سبتمبر في أتون الصراع على النفوذ والسلطة والثروة

قراءة تحليلية في اقتصاد الجمهورية والملَكية
بلال أحمد
September 28, 2020

سبتمبر في أتون الصراع على النفوذ والسلطة والثروة

قراءة تحليلية في اقتصاد الجمهورية والملَكية
بلال أحمد
September 28, 2020

   في اجتماع لقيادات الثورة(1) بعد اندلاعها بأشهر قليلة مع قيادات مصرية، تحدث الدكتور عبدالرحمن البيضاني، بأنَّ اليمن لا يستطيع أن يحقق تقدّمًا في حربه ضد الملكيين وفي الجانب الاقتصادي بالوقت نفسه(2). لم يكن المسؤول الأول عن الملف الاقتصادي للجمهورية، التي كانت تتخلق بصعوبة شديدة من رحم العصور الوسطى، يطالب بإيقاف الحرب بالتأكيد؛ كان ذلك تململًا من المسؤولية أو تبريرًا لصعوبة المهمة، في ظل التكلفة الهائلة للحرب والتحديات الكبيرة في تأسيس وبناء اقتصاد وطني في بلد يفتقر لأدنى مقومات ومعايير الاقتصادات الحديثة ومؤسساتها العصرية. ربما كان البيضاني – من ناحية أخرى – وهو شخصية إشكالية كبيرة، يلمّح إلى حاجة البلد لمزيد من الدعم المصري. 

د. عبدالرحمن البيضاني

    من طائرة مصرية قادها عبدالرحيم عبدالله، وزير الطيران فيما بعد، وحطت رحالها في صنعاء ثاني أيام الثورة، نزل عبدالرحمن البيضاني من سلم الطائرة، وتحت تصرفه ثلاث حقائب من الذهب والأموال المصرية دعمًا للثورة اليمنية. عن ذلك الدعم السخي، يقول اللواء عبدالله جزيلان، قائد الثورة في أول أيامها، إن أحدًا لا يعلم ماذا حل بتلك الحقائب الثلاث؟ ها نحن إذن، منذ اليوم الثاني للثورة، نواجه "ملح التنمية" الذي أخبرنا عنه رئيس الحكومة الأسبق عبدالقادر باجمّال، بعد ذلك اليوم بأربعة عقود لم يتوقف خلالها الفساد أو يحاول إيقافه أحد. صار ثقافةً تَحَجَّم بسببها تجريم الاعتداء على المال العام، وصار متمحورًا، فقط، حول بربرية الطريقة التي يُمارس بها. ليس موضوعنا هنا خلافات البيضاني وجزيلان، إنما تسليط الضوء على البدايات الصعبة لـ"الجمهورية العربية اليمنية" بعد أن قرّر الضباط الأحرار الإطاحة بالملك الجديد، محمد البدر، قبل أن يستتبّ له الأمر على حساب منافسيه في أسرة حميد الدين، ويستحكم على الشعب الراكد في عصور ما قبل الحداثة. خُشي أن يصبح أسطوريًّا كأبيه أحمد، الذي كان ملكًا قويًّا تعرّض لعدد غير قليل من محاولات التصفية والإطاحة منذ ثورة 1948، فتجاوزها وخرج منها جميعًا بسطوة أسطورية على الاقتصاد والسياسة والقبائل والرعيّة؛ على الأرض والهضاب والتهائم، وعلى الهواء والسحاب وحركات الشمس والقمر والكواكب، وعلى ممالك الجان ومرَدَة الشياطين وزبانية الجحيم.

    اكتمل لضباط الجيش الثوار، في فجر الثورة، ترائي استمرار مؤسسة الأئمة وتعاقب رؤسائها على سدة الحكم، كالكابوس في ليل أبدي حالك ليس لنهايته فجر. انتهزوا الفرصة التي قد لا تتكرر ووضعوا حدًّا لنظام الحكم الكهنوتي، حتى وإن لم يكن قد توفر لدى أيٍّ منهم مشروعٌ واضح لمرحلة ما بعد الثورة. وهذا يقودنا للمأزق الذي نواجه به كل حركات التغيير، للوقوف على جدية ثوريتها من عدمه. كان الدكتور أبوبكر السقاف من أوائل من جادل حول هذا المأزق، إذ نوّه(3) في معرض تحليله لثورة سبتمبر/ أيلول 1962، إلى ضرورة تحقق الشَرطَين اللازمين لنجاح الثورة، والمتمثلين في كون الطبقة السابقة لم تعد قادرة على الحكم، وفي أن الطبقة الجديدة قادرة عليه.

