سيناريو النعامة أو الفعل المسؤول

في الإجراءات التي تترتب عليها نتائج مواجهة كورونا
د. عبدالكريم دماج
April 3, 2020

سيناريو النعامة أو الفعل المسؤول

في الإجراءات التي تترتب عليها نتائج مواجهة كورونا
د. عبدالكريم دماج
April 3, 2020

  تم نشرُ دراساتٍ علميةٍ عديدةٍ من قبل مراكزَ بحثيةٍ وأقسامٍ سريرية متخصصةٍ، وخبراء وأطباء متخصصين في علوم الأوبئة والكائنات الدقيقة (الفيروسات) في بلدان ومقاطعات ومستشفيات تفشي وباءCOVID 19 ، الذي انتشر بسرعةٍ مخيفةٍ وفي زمنٍ قياسيٍّ ليصبح جائحةً عالميةً. توصلت هذه الدراساتُ بالمجمل إلى تقييم هذه الجائحة بأنها واحدةٌ من أخطر الأوبئة التي تعرضت وتتعرض لها البشرية، ووضعت قواعدَ وإرشاداتٍ علميةً دقيقةً حاسمةً تكفُل، في حال تطبيقها، الحدَّ من الانتشار المريع للوباء ومحاصرته؛ في اتجاه القضاء على موجته الكارثية الحالية.

   هذه الإرشادات صالحةٌ لكل البلدان والمجتمعات، وهي بمجملها تمثل الحقيقة العلمية الوحيدة المتاحة حتى اللحظة. ليس فيها طلاسمُ ولا أحجياتُ ولا أوهامُ مقتضيات الصراعات العسكرية والسياسية والإعلامية البائسة والهوجاء، ولا التهريجُ النرجسيُّ المرضيُّ لعديمي الأخلاق، من بعض الأطباء الأدعياء؛ ناهيك عن مروجي الوهم والخرافة، لكنها حقائق العلم والممارسة المهنية الأخلاقية والبطولية في ميدان مواجهة هذا الموت .

اثنان من السيناريوهات لا ثالث لهما :

سيناريو النعامة المتعمَّد: ستدفن معه السلطات، القائمة على طول وعرض الوطن، رأسها في وحل الهروب من المسؤولية، وستكتفي بالصخب الإعلامي وبعض الإجراءات غير الكافية البتة. وستترك، وهي منهمكة ومنهكة في حروبها المدمرة، تهديدَ وصول هذا الوباء القاتل -إن لم يكن قد وصل- ليكون ماحقاً ومميتاً.

   نعي تماماً ما نحن عليه من حربٍ جائحيةٍ هي الأخرى صادرت كل شيءٍ في حياتنا، ومدى شحة إمكانياتنا المنهوبة بالفساد الطاغي؛ ولكن بالمتاح الواقعي يُمكن عملُ الشيء الكثير والمؤثر. إذا استمر هذا السيناريو، فمسمى الكارثة سيكون بعيداً عن توصيف ما سيحصل.

   تأملوا بما بقي من بصيرة وضمائر ما حصل في الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ودولة نافذة متحكمة قوية ومقتدرة، تأملوا ما يحصل في إيطاليا وإسبانيا وفرنسا والولايات المتحدة، وبقية العالم الذي لا يجوز موضوعياً أن نقارن أنفسنا بهم، وفقاً لأي مقياسٍ كان، وستدركون -إن أردتم- أي خطيئةٍ تُرتكَب، وأي إجرام يُمارَس، لن يفلت معه أبداً أحدٌ من عقاب السماء والأرض.

سيناريو الفعل الواجب والمسؤول:

   لا يحتاج هذا السيناريو وضع برنامجٍ لاكتشاف العجلة التي دارت منذ عقود طويلة. إليكم بعضاً من ذلك؛ وأساتذة وباحثو أقسام طب المجتمع والأمراض السارية والمعدية في كليات الطب معنيّون ابتداءً بذلك قبل الجميع :

  • الغلق المؤكد والكامل -وفقاً لقواعد مكافحة الأوبئة والحجر الصحي- لكل المنافذ البرية والبحرية، بعد إغلاق المنافذ الجوية ووضع كل الاحتياطات والإجراءات المانعة لاختراق هذا الغلق.
  • التطبيق الصارم لقواعد التباعد الاجتماعي، ومواصلة إغلاق أماكن التجمعات، ومراقبة تطبيق التوجيهات للضوابط في أماكن العمل العام والخاص ووسائل المواصلات الشعبية.
  • الاعتماد الصارم لقواعد الحجر الصحي في مناطق الاشتباه.

