صحفي أجبرته الحرب على بيع الثلج

جانبٌ من الثمن الذي دفعته الصحافة بسبب الحرب
عصام القدسي
October 4, 2020

صحفي أجبرته الحرب على بيع الثلج

جانبٌ من الثمن الذي دفعته الصحافة بسبب الحرب
عصام القدسي
October 4, 2020

على جنبات شارع الرقاص في العاصمة صنعاء، يمكنك أن تشاهد الثمن الذي تدفعه الصحافة في اليمن بسبب الحرب. واقعٌ وجد فيه الصحفي نفسه مجتثًا من رحم اسمه وتاريخه وسكونية حلمه، متعَبًا في رصيف مهمل، جمعته تناقضات الحرب مع مصير غير متوقع. 
  لم يخطر ببال الصحفي فيصل عبدالحميد السراجي، أنه سيتحول يومًا إلى بائع ثلج، بعد ممارسته مهنة الصحافة لمدة 10 سنوات، لكن الحرب فرضت عليه طريقًا إجباريًّا ليس فيه مساحة للنقاش أو حق في الاختيار.

   يحمل فيصل شهادة بكالوريوس إعلام، تخصص صحافة، من كلية الإعلام بجامعة صنعاء. بعد تخرجه في العام 2003/ 2004، عمل في صحافة الشؤون الإنسانية، ثم محررًا في صحيفة "أخبار اليوم" في التخصص ذاته. في حديثه لـ"خيوط"، يقول فيصل، إنه فقد عمله في الصحيفة أواخر العام 2014، وهي الفترة التي كانت فيها أسباب الحرب الإقليمية والدولية في اليمن تتصاعد. لم يسعفه الوقت ليحصل على عمل في صحيفة أخرى، إذ اندلعت الحرب مطلع العام 2015، ولم يرغب في التحول من الشؤون الإنسانية والاجتماعية إلى الشؤون السياسية، حسب تعبيره.
  بابتسامة وجهه المغبرّ، الذي أحرقته حرارة الشمس، وأنهكته مشقة الحياة، يقابلك السراجي وهو يمارس مهنته الجديدة، التي يرى أنها "أفضل بكثير من العمل الصحفي في الوضع الراهن"، الذي يصفه بالمأساوي بالنسبة للصحافة ولليمن بشكل عام. ويضيف بأن الأكثر إيلامًا بالنسبة له، هو "غياب الصحافة أمام أحداث الحرب ومآسيها"، إضافة لغياب حقيقة هذه الأحداث عن المجتمع اليمني، الذي "تتجاذبه وسائل التواصل الاجتماعي بشائعاتها المضللة".

   استرسالًا في حديثه، عرّج السراجي على "رحلة البحث عن عمل" في مجاله، التي قال إنها كانت رحلة طويلة ومضنية، ضاقت به ظروف العيش خلالها، وزادت أعباء مسؤوليته العائلية. ومع كونه واحدًا من الضحايا المبكرين لهذه الحرب، وجد نفسه في دوامة الديون التي اتسعت مع استمرار شحة الدخل وندرة فرص العمل في الصحافة. لذلك اضطر للعمل حمّالًا للخضروات والفواكه في سوق ذَهْبان المركزي (شمال صنعاء) لما يقارب سنة كاملة. ثم جرب مهنًا أخرى من العمل اليدوي، حتى وصل به الحال إلى فتح بسطة صغيرة لبيع الثلج على أحد أرصفة العاصمة صنعاء. 

