عجلة الزراعة متوقفة في الضالع

بعد نحو ست سنوات من الحرب
محسن فضل
February 23, 2021

عجلة الزراعة متوقفة في الضالع

بعد نحو ست سنوات من الحرب
محسن فضل
February 23, 2021
Photo by ©: Ali Jameel

تشتهر محافظة الضالع بأراضيها الزراعية الخصبة؛ وتنوع محاصيلها الزراعية، كالذرة البيضاء والقمح والذرة الشامية؛ والفواكه والخضروات؛ وغيرها من المحاصيل؛ التي جعلت مواطني المحافظة في غنى عن الأسواق والسلع الغذائية والاستهلاكية المستوردة حتى نهاية القرن العشرين.

ومع مطلع الألفية الثالثة؛ اجتاحت شجرة القات مناطق محافظة الضالع بشكل واسع؛ حتى صار من النادر رؤية زراعة الذرة والقمح في أوديتها؛ وبذلك اكتسبت المحافظة شهرتها الواسعة كواحدة من أبرز محافظات اليمن في زراعة وإنتاج القات بمختلف أنواعه. 

وقد ساعد زراعة نبتة "القات" في تحسين ظروف أبناء المحافظة المعيشية؛ مما دفع بالكثير من الأهالي إلى توسعة الحقول الزراعية، وإنشاء حقول زراعية أخرى؛ ساهم كل ذلك في زيادة الرقعة الزراعية لشجرة القات على مستوى المحافظة.

وبالتزامن مع دخول اليمن منعطف آخر من الصراع خلال شهر مارس/ آذار 2015؛ دفعت محافظة الضالع ثمنًا باهظًا جراء هذه الحرب؛ وتحولت جغرافيتها إلى جبهات صراع مشتعلة بين أطراف الصراع.

ومع اندلاع الحرب تغير وضع المحافظة الزراعية التي يعتمد مختلف سكانها على الزراعة؛ مما جعل الآلاف من أهالي المحافظة يعيشون حياة التشرد والنزوح تاركين خلفهم منازل خاوية؛ وأودية زراعية مهجورة، كانت في يوم ما تمثل لأصحابها مصدرًا لحياة كريمة.

حنين العودة

سميرة ناصر [اسم مستعار]، (28 سنة) نازحة من إحدى قرى بيت الشرجي، منطقة العود التابعة لمديرية قعطبة؛ تحن كثيرًا للعودة إلى قريتها التي فارقتها قبل عامين؛ بعد أن تحولت قريتها إلى ساحة حرب ومنطقة عسكرية محظورة، تحيط بها المواقع العسكرية والمتاريس من كل جانب.

من ضمن التحديات التي واجهت الزراعة في محافظة الضالع ارتفاع أسعار المشتقات النفطية بشكل كبير وانعدامها أحيانًا، الأمر الذي دفع بالكثير من المزارعين إلى العزوف عن الزراعة وتوقف تصدير المحاصيل، وهو ما انعكس على وضعية الأمن الغذائي في المحافظة

تقول سميرة: "منذ طفولتي ونحن نعيش حياة هادئة ومستقرة؛ ننعم بكل سبل الحياة الكريمة معتمدين على الزراعة كمصدر رزق رئيسي؛ ولكن بين ليلة وضحاها أصبحت حياتنا مختلفة تمامًا بعد أن أرغمتنا الحرب على مغادرة القرية وترك كل ما كنا نعتمد عليه من أموال وزراعة؛ وأصبحنا نعيش حياة النزوح؛ ولا شك أن من يغادر منزله مكرهًا تحت ظروف الحرب يشعر وكأنه انتهى كل شيء".

وأضافت: "التفكير في زيارة قريتنا وأوديتنا الزراعية؛ غير ممكن؛ حيث إن الطرق مغلقة؛ أشعر بالاختناق حين أكون بعيدة عن قريتي ولا أستطيع الوصول إليها؛ رغم أنني أشاهد كل يوم جبال قريتي الشاهقة المحيطة بها؛ وأتمنى لو بإمكاني رؤية قريتي ولو لمرة واحدة فقط؛ لمعرفة كيف صار حال القرية".

وأما عن الزراعة؛ تقول سميرة: "حقولنا الزراعية التي كانت تدر علينا ملايين الريالات سنويًّا، وكنا نعتمد عليها في تلبية كل سبل الحياة، هي الآن مهجورة منذ عامين؛ وربما تكون قد تصحرت؛ لكون القرية وأوديتها الزراعية أصبحت عبارة عن مواقع عسكرية بين أطراف الصراع؛ ولم تراوح بعد المعارك قريتنا؛ ولكنني مع ذلك أنتظر بفارغ الصبر ذلك اليوم الذي سأعود فيه إلى قريتي وأنعم بالحياة فيها كما كنت أنعم بها سابقًا".

محافظة مجزأة

أثرت الحرب على الجانب الزراعي في محافظة الضالع بشكل كبير، لا سيما المحاصيل الرئيسية التي يعتمد عليها سكان المحافظة كمصدر أساسي للدخل وتوفير سبل المعيشة.

يقول الناشط المدني محمد الشمسي (40 سنة)، إن من أبرز الصعوبات التي واجهت مزارعي محافظة الضالع تمثلت في كون المحافظة أصبحت منذ مطلع عام 2016، ساحة حرب بين أطراف الصراع؛ الأمر الذي جعل جغرافيا المحافظة موزعة ومنقسمة بين طرفي الصراع؛ ومنها تحولت المحافظة الواحدة وكأنها محافظتان ضمن جغرافيا واحدة.