اللواء عبدالله جزيلان

    سننحّي، مؤقتًا، مصطلحًا غاية في الأهمية كـ"الطبقة"، لنعيد صياغة المقولة بشكل يتناسب والبساطة التي كان عليها الضباط الأحرار في قرار إطاحتهم بالبدر. لقد رأوا بأن نظام الحكم الذي كان قائمًا، بثنائية الإمام/ الملك، لم يعد صالحًا للبقاء، وكان ذلك صحيحًا، وأن النظام الجمهوري هو البديل المتناسب والعصر، وهذا صحيح أيضًا. لكن ماذا عن مضامين ذلكما الشرطين، وعن تبعيات التغيير من نظام إقطاعي قروسطي يدير فيه الملك شؤون البلاد والرعيّة بمزيج من الأبوية والكهنوت تحت ظلال معارضة قلة من زعامات القبائل التي بدأت تستاء من اطّراد قبضة زعيمها الروحي كملك، وكإقطاعي أكبر، على مناطق نفوذهم القبلية ورعيتهم؟ كان لتعقيدات العلاقة بين الزعيم المزدوج، الديني/ الملكي، وأنصاره من طبقة الإقطاعين (من مشايخ القبائل)، كان لتعقيدات العلاقة بين الزعيم المزدوج، الديني/ الملكي، وأنصاره من طبقة الإقطاعين (من مشايخ القبائل)، دورها الحاسم في طبيعة الصراع الحقيقي الذي أفصح عن نفسه لاحقًا بين قطبي القوة في تلك الإقطاعية الكبيرة المسماة بـ"المملكة المتوكلية اليمنية"؛ مع نجاح حركة نوفمبر/ تشرين الثاني 1967، في الإطاحة بالرئيس السلال.

    كان زعامات العسكر الجمهوريين، قادة الثورة الحقيقين، قد انزووا ونُفوا وتواروا عن المشهد السياسي والسلطة والتأثير، واحدًا تلو الآخر، بعد أن أطلقوا بثورتهم نظامًا جمهوريًّا أرادوه حداثيًّا، بمؤسسات دستورية عصرية، يتمتع فيه كافة أفراد الشعب بحقوق مواطنة متساوية. وللأسف؛ لم تخطر ببالهم معضلة الإقطاعيات القبلية، ومصالحها الاقتصادية وطموحاتها بالسلطة، التي كان على النظام الجمهوري استيعابها وبجوارها الكتلة "غير الصلبة" للبرجوازية التجارية التي لم يكن يعنيها التحول الطبقي ما دام بإمكانها التكيف مع متطلبات أي سلطة كانت، وقبول شروطها للبقاء بالقرب منها، وبما يسقط عنها حرج النضال كطبقة مستقلة هي في غنى عن تبعيات تَمَثُّلها.

   للمؤشرات والإحصائيات الاقتصادية دلالات تساعدنا على تخيل الصعوبات التي ظلت تواجه الجمهورية منذ العام 1962، وحتى انتهاء الحرب في 1970، بالمصالحة مع الملكيين واعتراف المملكة السعودية وبعض دول العالم بالنظام الجمهوري. ستظل الصعوبات مستمرة على الرغم من ذلك. لنأخذ بالاعتبار أن النظام الجمهوري عنى الالتزام بمسؤولية الدولة من صحة وتعليم وغذاء وخدمات ورفاه المواطنين، ومكافحة البطالة بينهم. تخلّص الإقطاعي بموجب ذلك من المسؤولية، واحتفظ بولاء رعاياه لنفسه ولقبيلته، وذهب ليضع قدمًا في السلطة، ولا بأس بوضعه القدم الأخرى، ولو بعد حين، في عالم المال والأعمال.

