البعثات الأممية إلى اليمن

تاريخ من العمل الهلامي (التدخل الأول: 1-3)
توفيق الجند
March 10, 2020

البعثات الأممية إلى اليمن

تاريخ من العمل الهلامي (التدخل الأول: 1-3)
توفيق الجند
March 10, 2020

تدخلت الأمم المتحدة في اليمن خلال صراعات متعددة؛ بدءًا بالحرب التي أعقبت ثورة 26 سبتمبر 1962، خلال العامين(1963-1964)، مع اقتراب الحرب الباردة من ذروتها بين المعسكرين الشرقي والغربي. ثمتدخلت في حرب صيف 1994، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وبدء ممارسة أمريكا دور القطبالعالمي الواحد، وحاليا منذ العام 2012. في هذه المرحلة التي أصبحت فيها واشنطنالحاكم المهيمن على العالم، مع محاولات متواضعة للقوى الكبرى لممارسة دور فيالمشهد الإقليمي، كان التدخل الأممي في كل مرة يتزامن مع صراع إقليمي يدور علىالساحة اليمنية، ويتميز بتداخل أدوار الفاعلين المحليين مع الفاعلين في الإقليم.لكن نتائج التدخل الأممي كان خلال الستينات والتسعينات دون أثر حقيقي على الأرض،ولم يغير في معادلة الصراع، وبالمثل تدخله الأخير المستمر حتى اللحظة.

  بمجرد قيام ثورة 26 سبتمبر 1962 في شمال اليمن،تحولت البلاد إلى ساحة صراع إقليمي ودولي موسع. تغير الحلفاء والخصوم مرات عديدة وصولًاإلى النزاع اليمني الراهن، لكن البلد ظلت بؤرة لتصفية حسابات وترسيخ نفوذ عدد منالأطراف الإقليمية والدولية. كانت التفاعلات بين الفاعلين المحليين والفاعلين فيالإقليم والعالم، شديدة الأثر على مسارات التحولات اليمنية حتى اليوم، وكانتالتدخلات الأممية في النزاعات اليمنية إحدى تمظهرات التدخل الدولي الأكثر وضوحًا.

بعد 3 أيام فقط على إعلانقيام الجمهورية في 29 سبتمبر 1962، اعترفت جمهورية مصر بالجمهورية الوليدة فياليمن بالتزامن مع وصول طلائع قوات مصرية على متن طائرات شحن هبطت في صنعاء وتعزوالحديدة. بعدها بيوم واحد أعلن الاتحاد السوفيتي اعترافه بالجمهورية، ومثّل ذلكضمنيًا تسجيل نقطة نفوذ للاتحاد السوفيتي في إطار الحرب الباردة بين موسكو وواشنطنوحلفائهما.

في الثالث من أكتوبر، أرسلتحكومة صنعاء برقية إلى الرئيس عبد الناصر لتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك بينالبلدين الموقعة مع الإمام أحمد عام 1956، قبل أن تجدد في الشهر التالي بصيغةجديدة تعتبر أي اعتداء على أحد البلدين اعتداءً على الآخر. بذلك أصبح تدخل القواتالمصرية وفقًا لتلك الاتفاقية شرعيًا، وأصبحت القاهرة والرياض على خط تماس مباشرفي نزاعهما الإقليمي على النفوذ كامتداد للخلافات التقليدية بين أكبر بلدين عربييننفوذا في الشارع العربي.

 بعد اغتيال كينيدي صعد لرئاسة أمريكا جونسون، الذي يكن عداءً واضحًا لعبد الناصر، وبرزت في ساحة الصراع اليمني/الإقليمي شخصية روبرت كومر، لينسق تحالف الثلاثي (السلاح، المخابرات، البترول)، وأصبح المسؤولون الأمريكيون والرئيس جونسون يسمون حرب اليمن بـ"حرب كومر الخاصة"، وكانت مهمته الأبرز استنزاف الجيش المصري في اليمن.