ليس كافياً، وربما غيرُ مُجْدٍ، تخصيصُ بعض المستشفيات الصغيرة، ضيقةِ الغُرف وغيرِ المجهزة، والتعويل عليها لمواجهة احتمال وصول الوباء، يتوجب تجهيز قاعاتٍ ومبانٍ كبيرة في أماكنَ متعددةٍ، وهي متوفرةٌ ومزودةٌ بوسائل التهوية والإضاءة

  • إذا كانت الحياة مهددةً بشكلٍ مباشرٍ، فكل ماعدا ذلك يمكن أن يؤجَّل أو حتى يُهمَل إلى حين؛ على هذا يمكن تجاوز شحة الإمكانيات بتخصيص الجزء الأكبر من الموارد، وعلى رأسها عائدات بيع النفط والغاز، والضرائب والجمارك، والتبرعات من التجار والأثرياء، وغيرها من الموارد لمكافحة الجائحة الوشيكة. ومن البديهي أن ذلك يأتي بعد تحييد، أو على الأقل، التجميد المؤقت لمنظومة الفساد المسيطرة والمتألقة في كل أرجاء الوطن .
  • طلب منظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر والبلدان القادرة على تقديم يد العون (الصين وروسيا واليابان وكوبا...) على المساعدة السريعة في توفير المستلزمات الصحية ذات الأولوية القصوى للوقاية من انتشار الوباء والتعامل مع مضاعفاته وأهمها:
  • العدد الكافي من الأقنعة الطبية (البلدان التي يتراوح تعداد سكانها حول الـ60 مليوناً من بلدان تفشي الوباء طلبت مليار قناع).
  • توفير أكبر قدر ممكن من أجهزة التنفس الاصطناعي.
  • توفير الكمية الكافية من المعقمات والمطهرات .
  • توفير أكبر كمية ممكنة من المحاليل والأجهزة، المعتمدة من قبل منظمة الصحة العالمية وبقية المؤسسات العالمية لتشخيص المصابين بالمرض، وتوزيعها بحسب خارطة الاحتمال لانتشار الوباء.
  • استقدام بعض الخبراء لوضع برامج الوقاية والمكافحة.
  • تصنيع واستيراد الأدوية المجازة للتخفيف من مضاعفات الإصابة بالمرض، بحسب رأي الخبراء والمراكز الطبية وبعض هيئات الأدوية والغذاء.

 ليس كافياً، وربما غيرُ مُجْدٍ، تخصيصُ بعض المستشفيات الصغيرة، ضيقةِ الغُرف وغيرِ المجهزة، والتعويل عليها لمواجهة احتمال وصول الوباء، والاتجاه عوضاً عن ذلك، أو إلى جانبه، لتجهيز قاعاتٍ ومبانٍ كبيرة في أماكنَ متعددةٍ، وهي متوفرةٌ ومزودةٌ بوسائل التهوية والإضاءة، وموقوفةٌ عن العمل في هذه الفترة، تضمن التباعد بين الأسرّة، وعمل حواجز ومداخلَ متعددةٍ في حال تجهيزها، وسيكون ذلك بكلفة ممكنة، أو إعادة تأهيل المباني والقاعات الكبرى التي دمرها القصف (في أمانة العاصمة مثلاً: قاعة إكسبو، فندق موفنبيك، وغيرهما).

  • تأمين وسائل الوقاية الكافية لطواقم العمل الصحي، العاملة في المستشفيات العامة والخاصة، والتي ستعمل في الميادين الأخرى لمواجهة الوباء لضمان الحفاظ على صحتها واستمرارها بالقيام بعملها.
  • اعتماد برنامج الإجراءات الاقتصادية الاستثنائية المتبعة في حالات الطوارئ، الكفيلة بخلق ولو الحد الأدنى من الاستقرار الغذائي والدوائي  .

وقبل كل شيء الاستجابة الفعلية والسريعة لنداء الأمين العام للأمم المتحدة بالوقف الفوري للحرب، وتوجيه ما ينفَقُ عليها من أرواحٍ وأموالٍ لمواجهة الجائحة الوشيكة .

قد يكون الأمر "لقد أسمعتَ إذ ناديت حياً"؛ ولكنها كلمة أو دمعة لا بد منها.

إقـــراء المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English