التناول المتحيز لمظاهر الممارسات الاقتصادية في حقبة ما قبل ثورة 26 سبتمبر، قد تسبب بشيطنة تلك الحقبة ورموزها، بابتسار تجربتها واعتسافها خارج سياقها الموضوعي وشروط تطورها التاريخي

   لنعرج قليلًا على مظاهر التحديث والعصرنة للاقتصاد، والممارسات الاقتصادية للجمهورية في فترتي حكم الرئيسين عبدالله السلال وعبدالرحمن الإرياني، ومن بعدهما، فترة حكم الرئيس إبراهيم الحمدي. ليس لدينا الكثير لنقوله فيما يتعلق بفترتي حكم السلال والإرياني، نظرًا للظروف الأمنية والعسكرية الطارئة حينها، عدا تأسيس لجنة النقد اليمنية وصكّ عملة الريال اليمني وتأسيس البنك اليمني للإنشاء والتعمير، وافتتاح فروع لبعض البنوك الخارجية والعربية. غير أن للأخير ورجاله الاقتصاديين، إنجازات لا يستهان بها على مستوى بناء أجهزة الدولة ومؤسساتها العصرية، ووضع تشريعاتها القانونية وخططها الخَمسية. سنشير هنا، إلى ما كتبه الاقتصادي المخضرم الأستاذ محمد سعيد ظافر، حول مستويات النمو الاقتصادي ومؤشراته خلال السنوات بين 1974 - 1977، للتأكد من أن كمية الآمال التي كانت معقودة على ذلك الشاب (الحمدي) وفريقه لم تأتِ من عدم. يكفي أن نذكّر، الآن، بقرار إنشاء وافتتاح البنك المركزي الذي لم يتم إلا في عهده، وبقرار تحديد الريال اليمني بمئة فلس وإلغاء تداول "البُقْشة" وباقي أصناف العملات المنتشرة منذ العهد السابق. قانون الاستثمار كذلك، المزارع النموذجية، قانون تملك العقارات والحد من سلطات المشائخ، والكثير من الخطوات الواضحة والجادة في طريق بناء الدولة ومشروعها الاقتصادي الطموح، الذي لم يتفرغ للتفكير به قبل الحمدي أحد من رؤساء الدولة والحكومة.

   لكن لنقر بأن التناول المتحيز لمظاهر الممارسات الاقتصادية في حقبة ما قبل ثورة 26 سبتمبر، قد تسبب بشيطنة تلك الحقبة ورموزها، بابتسار تجربتها واعتسافها خارج سياقها الموضوعي وشروط تطورها التاريخي.  

  باستطلاع الحالة الاقتصادية بين حقبتي الثورة وما قبلها، سنلمح بوضوح تطورًا نوعيًّا في النمط الاستهلاكي عما كان عليه قبل الثورة. سَيُعَدُّ أحدنا أبلهًا إذا هلّل بظَفَر: "أخيرًا حدث ذلك، ولج إلينا القرن العشرون، ولو من نافذة السلع والكماليات". كذلك؛ لدينا المدارس والمشافي ومناهج التعليم، والانفتاح على العالم والمطاعم والمتنزهات والحدائق، دون أن ننسى أن أهم واردات العهد الإمامي، تمثّل في الطحين والأقمشة والمنسوجات اليابانية التي كانت، آنذاك، لا تزال رديئة، والكيروسين الذي لم نعد بحاجة إليه في زمننا الحالي. لنبلغ بالشطح منتهاه إذا أخذنا الحماس وتغاضينا عن القاعدة التي مفادها: إن نفي النفي إثبات، وشيطنة الشياطين تحيلهم ملائكة - والعكس. هاكم أيضًا: صار لدينا جهاز إداري ضخم وبنك مركزي، وبنوك تجارية ومصارف وشركات تأمين وعملة وطنية، واقتصاد مفتوح وموانئ وطرق وأسواق تعج بمختلف البضائع ومصانع رائعة لإنتاج الألبان والزبادي والآيسكريم والزيت والصابون، وبعض "الطنافس" والمشغولات التي تَستخدم وتُشغّل تعدادًا كبيرًا من العمّال - يبتزنا بهم أرباب العمل من البيوت التجارية وينالون بالمقابل التسهيلات تلو الأخرى على حسابنا، مع أن متوسط أجر العامل الشهري قد لا يتجاوز العشرين ألف ريال!

