تجريف الأخلاق الصحفية

من الحرب على الصحفيين إلى الحرب على الصحافة
نبيل الأسيدي
March 18, 2020

تجريف الأخلاق الصحفية

من الحرب على الصحفيين إلى الحرب على الصحافة
نبيل الأسيدي
March 18, 2020

منذالعام 2015م، دخلت حرية الصحافة في اليمن مربعها الأشد سوداوية وقتامة؛ فبالتوازيمع سيطرتها على مؤسسات الدولة ومقدراتها، حرصت جماعة (الحوثيين) على إخضاع كل صوتلإرادتها أو إسكاته كليًّا، وقامت باقتحام مقرات وسائل الإعلام المحلية وإغلاقهاومصادرة أجهزتها أحيانًا، واعتقال العاملين فيها. ولا تزال عملية الاعتقال التعسفيلعشرة صحفيين، في يونيو 2015م، مستمرةً حتى اليوم؛ أكبرَ عملية اعتقال جماعي لصناعالرأي، وإن لحقتها عشرات الحالات المشابهة، بل وصلت في بعض الحالات إلى القتل،سواء من قبل (الحوثيين) أو التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات، لتتعرضالصحافة اليمنية لتسونامي قمع ومصادرة وتقييد وحجب وملاحقة لم تشهد له مثيلًا منقبل.

خلال العام الأول من الحرب المستمرة حتى الآن، تم قتل قرابة 13 صحفيًا ومصورًا، وهو رقم قياسي لم يسبق أن عرفت اليمن مثيلًا له، وتقاسم التحالف العربي بقيادة السعودية تهمة قتل هذا العدد مع جماعة الحوثيين.

مرتعملية الإعصار القمعي لحريات الصحافة بمراحل عدة منذ 2015م؛ حيث بدأت جماعة(الحوثيين) بالسيطرة على وسائل الإعلام الحكومي بالتوازي مع إغلاق ومصادرة الوسائلالإعلامية المستقلة أو الحزبية التي لا تتبع مباشرة الجماعة وحزب المؤتمر الشعبي بقيادةصالح يومها، قبل أن تصبح وسائل إعلام المؤتمر وصحفييه عرضة لقمع جماعة (الحوثيين)بعد فك عرى التحالف بين الطرفين مطلع ديسمبر 2017م.

خلالالعام الأول من الحرب المستمرة حتى الآن، تم قتل قرابة 13 صحفيًا ومصورًا، وهو رقمقياسي لم يسبق أن عرفت اليمن مثيلًا له، وتقاسم التحالف العربي، بقيادة السعودية والإمارات،تهمة قتل هذا العدد مع جماعة (الحوثيين)؛ فالصحفي كان هدفًا مشتركًا لخصمينيقتتلان على الأرض، ويقتلان كل شاهد على حقيقة ما يجري.

القتلالمباشر ليس الجريمة الوحيدة التي تعرض لها الصحفيون، فهناك 86 صحفيًا وإعلاميًاتعرضوا للخطف والاعتقال والملاحقة، وهو عدد يقترب من نصف إجمالي عدد من تعرضوا لهذهالانتهاكات طيلة سنوات الحرب الأربع، إضافة لحالات شروعٍ في القتل أو تهديدٍ بهالتي طالت 85 صحفيًا تقريبًا. إنها أرقام مرعبة إذا ما عرفنا أن شريحة الصحفيينالممارسين في اليمن واحدة من أقل الشرائح المهنية في البلاد.

شهدتمناطق سيطرة (الحوثيين)تجريفًا غير مسبوق للصحفيين والكتاب، حيث اضطر العشرات منهم للنزوح منها خوفًا علىحياتهم، أو بحثًا عن مصدر دخل بمخاطر أقل، بعد أن تحولت مهنة الصحافة إلى مهنة شبهمحظورة أو غير محمية على الأقل، ما لم تمارَس تحت مظلة وتوجهات أحد أطراف الصراع. كماشهدت بعض مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دوليًّا نزوحًا معاكسًا إلى مناطق سيطرة(الحوثيين)، خاصة قبل فك تحالفها مع حزب المؤتمر بقيادة صالح، ثم غادر أغلب هؤلاءمناطق الجماعة بعد قضائها على صالح ورفع غطاء حمايته لهم، ليلحقوا بزملائهم منالتيارات والأحزاب الأخرى التي شكل بقاؤهم في مناطق سيطرة (الحوثيين) خطرًا مباشرًاعلى حياتهم. على أن قلة منهم اختارت التماهي مع الجماعة والعمل في مناطقها حفاظًاعلى مصدر عيشهم، أو لعدم قدرتهم على مغادرة مناطقهم، أو لعدم ثقتهم بالطرف الآخرالذي فشل في تقديم أي نموذج لدولة القانون التي يمكن أن تحمي مواطنيها بغض النظرعن انتماءاتهم ومواقفهم.

