ من رجب، قبل أربع سنوات. ذات صباح من شهر أبريل/نيسان 2016، استهدفت غارةٌ لطيران "التحالف العربي" سيارةَ عمه، جميل جيلح، في قرية "الرقة"، شرق الوازعية. كان على متن سيارة الـ"بيك أب" (شاص) 11 شخصاً، بمن فيهم طفلتان. كانوا عائدين إلى منازلهم لجلب بقية أغراضهم، بعد أن قرروا النزوح من قرية "الظريفة" إلى منطقة "حنّة" في نفس المديرية. عندما أصاب الصاروخ السيارة، تناثر الرُّكّابُ في الشعاب المحيطة بالطريق الريفي، فيما تضررت المنازل القريبة من الطريق في قرية "الرقّة".

    ويضيف حسين لـ"خيوط": "تفحمت جثة عمي جميل جيلح سائق السيارة كلياً، وتوفي ثلاثةٌ آخرون، فيما شاءت الأقدار أن أنجو وابنتا عمي، إشراق ومروى (8 و4 سنوات)، اللتان كانتا بجواره". أصيبت الأولى بشظيةٍ في ساقها، والثانية بشظيةٍ في رأسها. وعلى إثر ذلك، تم إسعاف حسين مع الطفلتين، وثلاثة مصابين آخرين، إلى مستشفى البَرْح، قبل أن يُنقلوا إلى الحديدة للعلاج في مستشفى الثورة والمستشفى العسكري.

"رأيتُ الموت أمامي، ودخلتُ في غيبوبة قصيرة، أفقتُ بعدها على صراخ أهالي القرية، ومشهد الدماء التي تسيل من رجلي اليمنى، غيرَ قادرٍ على الحركة"، يستطرد حسين، واصفاً تفاصيل الوقعة بألمٍ بالغٍ؛ بينما كان صراخُ الأهالي مازال يتردد: "الطيران ضرب أسرة جيلح". إسعاف الضحايا تأخرَ قرابةَ نصفِ ساعة، نتيجة استمرار تحليق الطيران، ولم يكن سهلاً على الأهالي المجازَفة بإسعافهم؛ خاصة أن الطائرة قذفت صاروخاً ثانياً في نفس المنطقة.

الألم وتحمُّل تكاليفه

    أُجريت للشاب حسين جيلح عمليتان جراحيتان في رجله المصابة. تمكن الأطباء من استخراج شظايا من رجله؛ لكنه ما يزال يعاني من الآلام التي أعاقت حركته وأوقفته عن الدراسة وممارسة حياته المعتادة.

تحملت عائلة حسين جميع نفقات معالجته؛ فيما لا يزال يحتاج إلى عمليةٍ ثالثةٍ لكي تتحسن حالته. "قدمنا طلباً للتعويض من التحالف العربي، لكن لم يستجب أحد لمطالبتنا"، قال حسين.

   الحاج علي المشولي (70 سنةً)، كان بجانب خلايا النحل الخاصة به، بالقرب من مكان الغارة الجوية التي استهدفت سيارة جيلح، يقول لـ"خيوط" إنه سقط أرضاً وبقي لدقائق غيرَ قادرٍ على استيعاب صدمة الانفجار، كما لو أنه في غيبوبة. بعدها، هرع مع بعض الأهالي لمحاولة إخراج العالقين داخل السيارة التي كانت لا تزال تحترق. لم يتمكنوا من إخراج أحدٍ، غير لملمةِ بعض من قذفتْ بهم قوةُ الانفجار خارج السيارة؛ لكن أحداً لم يتمكن من إسعاف المصابين على الفور، بسبب استمرار تحليق الطيران.

  عندما عاد الحاج المشولي إلى خلايا نحله، وجدها محطمة،30 خليةً مليئةً بالنحل تحطمت على إثر الانفجار، وكان ذلك مصدرَ دخلِه الوحيد. لاحقاً، عانى الرجل السبعيني من آلام في العمود الفقري، وفقدَ السمعَ في أذنه اليسرى. ورغم تردده على المستشفيات للعلاج، إلا أن المشولي لا يزال يعاني من الآلام ذاتها في ظهره، كما لم يسمع مرةً أخرى بأذنه اليسرى.

•••
محيي الدين فضيل

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English