   ثمانية وخمسون سنة من الثورة؛ ماذا بعد؟ ثقب هائل في ميزان المدفوعات وتضخم مروع في العملة الوطنية، وتفاوت في الثروة وأزمات اقتصادية تدور في حلقات مفرغة، وقروض لا تنتهي ومشاريع لا تسد الاحتياجات المُلِحّة يجري تنفيذها بالكثير من "ملح التنمية"؛ والملح إذا زاد أفسد الوجبة. 

   أهمية الثورة ليست في التناول الساذج لهذه أو تلك من المظاهر الاستهلاكية المبتذلة التي لا تلعب دورًا حاسمًا في تسوية أشكال الحنين للعهود البائدة. فللثورة قيمة في الوعي الوطني لا تُمسّ، استمدتها من أسباب ذلك التأييد العريض لجماهير الشعب اليمني، شمالًا وجنوبًا، بمختلف مناطقهم وطبقاتهم. لنعطِ ذلك العهد ما لديه أولًا؛ ولنفعل ذلك بموضوعية، ثم نسوي مسألتنا معه بشكل حاسم وإلى الأبد. 

   كنا بدائيين؛ رفاهتنا غير مُتَطلّبة، وكان إنتاجنا لا بأس به. بلد باقتصاد زراعي يأكل مما يزرع، وإن كان ذلك عائدًا، على نحوٍ ما، إلى التقشّف كسلوك اعتيادي حمل الناس عليه ما عُرف به "مليكهم" من شُحّ وتخوف من تطور نمط استهلاكهم. جعلهم لا يأكلون كثيرًا، فكان الهزال والتقزّم سمتين غالبتين على الفلاحين في الأرياف ومعظم قاطني المدن الرئيسية الثلاث: صنعاء، تعز، والحديدة. كان القُطن على نحوٍ ما، والبُنّ على وجه الخصوص، يُصدّران بكميات معقولة تُدِرّ عائدًا لا بأس به على ملاك المزارع في الإقطاعيات الكثيرة التي كان لرأس المُلك منها الحظ الأكبر. وربما تسببت الصادرات في سنة من السنوات بفائض في الميزان التجاري مع باقي دول العالم. كانت جلّ المناطق الزراعية في البلاد تزرع، بين مرتين إلى ثلاث مرات في السنة، مختلف أنواع الخضروات والفواكه والحبوب، إضافة إلى البُنّ والقات، في مزارع وحقول ومدرجات مناطق المرتفعات، والقطن، وربما التبغ أيضًا، في مزارع وأراضي تهامة. لم نقف على مصدر وثيق يحدد كيف ومتى نجحت زراعة القطن، لكن من غير المستبعد أن يكون ذلك قد حدث بتوافد الخبراء الإيطاليين(4)، الذين استعان بهم "الإمام" يحيى بعد توقيعه مذكرة الصداقة والتجارة مع حكومة بلادهم في العام 1926، وهي الاتفاقية التي منحته أول اعتراف دولي كملك على اليمن. 