الصحفيون الذين اتخذوا قرار مغادرة البلد في وقت مبكر مراهنين على الحكومة المعترف بها دوليًا، أصبحوا مشردين في المنافي ما لم يعملوا مع الحكومة وأصحاب النفوذ فيها، أو الدول الراعية لها في الإقليم.

استنسختالحكومة المعترف بها دوليًا مواقع وصحفًا حكومية جديدة بعد سيطرة (الحوثيين) علىالنسخ الأصلية في العاصمة صنعاء، كقناة اليمن ووكالة سبأ الرسمية، وأطلقت عشراتالمواقع الإلكترونية الركيكة وغير المهنية في أغلبها، واستقطبت إليها من يعمل تحتمظلتها عن قناعة أو مصلحة أو نكاية بالحوثيين، فقدمت نموذجًا لشراء الضمائر لا يقلانتهاكًا لحرية الرأي وتضليل الرأي العام عما يمارسه الحوثيون. ومن اتخذ قرارمغادرة البلد في وقت مبكر مراهنًا على تلك الحكومة، أصبح مشردًا في المنافي، ما لميعمل مع الحكومة وأصحاب النفوذ فيها، أو الدول الراعية لها في الإقليم.

وبأخذمؤشرات تقارير نقابة الصحفيين اليمنيين حول الجهات التي قامت بانتهاك حرية الصحافةخلال الأعوام الثلاثة الأخيرة في الاعتبار، نلاحظ أن نصيب الحكومة المعترف بهادوليًا والجماعات المحسوبة عليها من انتهاكات حرية الصحافة، تأخذ في الارتفاعالمستمر من عام لآخر. فقد كانت متهمة فقط بـ18% من حالات الانتهاك في 2017م،لترتفع النسبة إلى 30% عام 2018م، ثم إلى 32,8% خلال العام 2019م.

ورغمأن جماعة (الحوثيين)خلال الأعوام الثلاثة نفسها هي المتصدرة لحالات انتهاك حرية الصحافة، فقد تراجعتنسبة حالات الانتهاك التي قامت بها الجماعة خلال الأعوام الثلاثة ذاتها، من 68%عام 2017م، إلى 60% عام 2018م، ثم إلى 46,3% عام 2019م.

وفيكل الأحوال، ورغم أن تراجع نسبة جماعة (الحوثيين) من الانتهاكات يعود إلى مغادرةأغلب الصحفيين للأراضي الواقعة تحت سيطرتها، باستثناء القليل منهم الذين فضلواالصمت على النقد الواضح للجماعة خوفًا من عواقب ذلك، أو أولئك الذين تماهوا معأفكار ومواقف الحوثيين بحثًا عن المصلحة أو إيمانًا بالفكرة أو خوفًا من المخاطر.فبالمقارنة بين حكومة معترف بها دوليًا يفترض أن تكون حامية وراعية لحرية الرأيوالتعبير، وبين جماعات مسلحة تنتمي لمرحلة ما قبل الدولة والدستور على صعيدالسلوكيات والالتزامات التي يجب على أي دولة الوفاء بها، فإن هذه الأرقام تعكسارتداد الدولة والحكومة التي تتحدث باسمها إلى تاريخ ما قبل التعددية وحقبةالشمولية واحتكار الحقيقة وسياسة الصوت الواحد.

المؤشرالخطير الذي عكسته تقارير النقابة أيضًا، وله علاقة بتراجع حضور الدولة ومؤسساتها،وتصاعد دور الكيانات المسلحة غير الرسمية، هو ارتفاع حالات الانتهاك المنسوبةلجهات مجهولة؛ فبينما تراجع خلال العام 2018م إلى 4% فقط من الحالات مقارنة بـ9%منها في 2017م، فقد عاد ليسجل معدلات أعلى في 2019م بنسبة 9,7% من إجمالي حالاتالانتهاكات الموثقة في تقارير النقابة.

