ثورة جمعت اليمنيين بمختلف انتماءاتهم

كيف واجه شباب التغيير عمليات القمع والتنكيل؟!
مبارك اليوسفي
February 12, 2021

ثورة جمعت اليمنيين بمختلف انتماءاتهم

كيف واجه شباب التغيير عمليات القمع والتنكيل؟!
مبارك اليوسفي
February 12, 2021
الصورة ل: شهدي الصوفي

في الحادي عشر من شهر فبراير عام 2011، اندلعت احتجاجات شعبية في مختلف المحافظات اليمنية، نظمها ناشطون وحقوقيون تطالب بتنحي الرئيس السابق علي عبدالله صالح بعد حكم طال 33 عامًا، جاءت بعد سلسلة من الاحتجاجات الطلابية منذ 15 يناير، كانت تطالب النظام السياسي آنذاك بالإصلاحات السياسية، لكن عدم تلبية مطالب المحتجين أدّى إلى احتجاجات واسعة في مختلف المحافظات اليمنية تطالب برحيل النظام السياسي، في مشهد لا يتكرر اجتمع اليمنيون بمختلف انتماءاتهم السياسية والطائفية بصورة سلمية لم تشهدها اليمن من قبل، والكل كان مطلبه واحد، دولة المواطنة والنظام والقانون.

كانت قد ساءت الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد قبل 2011 بشكل غير مسبوق، إذ بلغت نسبة البطالة في عام 2010، نحو 35% حسب دارسة نشرتها مؤسسة فريدريش إبيرت، بالإضافة إلى أن هناك ما يقارب 31.5% يفتقرون إلى الأمن الغذائي، حسب ما ذكرته منظمة الأمم المتحدة في العام نفسه، ولا شك أن تشبث نظام صالح بالسلطة طوال الأعوام الماضية وإقصاء المعارضين له ونواياه في توريث الحكم لنجله أحمد صالح، كانت هي الأخرى سببًا جعل جميع القوى السياسية تلتحق بالثورة.

يقول الدكتور عبدالباقي شمسان، أستاذ العلوم السياسية في جامعة صنعاء في حديثه لـ"خيوط"، إن انتفاضة فبراير جاءت نتيجة عدة عوامل، أهمها أن اليمن كان يشهد أزمة مشاركة سياسية حادة في الفترة ما بين 1990 حتى عام 2010، حيث حدثت في هذا التوقيت دورتان انتخابيتان، ولم يحدث تداول سلمي للسلطة وإشراك المعارضة بالسلطة، وبالتالي حدث إضعاف تدريجي للأحزاب السياسية، ويدل على ذلك مؤشرات البرلمان حيث كانت ترتفع الرموز القبلية على حساب الرموز التحديثية، ويعتبر شمسان مطالب الشباب، الذين يشكلون 70% من الشعب اليمني عاملًا مهمًّا في انتفاضة فبراير، وبزوغ قضية صعدة والحراك الجنوبي والفراغ السياسي والكثير من القضايا.

يقول إبراهيم السلطان أحد شباب ثورة التغيير، إن الانتهاكات التي تعرضوا لها جعلتهم أكثر صلابة وأكثر إيمانًا، وأن فكرتهم ومطالبهم تحولت إلى ثورة عارمة، من أجل المساواة والعدل والحرية

يضيف أن تعثر الحوار بين أحزاب اللقاء المشترك والرئيس صالح، الذي كان سيجعل صالح يذهب إلى الانتخابات منفردًا، يعتبر من الأسباب المهمة، مؤكدًا أن زيادة نسبة البطالة والتدهور الاقتصادي ومؤشرات التنمية كان لها دورٌ مهمٌّ أيضًا، هذه العوامل تنامت وشكّلت احتقانًا سياسيًّا وغضبًا شعبيًّا واسعًا، تزامنت هذه الإشكاليات مع وجود احتجاجات في تونس وبعض الدول، شجعت الكثيرين من المحتجين على الخروج إلى الشارع وإحداث تغييرات سياسية.

ورغم القمع والتنكيل الذي تعرض له الثوار في ذاك الوقت، إلا أنهم أصروا على مواصلة النضال السلمي، والمضي حتى تحقيق كافة مطالبه، يقول إبراهيم السلطان، أحد شباب ثورة التغيير لـ"خيوط"، إن العزيمة وراء خروج الشباب، إذ كانت مطالبهم في البداية لتحقيق مطالبهم المشروعة في إيجاد فرص العمل، وتحقيق الشراكة السياسية وإدماج الشباب في صناعة القرار السياسي، وتحقيق العدالة الاجتماعية. ويضيف إبراهيم أن الانتهاكات التي تعرضوا لها جعلتهم أكثر صلابة وأكثر إيمانًا، وأن فكرتهم ومطالبهم تحولت إلى ثورة عارمة من أجل المساواة والعدل والحرية.