في الخامس من أكتوبر أعلنالأمير الحسن بن يحيى حميد الدين من السعودية تنصيب نفسه إمامًا جديدًا لليمن بعدإعلان الثوار بصنعاء مقتل الإمام البدر. ثم ظهر البدر مجددًا وأعلن تنصيب عمهالحسن رئيسًا لحكومة جديدة، وكان الإعلان من السعودية أيضًا. وكان ذلك إعلانًا منالرياض بتبني خط مناهض للجمهورية الوليدة بصنعاء، ما استدعى من الأخيرة إعلان قطععلاقاتها الدبلوماسية مع الرياض في اليوم التالي.  

تصاعدت الاشتباكات المسلحةبين الجمهوريين ومن خلفهم القاهرة، وبين الملكيين ومن خلفهم الرياض. ونتيجةالسياسة الأمريكية الداعمة لحركات التحرر في عهد جون كنيدي، سجلت الجمهوريةالوليدة بصنعاء نقطة تفوق كبيرة على الملكيين باعتراف واشنطن بها في 19 ديسمبر، مانتج عنه اعتراف الأمم المتحدة بها، واعتبار اليمن الجمهوري عضوًا في الأمم المتحدةبتاريخ 20 ديسمبر 1962.

خلال العامين التاليين حدثتحولان كبيران في كل من موسكو وواشنطن؛ فقد تم اغتيال كنيدي في نوفمبر 1963، وصعدللرئاسة الرئيس جونسون الذي كان يُكنّ عداءً واضحًا لمصر عبد الناصر، وبرزت فيساحة الصراع اليمني/ الإقليمي شخصية روبرت كومر، مساعد مستشار مجلس الأمن القوميالأمريكي، لينسق ما سماه محمد حسنين هيكل في كتاب الانفجار بتحالف الثلاثي(السلاح، المخابرات، البترول)، وأصبح المسؤولون الأمريكيون والرئيس جونسون يسمونحرب اليمن بـ"حرب كومر الخاصة"، وكانت مهمته الأبرز استنزاف الجيشالمصري في اليمن.

  بالمقابل، وفي أكتوبر 1964 أعلنت موسكو إعفاء نيكيتاخروشوف من منصبه، وتم تقاسم القرار بين ليونيد بريجنيف ورئيس وزرائه أليكسيكوسيجين، فحدث ارتباك نسبي في سياسة موسكو الخارجية رغم استمرار خط دعم عبد الناصر،وبالتالي الجمهورية الوليدة في اليمن.

ضخ الغرب وواشنطن مرتزقةأجانب أبرزهم أمريكيون وبريطانيون للقتال في صف الملكيين بتمويل وتسليح سعودي إلىجانب المقاتلين من القوات المصرية في اليمن الداعمة للجمهورية والثورة الوليدة.كان هناك طيارون سوفييت خاضوا القتال في صف الجمهورية كما اتضح لاحقًا، فتحولتاليمن ليس إلى مجرد بؤرة صراع وتنافس إقليمي بين الرياض والقاهرة، بل إلى خط تماسبين المعسكرين الشرقي والغربي كإحدى ملامح الحرب الباردة يومها.

  باعتبار اليمن الجمهوري عضوًا في الأمم المتحدة،وبعد نقاشات مع القاهرة والرياض، وصل إلى صنعاء رالف بانش في 1 مارس 1963، الأمينالعام المساعد للأمم المتحدة، كأول مبعوث دولي إلى اليمن بعد ثورة سبتمبر، لبدءمشاورات وقف القتال الدائر في البلد.

  في نهاية أبريل أعلن الأمين العام للأممالمتحدة يو ثانت موافقة السعودية ومصر على خطة الأمم المتحدة الخاصة بالوضع فياليمن، والتزام السعودية بإيقاف مساعداتها للإمام البدر، ومنع استخدامه أراضيهاللهجوم على الجمهورية، مقابل التزام مصر بسحب قواتها من اليمن. وفي نفس اليوم تم تكليفالميجور كارل فون هورن بإنشاء لجنة مراقبين دوليين تابعة للأمم المتحدة بشأن الوضعفي اليمن (يونيوم). وافق مجلس الأمن على تشكيل اللجنة في 13 يونيو، ومن ضمن اتفاقيةفصل القوات، تخصيص منطقة عازلة بعرض 20 كيلومتر بين الحدود اليمنية-السعودية.