وإذانظرنا إلى الأرقام المطلقة لحالات الانتهاكات التي تعرضت لها الصحافة خلال الأعوامالثلاثة الأخيرة، نلاحظ تراجعها كميًّا من 300 حالة انتهاك في 2017م إلى 266 حالةفي 2018م، ثم إلى 134 حالة في 2019م، لكن ذلك يعود غالبًا إلى خبرة الصحفيين فيحماية أنفسهم مع طول فترة الحرب، واستقرار التحالفات والمواقف لأطراف الصراع نسبيًّا،وعملية الانتقال إلى مناطق أقل خطورة داخل أو خارج اليمن.

خلال سنوات الحرب، قيدت قرابة 80 حالة انتهاك لحرية الصحافة ضد مجهولين، وهذا يعني تحول الأطراف المتهمة بانتهاك الحريات إلى مخالب لأشباح غير مرئيين، ولا يمكن ملاحقتهم حتى بعد انتهاء الحرب.

كماأن هذا التراجع لا يعني تراجع الخطورة على حياة الصحفيين ذاتها؛ فقد شهد العام2018م مقتل 10 صحفيين ومصورين، مقارنة بـ3 فقط في 2017م، وإن تراجع الرقم إلى 2 في2019م، فمردّ ذلك ــ غالبًا ــ إلى تراجع حدة القتال بين أطراف الصراع، والاستقرارالنسبي لخطوط التماس، التي لم تتغير بشكل ملحوظ.

ومناللافت للنظر والمرعب أيضًا، أن هناك أكثر من ألف حالة انتهاك لحرية الصحافة فياليمن خلال سنوات الحرب، حسب تقارير نقابة الصحفيين اليمنيين، منها 32 حالة قتللصحفيين ومصورين، جرى قتلهم على يد التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات وجماعة(الحوثيين) بالمناصفة. وكلٌّ من الطرفين يرى الصحفي من عدسته الخاصة التي ترصدأنفاسه وتحاسبه على كل رأي صدر عنه، وكل معلومة كشفها للجمهور، ما لم تكن ضد خصمه،وكان تخوين الصحفي الحر صفةً مشتركة وسياسة مستنسخة بين الطرفين، بشكل يكاد يضعهمافي كفة ميزان واحدة، لا ترجح إلا كفة القمع والمصادرة والتخوين لكلِّ قلمٍ حرٍّ فَضَّلَاستقلاليتَهُ على الانحياز لطرف معين لا يعبر عن قناعته أو مهنيته.

وفيحين يقوم (الحوثيون) بوضع صحفيين محتجزين لديه بطريقة مخالفة للقانون في مقراتمعرضة للقصف، يقوم التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات، بتجاوز القانونالدولي وقصف هذه المقرات التي غالبًا ما تكون مبانيَ غيرَ مخصصةٍ للاحتجاز؛ فيكونالصحفي المعتقل فيها خارج القانون الوطني والدولي قد تعرض للقتل خارج القانونوالتشريعات الدولية أيضًا، كما حدث للصحفيَين: عبدالله قابل، ويوسف العيزري، فيمدينة ذمار خلال شهر مايو 2015م، رغم تحذيرات نقابة الصحفيين اليمنيين التي لم تجدأية استجابة لدى أنصار الله (الحوثيين) والتحالف العربي معًا.

خلقتالحرب كيانات مسلحة خارج مظلة المؤسسات الرسمية، وهذه الظاهرة التي تصاعدت خلالسنوات الحرب في البلد، لم تقتصر آثارها ونتائجها على المقاتلين، بل كل طرف حاولقتل الحقيقة في مناطق سيطرته، وكان الصحفي هو الهدف الأبرز لهذا الغرض؛ فمع التوحشالذي تصدرته جماعة (الحوثيين) ضد الحريات العامة، وأولها حرية الرأي والتعبير،ظهرت جماعات مسلحة في تعز وعدن وأجهزة تابعة للسلطات المحلية في مأرب وحضرموتوالمهرة وشبوة، إضافة إلى قوات "حرّاس الجمهورية" بقيادة طارق صالح فيالساحل الغربي، وصولًا إلى تنظيم القاعدة وأنصار الشريعة. كلُّ هذه الكياناتاعتقلت وهددت ولاحقت الصحفيين في مناطق نفوذها، وإن كان الطرف الأخطر على الصحفيينحتى الآن هو تعرضهم للانتهاك من قبل جهات وعناصر مجهولة، لا تعلن عن نفسها؛ فخلالسنوات الحرب، قُيدت قرابة 80 حالة انتهاك لحرية الصحافة ضد مجهولين، وهذا يعنيتحول الأطراف المتهَمة بانتهاك الحريات إلى مخالب لأشباح غير مرئيين، ولا يمكنملاحقتهم حتى بعد انتهاء الحرب.