جمعة الكرامة 

في 18 مارس 2011، حاصرت قوات تابعة لصالح المحتجين في ساحة الجامعة وأطلقت النار عليهم، أدى إلى مقتل نحو 50 شخصًا وإصابة المئات، حسب منظمة العفو الدولية، فيما احتجزت آخرين واقتادتهم إلى جهات أمنية. 

تأكدت منظمة هيومن رايتس ووتش، من سقوط 270 قتيلًا في الفترة من فبراير/ شباط حتى ديسمبر/ كانون الأول 2011، في هجمات للأمن اليمني، ومعتدين موالين للحكومة أثناء المظاهرات، وأصيب الآلاف.

سقط آلاف القتلى والجرحى، واعتقل الأمن المركزي آلاف المتظاهرين في محاولات من قِبل نظام صالح لإخماد الثورة أو ما سماه التمرد، ولكنه فشل، فقد كانت عزيمة الثوار أقوى من أي قوة، حسب ما يقول شادي الأثوري، أحد شباب الجامعة.

كل هذه الانتهاكات ضد المتظاهرين العزّل، جعلت المجتمع الدولي يدعو صالحًا إلى التنحي ووقف الانتهاكات، التي اعتبرها مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي خرقًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني، ووسط دعوات إقليمية ودولية وتدخل خليجي لمحاولة إبعاد صالح من المشهد السياسي، وقّع صالح في 23 من نوفمبر/ تشرين الثاني على اتفاق المبادرة الخليجية، التي قدمتها السعودية ودول خليجية أخرى، تتضمن نقل السلطة لنائب الرئيس عبدربه منصور هادي على امتداد ثلاثة أشهر، في المقابل منحت هذه المبادرة صالح ونظامه حصانة دولية وعدم محاكمته على الجرائم المرتكبة أثناء رئاسته، وفي 21 يناير/ كانون الثاني منح البرلمان اليمني حصانة كاملة لصالح من المساءلة القضائية على أية جرائم سياسية. باستثناء الأعمال الإرهابية لكل من خدموا معه طوال فترة رئاسته.

الحصانة دون التنحي

بحسب حديث شمسان، فإن المجتمع اليمني وضع حصانة لصالح وكان ينبغي أن يتم المقايضة عليها، بمعنى أنه يتم إخراجه من الحقل السياسي أو مغادرة البلد، حتى يمر البلد بهدوء من الفترة الانتقالية.

كان سبب منح صالح الحصانة مقابل أن يخفف كلفة الدم والكلفة المجتمعية مقابل التنازل على المتابعة، لكن منح الحصانة والبقاء في المشهد السياسي أدى إلى عودة صالح للمشهد وأن يخطط للعودة للسلطة، بمعنى أنه شرعيًّا ما زال موجودًا، معه قواته العسكرية، وهو اللاعب الأول، لذلك عندما تمنح المجتمعات في العالم الحصانة لا ينبغي أن يكون هناك مقابل، كما يقول شمسان.

في 21 فبراير، صوّت اليمنيون على انتخاب عبدربه منصور هادي وهو المرشح الوحيد رئيسًا انتقاليًّا لمدة عامين، ودخلت اليمن فترة انتقالية أخرى ونظام حكم ثانٍ، وتقسمت الحقائب الوزارية بين حزب المؤتمر والإصلاح بالتساوي، وأخرى مستقلة.

كانت الطريقة التي أديرت بها المرحلة الانتقالية تمهد لسقوط الدولة وقتل ثورة فبراير؛ فالأطراف التي أدارت الشأن اليمني بعد 2011، لم تكن راغبة أو مؤهلة لإحداث إصلاحات أو تغييرات حقيقية في بنية نظام صالح، حسب تصريح الكاتب والباحث السياسي عبدالناصر المودع، لـ"خيوط".

بموجب المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية المقدمة من مجلس التعاون الخليجي تحت إشراف مجلس الأمن الدولي، فإن الحكومة الانتقالية اليمنية تشرف على الحوار الوطني، وإعادة هيكلة الجيش، وعلى صياغة دستور جديد للبلاد، وعلى العدالة الانتقالية وإصلاحات انتخابية تؤدي إلى انتخابات عامة في فبراير 2014، في 18 من مارس من العام 2013، الذي كان يوافق الذكرى الثانية لمجزرة جمعة الكرامة، بدأت جلسات الحوار الوطني، واستمرت عشرة أشهر حتى 25 يناير 2014.