سكان محافظة الضالع ومنذ ما قبل تحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، كانت تربطهم المصالح ببعض، رغم الانقسام الشطري، لا سيما فيما يتعلق بجوانب الزراعة والتجارة؛ وزاد ذلك التعاون والانصهار بين أبناء المحافظة بعد إعلان الوحدة؛ وإعلانها كمحافظة في نهاية التسعينيات.

إلا أن اندلاع الحرب الأهلية الأخيرة عام 2015، كان لها أثر كبير على سكان المحافظة الذين أصبحوا يتعاملون بعملتين نقديتين مختلفتين مع فارق صرف متفاوت، وكل ذلك أثر بشكل سلبي على المحاصيل النقدية الرئيسية التي يعتمد عليها سكان المحافظة بشكل عام؛ بالإضافة إلى العزلة الشديدة التي بات يعيشها سكان المحافظة؛ إذ إن المواطن الذي يسكن مدينة دمت لا يستطيع الوصول إلى مدينة قعطبة إلا من خلال السفر إلى إب وتعز ومن ثم عدن ولحج، حتى الوصول إلى قعطبة.

تمثلت أهم المشاكل التي واجهت الزراعة في محافظة الضالع؛ في أزمة المشتقات النفطية، وانخفاض المعروض من مادة الديزل التي يعتمد عليها في ري المحاصيل الزراعية؛ وحتى إن وجدت مادة الديزل فلا يمكن الحصول عليها إلا في السوق السوداء وبمبالغ مالية مرتفعة جدًّا؛ حيث وصل سعر صفيحة الديزل 20 لترًا إلى 23 ألف ريال؛ إضافة إلى ارتفاع أسعار الأسمدة الزراعية لمستويات قياسية؛ إذ ارتفع سعر الكيس السماد من 8 آلاف ريال قبل الحرب إلى 50 ألف ريال بعد اندلاع الحرب؛ مما أدى ذلك إلى ضرر بالغ في الجانب الزراعي؛ فضلًا عن بعض الظواهر الطبيعية التي زادت من حجم المعاناة كتساقط الثلج -البَرَد- وظهور آفة الجراد بشكل متتالٍ؛ بالإضافة إلى نزول الصقيع أو ما يسمى -باللهجة الشعبية- الضريب، وكل ذلك ضاعف من نسبة المآسي لدى المزارعين في المحافظة.

يختتم الشمسي حديثه بالقول: "هناك مزارعون كانوا قبل اندلاع الحرب يجنون الأموال والأرباح بشكل كبير من خلال بيع القات في الأسواق؛ مما يساعدهم ذلك على بناء المنازل وإنشاء المصالح التجارية وشراء مركبات النقل؛ ولكن أثناء الحرب أصبح هؤلاء ينفقون كل ما يحصلون عليه من نقود في شراء مادة الديزل والأسمدة الزراعية".

تحديات متنوعة

بدوره قال مدير مكتب الإعلام في مديرية قعطبة علي عميران (32 سنة)؛ إن الزراعة في محافظة الضالع واجهت خلال الخمس السنوات الماضية، ولا تزال، تواجه العديد من التحديات التي أثرت على حياة الناس المعيشية والاقتصادية في المحافظة.

وأضاف: "إن أهم هذه الصعوبات تمثلت في خضوع المحافظة لسيطرة طرفي الصراع؛ ولم تخضع لسيطرة طرف واحد بعينه؛ وهو ما حول مساحة كبيرة من جغرافية المحافظة إلى بؤر صراع ومناطق حرب تستخدم فيها مختلف أنواع الأسلحة".

وأكد عميران أن هناك أودية زراعية منكوبة بزراعة الألغام؛ بالإضافة إلى أن الجبهات بين أطراف الصراع في المحافظة تدور في الحقيقة في أودية زراعية وكذلك في جبال وتلال مطلة على أودية زراعية أخرى؛ وهذا يجعل المواطنين غير قادرين على العمل في أوديتهم وحقولهم الزراعية خشية على حياتهم.

ولفت إلى أن انقطاع الخطوط بين مناطق ومدن المحافظة، أثر هو الآخر على الجانب الزراعي فيما يتعلق بعملية البيع والتسويق للمنتجات والمحاصيل الزراعية في المحافظة، لا سيما المحصول النقدي -القات- الذي يشكل مصدر دخل أساسي لسكان محافظة الضالع؛ بالإضافة إلى منع الحوثيين لسكان المناطق الخاضعة لسيطرتهم بتداول العملة النقدية الجديدة؛ في الوقت الذي يعتمد سكان هذه المناطق على تصدير وتسويق هذا المحصول الرئيسي إلى المحافظات الجنوبية التي تتداول فيها العملة النقدية الجديدة، وهذا بلا شك ضاعف من حجم المعاناة بالنسبة للمواطنين في المناطق الشمالية لمحافظة الضالع الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي.

وأشار عميران في ختام حديثه، إلى أن من ضمن التحديات التي واجهت الزراعة في محافظة الضالع، ارتفاع أسعار المشتقات النفطية بشكل كبير وانعدامها أحيانًا؛ الأمر الذي دفع بالكثير من المزارعين إلى العزوف عن الزراعة وتوقف تصدير المنتجات الزراعية وهذا خلف تأثيرات على الأمن الغذائي في المحافظة؛ وساهم في ارتفاع أسعار السلع الغذائية وعدم توفرها في الأسواق، لا سيما "الحبوب والخضار والفاكهة" وحتى إن وجدت فإن سعرها يكون مرتفعًا، فيما المواطن يجد نفسه غير قادرٍ على شرائها بسبب ضعف القدرة الشرائية لديه.


•••
محسن فضل

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English