هناك ضحايا يندر الحديث عنهم في إعلام الحرب الراهن؛ وهو مصير الصحفيين الذين كانوا حاضرين في المشهد الإعلامي قبل الحرب، فتبدلت مصائرهم وأصبحوا بلا عمل ودون مصدر دخل يؤمن لهم عيشًا كريمًا


  لم تكن هذه المعاناة وحدها ما قصمت ظهر السراجي؛ فمرض زوجته يلتهم الجزء الأكبر من دخله البسيط، الذي يحصل عليه من بيع الثلج، كما أنه لا ينسى تفقّد بعض زملائه ومعارفه العاطلين عن العمل في صنعاء، الذين جارت عليهم ظروف الحرب والواقع، كما جارت عليه. ربما يبدو الأمر مستغرَبًا أن يساعد شخص في مثل وضعه أصدقاء آخرين عاطلين عن العمل، لكنه رغم ذلك، يبدو سلوكًا متوقعًا من صحفي إنساني كتب قصة مريض بالفشل الكلوي، وسعى في جمع التبرعات لعلاجه، ثم أبدى استعداده للتبرع بإحدى كليتيه لإنقاذ حياة المريض. غير أنه بالمقابل، ووَفقًا لحديثه، فإن "الألم الكبير" الذي شعر به من تجربة فقدان العمل ومرارة الفاقة خلال السنوات الست الماضية، يتمثل في أن الكثير من أصدقائه وزملائه تخلوا عنه. كان فيصل يكسر قوالب الثلج أثناء الحديث عما سمّاه "اكتشاف معادن الرجال"، في تصعيد لحدة اللوم الذي يلقيه على بعض أصدقائه وزملائه الصحفيين، الذين لم يتذكره أحد منهم. 

   قصة الصحفي السراجي ليست الوحيدة في زمن الحرب في اليمن؛ فبالرغم من الأرقام المدوّنة عن الصحفيين لدى المنظمات الإنسانية الدولية، والقصص المؤلمة في إطار الاعتقال والتشرد خارج الوطن، هناك ضحايا آخرين يندر الحديث عنهم في إعلام الحرب الراهن؛ وهو مصير الصحفيين الذين كانوا حاضرين في المشهد الإعلامي قبل الحرب، فتبدلت مصائرهم وأصبحوا بلا عمل ودون مصدر دخل يؤمن لهم عيشًا كريمًا، خاصة بعد أن توقفت معظم المؤسسات الإعلامية الحكومية، وجميع الصحف الأهلية منذ بداية الحرب. قذفت هذه الأوضاع مئات الصحفيين العاملين في هذه المؤسسات، إلى مربع الفقر. وبحسب بيان صادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في أغسطس/ آب 2020، وثقت المفوضية 24 عملية إيقاف للمنظمات الإعلامية، و26 محاولة لإغلاق قنوات تلفزيونية وشركات الصحف، بالإضافة إلى 27 عملية اعتداء على المنظمات الإعلامية ومنازل الصحفيين في اليمن.

   إلى جانب هذا الإغلاق، الذي أدّى إلى شح فرص العمل الصحفي المستقل في اليمن، تبقى المخاطر المحدقة بهذه المهنة هي العائق الأكبر أمام عمل الصحفيين، خاصة في ظل تعدد أطراف الحرب، وحدة الاستقطاب السياسي لولاءات الصحفيين، وتفاقم أحداث الحرب سنة بعد أخرى. 

   وفي بيان مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، فقد وثقت منذ اندلاع الحرب الإقليمية في آذار/ مارس 2015، 357 انتهاكًا لحقوق الإنسان وانتهاكات ضد الصحفيين، بما في ذلك 28 جريمة قتل، وحالتَي اختفاء قسري، وعملية اختطاف واحدة، و45 اعتداءً جسديًّا، و184 حالة اعتقال واحتجاز تعسفي. كما وثقت المفوضية 16 حالة تهديد بالقتل أو العنف الجسدي ضد الصحفيين...، معتبرة ذلك "انتهاكًا للقانون الدولي لحقوق الإنسان". 

   وقالت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ميشيل باشيليت، إن الوضع في اليمن ينزلق من "سيّئ إلى أسوأ"، مضيفة أنه بعد سنوات من القتال بين القوات الموالية للحكومة المعترف بها دوليًّا، وبين جماعة أنصار الله (الحوثيين) للسيطرة على الدولة، لا يزال اليمن يُعتبر أكبر أزمة إنسانية في العالم.


•••
عصام القدسي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English