تجاوزالأمر حالات التهديد والتقييد والمضايقة إلى عمليات الاغتيال المباشر، كما حدث معالصحفي الاستقصائي (محمد عبده العبسي) بصنعاء، في ديسمبر 2016م. نتائج التحليلالمخبري وتقرير الطب الشرعي أكدت أن العبسي تُوفِي نتيجة جرعة مرتفعة وقاتلة منغاز أول أوكسيد الكربون، وبينما كان قد تعرض للتهديد قبل ذلك، ما زالت جماعة (الحوثيين)ترفض فتح تحقيق شفاف في قضية وفاته، كما أن تعرض قبره للهدم بعد دفنه كانت حالةهمجية تتجاوز كل الأعراف والقيم، وهي حالة انفلات قانوني وأخلاقي لم تتوقف عنده،بل لاحقت أسرته بعد وفاته، لتضطر شقيقاته لمغادرة اليمن، بينما لم توجه الجهاتالرسمية أصابع الاتهام لأحد في حادثة وفاته/ اغتياله.

فيحضرموت أيضًا، تعرض الصحفي (محمد المقري) للاختفاء القسري منذ أكتوبر 2015م، عندماغطى مظاهرات ضد تنظيم القاعدة المسيطر على مدينة المكلا حينها. ورغم إفراج التنظيمعن المعتقلين لديه عند دحره من المدينة ومنهم صحفيين، إلا أن المقري ظل مختفيًاحتى اللحظة، ولم تبذل الحكومة المعترف بها دوليًا ولا السلطات المحلية بحضرموت،أية جهود للكشف عن مصيره بعد سيطرتها على المدينة عقب اعتقاله بأشهر قليلة.

وفيسابقة أخرى، أصدرت السلطات التابعة لجماعة (الحوثيين) بصنعاء حكمًا بإعدام الصحفي (يحيىعبد الرقيب الجبيحي) في إبريل 2017م، بعد قرابة نصف عام على اعتقاله مع نجله، منقبل مجموعة مسلحين يتبعون جهاز الأمن القومي. وخضع الجبيحي لمحاكمة هزلية وشكليةمن قبل محكمة متخصصة في قضايا الإرهاب، وتراجعت الجماعة عن قرارها بإعدامه وأفرجتعنه لاحقًا، دون أن تقوم بإسقاط الحكم الصادر ضده، بينما لا يزال نجله معتقلًالديها.

وبينماكانت العادة استهداف الصحفيين الذكور، شملت الحرب بقبحها حتى نمط التفكير الاجتماعيالمميز الذي يمنح المرأة حماية خاصة في اليمن من همجية القمع الرسمي وسطوة الجماعاتالمسلحة. فمنذ ديسمبر 2015م، ما زالت جثة المذيعة (جميلة جميل) التي تُوُفِّيَتبطريقة غامضة بصنعاء، ورفضت جماعة (الحوثيين) إشراك أية جهة مستقلة في تحقيقاتهاحول حادثة وفاتها، في ثلاجة مستشفى الثورة، ولم تسلم لأسرتها أو تدفن كما يليق بها.

ومنذأبريل 2015م، وفي بواكير حملة قمع الصحافة وتكميم الأفواه، ما زال الصحفي (وحيدالصوفي) مختفيا قسريًّا بعد قيام مسلحين يتبعون جماعة (الحوثيين) بخطفه من أماممبنى بريد التحرير بأمانة العاصمة. وانقطعت أية أخبار عن الصوفي حتى اللحظة، فيما لمتكشف الجماعة عن مصيره، بينما يتراجع حضوره في وسائل الإعلام وتقارير المنظماتالتي تتبناها كيانات سياسية لا ينتمي إليها الصوفي، وهذه مؤشرات مرعبة لأي صحفيمستقل في اليمن.

فيديسمبر 2019م، وبعد أكثر من أربع سنوات على اختطافهم من أحد فنادق المدينة، خاطبقاضي المحكمة التابعة لسلطة(الحوثيين) بصنعاء، عشرة صحفيين مثلوا أمامه في محاكمةشكلية بأنهم "أعداء الشعب". لقد تعرض الصحفيون للتحريض في خطاباتالقيادات الحوثية بمن فيها قائد الجماعة عبد الملك الحوثي نفسه، ليصبح انتهاكحقوقهم ومصادرة حرياتهم نوعًا من التقرب إليه أو إثبات الولاء لجماعته.