إعاقة التحول السياسي 

في الوقت ذاته كانت هناك دول إقليمية تنظر إلى اليمن بعمق شديد للغاية وتراقب ما يجري عن كثب وتريد أن توقف التحول في تغيير السلطة؛ وذلك لأن ما يجري من حراك أثار قلقًا كبيرًا لتلك الدول. وبالتالي جاءت المبادرة الخليجية لوأد التحول، وهذا ما جعل الأحزاب السياسية تتقدم في الواجهة وتخرج شباب الثورة خارج السرب، حسب قول الدكتور شمسان، ويضيف أن خطأ الشباب في ذلك الوقت كان إسقاط رأس السلطة، لكن لم تكن هناك رؤية لإدارة الزمن الانتقالي، إضافة إلى عدم قدرة الأحزاب المحافظة على تكتلها، وتم انسحاب الشباب جبرًا وطوعًا، وعدم قدرتهم على الانضمام إلى أحزاب جديدة أو البقاء لمراقبة المشهد السياسي، هذا الانسحاب أعاد القوى المتصارعة إلى الساحة وبدأت تعيق العملية الانتقالية، بالتالي عرقلت الكثير من القوى مخرجات الحوار الوطني لأهداف ذاتية.

انتهت جلسات الحوار والوطني، وخرج الجميع بوثيقة أسموها "وثيقة مخرجات الحوار الوطني"، تضمنت الوثيقة بنودًا دعت إلى إعادة هيكلة البرلمان ومجلس الشورى، على أن تكون مناصفة بين الشماليين والجنوبيين، ودعت الوثيقة لحظر وجود أي ميليشيات مسلحة في أي مكان، لا سيما محافظة صعدة معقل جماعة أنصار الله (الحوثيين)، وتسليم الأسلحة للدولة وبسط نفوذها في كافة المدن اليمنية، وتضمنت نقاطًا ونصوصًا ومحددات للدستور القادم، واتفق أعضاء الحوار على أن تكون اليمن دولة اتحادية من 6 أقاليم، ما اعتبرته جماعة أنصار الله (الحوثيين) وحزب المؤتمر وصالح تقسيمًا للجغرافيا اليمنية ولم توافق عليه، فيما اعترض أعضاء الحراك الوطني على فكرة الأقاليم، وقدم الحزب الاشتركي اليمني وقتها رؤية بأن تكون من إقليمين، أحدهما شمالي والآخر جنوبي. 

بعد فترة من توقيع وثيقة الحوار الوطني، كانت لجنة صياغة الدستور التي تشكلت من قبل مؤتمر الحوار قد أنهت مسودة الدستور الجديد، وكانت في الوقت ذاته قد بدأت تحركات مسلحة تابعة لأنصار الله (الحوثيين)، مدعومةً من الرئيس السابق علي عبدالله صالح استعدادًا لاقتحام صنعاء، وكانت قد خرجت جماهير تابعة لأنصار الله (الحوثيين) في بعض شوارع صنعاء، تطالب بتنحي الحكومة وإسقاطها في العام 2014، ومن ثم سيطرت الجماعة على صنعاء وفرضت إقامة جبرية على الرئيس هادي وأعضاء الحكومة، واعتقلت في وقت آخر أمين عام مؤتمر الحوار الوطني أحمد عوض بن مبارك، الذي كان في طريقه لتقديم مسودة الدستور خلال اجتماع رئاسي.

استطاع هادي الهروب من صنعاء في 2015، وطلب التدخل السعودي لإنقاذ ما سماه، في الوقت ذاك، التمرد والانقلاب الحوثي على السلطة، في 25 مارس/ آذار 2015، في هذا الصدد يقول عبدالناصر المودع، إن التسلسل التاريخي للأحداث يؤكد على أن سيطرة أنصار الله (الحوثيين) على صنعاء في 21 سبتمبر 2014، والحرب التي اندلعت في 2015، لم يكن ليحدث في حال لم تقم ثورة 2011. ويؤكد على أنه لو لم يكن هناك تسهيلات من قبل بعض الأطراف في صنعاء لما تم اجتياح العاصمة اليمنية والسيطرة عليها بتلك السرعة والقوة، فيما يقول إن هناك تواطؤًا من أطراف سياسية وعسكرية كبيرة ساهمت بسقوط صنعاء ونشوب الحرب.

الآن بعد ستة أعوام من الحرب، وعقدٍ من اندلاع الثورة، أصبحت أحلام الشباب والثوار معلقة بإيقاف الحرب وإحلال السلام. تشتُّت الثوار أجبر الكثير على مغادرة الوطن، وآخرون في المعتقلات أو الأرصفة يبحثون عن بقايا وطن.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English