 في 13 يونيو 1963، انتشرت بعثة الرقابة الأممية في كل من:
(صنعاء، والحديدة، وصعدة، ونجران، وجيزان)،
وتكوّن قوامها من أفراد من:
(استراليا، والنمسا، ونيوزيلندا، والنرويج، والسويد، وأمريكا).  

  كانت وحدة مصرية من ألفي مقاتل قد غادرت اليمنإلى مصر في الرابع من مايو بناء على الاتفاق المبدئي. لكن السعودية قالت إن مصرأدخلت قوات بديلة إلى اليمن، بينما قالت مصر إن مساعدات الرياض للملكيين استمرت،وكان الأمر صحيحًا من الطرفين، حسب المؤرخ البريطاني إدجار أوبالانس في كتابه(اليمن الثورة والحرب حتى عام 1970).

  كان من المقرر تقسيم النفقات المالية للبعثةالأممية بين الرياض والقاهرة، فرفضت موسكو تشكيل البعثة الأممية ما لم تكن بتمويلكامل من مجلس الأمن وتحت إشرافه المباشر، وهددت بإدانة السعودية في حال عدم إقرارذلك. ثم سحبت اعتراضها مع الامتناع عن التصويت لصالحها، باعتبار أن مهمتها تمتدلشهرين فقط، ولن تؤثر في مسار الصراع اليمني بشكل كبير. لكن مندوب واشنطن بمجلسالأمن قال إن البعثة غير مقيدة بفترة محددة، وهكذا تجلى اختلاف وجهات النظر بينعاصمتي العالم يومها.

  في خضم الجهود الأممية، أعلن الإمام محمد البدرالذي قامت ضده ثورة 26 سبتمبر، استئناف العمليات الحربية ضد الجمهورية. كان مبررهفي ذلك وضع اتفاقية فصل القوات دون مشاورة الملكيين، وشعور الرجل بالخطر، خاصة أن القاهرةقد صرحت بعدم القبول ببقائه، وتوافق ذلك مع رغبة ولي العهد السعودي الأمير فيصلباعتزال البدر والمغادرة إلى أوروبا، وفقا لإدجار أوبالانس أيضًا.

  في 13 يونيو 1963، انتشرت بعثة الرقابة الأمميةفي كل من: (صنعاء، والحديدة، وصعدة، ونجران، وجيزان)، وتكوّن قوامها من أفراد منالدول: (استراليا، والنمسا، ونيوزيلندا، والنرويج، والسويد، وأمريكا). وفي أواخريونيو وصل رئيس بعثة المراقبة الأممية، هورن، إلى السعودية لتقصي الحقائق عنالتدخلات الأجنبية في شؤون اليمن الداخلية، لكن الأمور على الأرض كانت تمضي في سياقمختلف. وبعد إعلان البدر استمرار القتال ضد الجمهورية، أصدرت صنعاء القرارالجمهوري رقم (16) القاضي بمصادرة أموال أسرة بيت حميد الدين، وكان ذلك تصعيدًاللنزاع، وإعاقة للجهود الأممية التي كانت تكاد تقتصر على الرقابة ووقف القتال.

  ولأن البعثة الأممية كانت تعاني من خلافاتوقصور في التمويل والتجهيزات، أعلن الجنرال فون هورن استقالته في 20 أغسطس، لأنالأمين العام للأمم المتحدة لم يلبِّ طلباته بتزويد البعثة بطائرات وتجهيزات كافية.وفي الرابع من سبتمبر 1963 أعلن الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره الأول إلىمجلس الأمن، بأن الوضع في اليمن لم يطرأ عليه أي تقدم فيما يتعلق بخطة فصل القوات،وأن الرياض والقاهرة لم تفيا بشروط البعثة الأممية.

  مع هذا، وفي العاشر من سبتمبر، قرر مجلس الأمن تعيينالفريق الهندي (ب.س.جياني) قائدًا لبعثة السلام الدولية للإشراف على وقف إطلاقالنار وفصل القوات في اليمن خلفا لهورن الذي قدم استقالته، وتم في أكتوبر تمديدعمل البعثة لمدة شهرين.