تعرضهؤلاء الصحفيون العشرة لمختلف أنواع التعذيب والانتهاك، والحرمان من العلاجوالزيارة، بعد سلسلة من الإجراءات والمخالفة للقانون في حقهم على مدار أربعة أعوام.وبدا أن القاضي يؤيد ويشجع هذه الممارسات والانتهاكات التي تعرضوا لها، ليخاطبهمكأعداء للشعب.

جرفتالحرب الأخلاق المهنية، وصعدت فئة دخيلة على مهنة الصحافة لم يسبق لها ممارسةالعمل المهني من قبل، بل دخلت مجال توجيه الرأي العام من باب الإعلام الحربي،وكانت وظيفتها الأبرز نشر الكراهية وتكريسها، والتحريض على كل من يختلف معها، فأصبحتالصحافة، ولو بحدها الأدنى، من الماضي؛ إذ قضت على مضامينها أطرافُ الصراع بشكلمسّ مداميك قيمها وأخلاقياتها ومهنيتها ومصداقيتها.

لمتعد هناك وسائل إعلام مستقلة أو مهنية تحترم شكليات العمل الصحفي، فضلًا عن جوهرهومبادئه وأخلاقياته، وهذه واحدة من أخطر تمظهرات الحرب في الواقع. رفعت الأسوارأمام كل صحفي مهني مستقل، وفتحت الأبواب أمام من يمتلك أي قدر من الانتهازية وحبالشهرة، لينتحل صفة الصحفي، ويعمل كأداة دعاية حربية لا تحترم أدنى تقاليد أوأخلاقيات يجب على الصحفي أن يتحلى بها.

القضاء على مصادر دخل الصحفي اليمني المعتادة، كان سياسةً متعمدة لإرغامه على الارتهان بلقمة عيشه لأطراف الصراع، أو ممارسة مهنة أخرى غير الصحافة.

بفعلالحرب والاستقطابات الحادة التي تعرض لها الصحفيون بين أطرف الصراع المختلفة، برزدور دول الإقليم بدرجة أكبر من القوى المحلية اليمنية في هذا المجال؛ حيث انطلقتقنوات ومواقع جديدة، كأدوات للحرب النفسية والمعلوماتية، حولت الصحفي إلى سياسي لاتربطه بمهنة الصحافة إلا استخدامه فنونها ومنابرها لأهداف لا تتعلق بخدمة الجمهوروإظهار الحقيقة، بل بتضليل الجمهور، وغسل سمعة السياسيين والعسكريين وفسادهم،أفرادًا وجماعات وحكومات. وعندما يصبح المال هو الدافع الأساسي لعمل الصحفي، فإنالصحافة تكون قد تحولت إلى مهنة كارثية بلا أخلاق ولا مبادئ، وهذا الواقع الجديدمن أخطر آثار الحرب، حاليًا وعلى المدى المنظور في اليمن.

فيكل صراعات بلدان العالم، ومن أجل الحفاظ على سلامة الصحفي وحياته، يتم إلزامهبارتداء الزي الخاص الذي يظهره صحفيًّا؛ ليتجنب المتحاربون استهدافه. وفي الصراعاليمني وحده، فإن من مبادئ السلامة المهنية أن يخفي الصحفي دوره وهويته؛ لأن معرفةالمتحاربين بأنه صحفي تجعله هدفًا مباشرًا ومشتركًا لهم. هو استهداف للحقيقة التيلا يرغب المتحاربون في معرفة الجمهور بها، وإن كان ثمن قتلها هو قتل الصحفي نفسه.نادرًا ما يتردد أحدهم عن قتل الصحفي؛ لأن الحرب هنا تدور دون قواعد، والمتحاربونهم قتلة بالدرجة الأساسية أكثر من كونهم مقاتلين شجعان يتحتم عليهم احترام قواعدالقتال، وعدم استهداف المدنيين وشهود الحقيقة، خاصة أن أغلب المتقاتلين هم من غيرالعسكريين المحترفين، بل من المسلحين القبليين، ومن المنتمين لجماعات دينية متعصبةلا تعترف بحق غيرها في الحرية ولا في الحياة برمتها.

لقدتطور الوضع في اليمن من الانتهاك الفردي للصحفيين ووسائل الإعلام بشكل يمكن تلافينتائجه مع الوقت، إلى انتهاك لمهنة الصحافة ذاتها بشكل دمر مصداقيتها ودورهالأجيال قادمة من الصحفيين. ويمكن القول بأن القضاء على مصادر دخل الصحفي اليمنيالمعتادة، كان سياسة متعمدة لإرغامه على الارتهان بلقمة عيشه لأطراف الصراع، أوممارسة مهنة أخرى غير الصحافة.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English