  وفي تقريره بتاريخ 30 أكتوبر، أكد يو ثانت،الأمين العام للأمم المتحدة مرة أخرى على عدم حدوث تقدم، وأن السعودية لم تفِبتقديم التمويل اللازم لعمل البعثة الممولة بالتقاسم مع مصر، ولاستمرار دعمهاللملكيين، واستمرار تواجد القوات المصرية في اليمن. وبضغط أمريكي قدمت السعوديةحصتها من تمويل عمل البعثة، وفي الرابع من نوفمبر عيّن يو ثانت، بيير سبينيلليممثلًا شخصيًا له ورئيسًا لبعثة المراقبين الدولية في اليمن، ما يعكس عدم وجودسياسة متسقة ومستقرة في الأداء الأممي، بتعيين ثلاثة رؤساء لبعثة المراقبة الأمميةخلال 4 أشهر فقط، واقتصار فترة عمل البعثة على شهرين في كل مرة، لتحتاج إلى تمديدمن مجلس الأمن، وهي فترة قصيرة جدًا لا يمكن فيها إنجاز تقدم ملموس على الأرض.

بعد قرابة 15 شهرًا من إعلان التدخل الأممي في اليمن، انسحبت بعثة المراقبين الأمميين من اليمن في 4 سبتمبر 1964، لكن القتال في اليمن استمر بعدها ستة أعوام.

  مطلع العام 1964، أعلن يو ثانت أن هناك تقدمًاملحوظًا، وأن القتال توقف تمامًا، مع وجود دلائل على مستقبل أكثر إشراقًا في اليمن،مع استمرار الجولات المكوكية بين الرياض والقاهرة وصنعاء، من قبل سبينيللي.

  بالتزامن مع الإعلان عن التقدم، ووقف القتالعلى لسان الأمين العام للأمم المتحدة، كانت القوات الملكية تقطع طريقي صنعاء معصعدة والحديدة، وكانت زيارات القيادات المصرية من الصف الأول، بمن فيهم عبد الناصرنفسه، تتوالى على صنعاء، وتوجه خطابًا ثوريًا ضد الملكيين، وعدائيًا ضد راعيهم فيالرياض، مع استمرار تقديم الرياض الدعم الهائل للقوات الملكية؛ أي أن الجهودالأممية كانت في سياق مختلف تمامًا عن مسار الأحداث على الأرض.

  بعد قرابة 15 شهرًا من إعلان التدخل الأممي فياليمن، انسحبت بعثة الرقابة الأممية من اليمن في 4 سبتمبر 1964، لكن القتال فياليمن استمر بعدها ستة أعوام كاملة.

  نجحت أمريكا وبريطانيا وحلفاؤهما في الإقليم،بتجميد فرقتين كاملتين من الجيش المصري في اليمن، لإلحاق الهزيمة بعبد الناصر فيحربه مع إسرائيل، وهو ما تحقق في نكسة يونيو 1967. وفقا لهيكل في كتاب "الانفجار"،كان ذلك هدفًا جوهريًا لتوريط جيشه في حرب بعيدة، وعدم تشجيع خطوات السلام التيبذلتها الأمم المتحدة، وجهود ورغبة كل من عبد الناصر والملك فيصل في الخروج منالورطة اليمنية عبر محادثات مباشرة أكثر من مرة. فشلت أغلب تلك المحادثات لأنهاتمت بعيدًا عن اليمنيين أصحاب الشأن، كما حدث في مؤتمرات أركويت في السودان، ولقاءجدة بين ناصر وفيصل، ومؤتمر حرض 1965.

  كانت التجربة الأممية في اليمن خلال الستينياتشكلية لإدارة التوازن بين واشنطن وموسكو التي التهبت في الشرق الأوسط وفيتناموأماكن مختلفة من العالم؛ حيث حاولت إدارة النزاع ولم تعمل على حله وإنهائه، وبداكأن ذلك سياسة مستمرة للمنظمة الدولية حتى اليوم.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English