تمكن السوفييت من الاستحواذ على كثير من امتيازات الطليان التجارية، واستبدلوا بضائع الفاشيين الرديئة ببضائعهم الأكثر جودة، وكسروا احتكار الوكلاء الهنود في الحديدة

   لا شيء رسمي، في المتناول، يطلعنا بدقة على حركة التجارة والتبادل مع العالم الخارجي للسلعتين الرئيسيتين، بالإضافة إلى الجلود كسلعة رئيسية ثالثة للتصدير. لا سجلات حكومية ولا مؤسسات ولا مصارف أو اعتمادات مستندية. كل ما يمكننا معرفته بهذا الخصوص توصلنا إليه من مذكرات المستشرقين السوفييت والغربيين، الذين دونوا مذكراتهم في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين الماضي. السوفييت بالذات كانوا رؤوفين في تحليلاتهم لتلك الفترة بتصوراتهم الأقرب للرومانسية وكتاباتهم الأشبه بأدب الواقعية الاشتراكية - كان أدبًا يمكننا نعته بـ"الطيب". كانوا لتوّهم وقَّعوا، في 1928، مذكرة صداقة وتجارة مع دولة كهنوتية، التفوا على حقيقتها الثيوقراطية الإقطاعية بوصفها بالدولة الوطنية التي تقارع الإمبريالية البريطانية، وحيدة في عزلتها، ومنافحةً عن استقلال شعبها(5). بالفعل؛ تمكن السوفييت من الاستحواذ على كثير من امتيازات الطليان التجارية، واستبدلوا بضائع الفاشيين الرديئة ببضائعهم الأكثر جودة، وكسروا احتكار الوكلاء الهنود في الحديدة، المسيطرين على أسعار صرف عملات الفضة (ريال ماريا تريزا، أو الريال الفرَنصي بالتسمية اليمنية)، والمحاصيل والمنتجات التي يجري تصديرها عبر الميناء الذي سيطاله تأهيل سوفييتي معتبر في 1961، مع ذروة التعاون السوفييتي - المتوكلي. 

  • كم هو الناتج المحلي الإجمالي؟ كم حجم الإنفاق الحكومي؟ كم الإنفاق الأهلي؟ كم معدل البطالة؟ كم تعداد السكان؟
  • الله وحده يعرف.

   لم يكن حكم أيٍّ من الإمامين يحيى أو أحمد على ذلك القدر من الانعزال الذي شاع عنهما، وإن كانا متحفظين للغاية. ظن كل منهما أنه بإبطاء حركة تطور المجتمع سيظل قادرًا على ممارسة أبوية الإقطاعي على رعاياه طوال حياته. نلحظ ذلك مِن تشبث كلٌّ منهما بإدارة كل المهام الحكومية، ابتداء بقرارات الحرب وانتهاءً بحركة الدواب والبغال والحمير، مع ما يتعلق بهذه الحركة من تصاريح السفر ودخول الأجانب الذين أصبح توافدهم، مع مرور الوقت، وتجوّلهم في أحياء المدن وإقامتهم فيها، أمرًا مألوفًا لا يثير تلك الغرابة، خصوصًا مع توالي عقد اتفاقيات التعاون والصداقة مع الدول الأجنبية، كفرنسا وألمانيا وبلجيكا، ودول الكتلة الشرقية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. كل ذلك كان بعد أن وقع الإمام يحيى اتفاقية تهدئة الأوضاع على الحدود مع المملكة المتحدة، أو بالأصح، مستعمرتها اليمنية، في فبراير/ شباط 1934 (جددت في 1951)، وقبل أشهر قليلة على هزيمة جيشه البدائي المذلة من جيش ابن سعود في جبهتي نجران والحديدة، وتوقيعه معاهدة الطائف، التي منحت بموجبها المملكة السعودية حق الاحتفاظ بعسير ونجران مدة 40 سنة قابلة للتجديد، مقابل استعادته لمدينة الحديدة التي خسرها في الحرب(6). 

  بالإمكان القول إن حركة تحديثٍ لا بأس بها طالت كثيرًا من المجالات وعززت مفهوم الدولة على حساب نفوذ القبائل، في حاشد وبكيل تحديدًا، وهي الحركة التي ابتدأت بتطوير الجيش النظامي عبر استقدام البعثة العسكرية العراقية (1940 - 1943)، واستمرار إرسال البعثات التعليمية دون توقف منذ ذلك الحين، إلى لبنان ومصر وغيرهما من الدول. التعليم النظامي بمراحله المختلفة كان متاحًا في مدارس المدن الرئيسية، على غير ما كان يُقال لنا، إضافة إلى الكتاتيب المنتشرة في الأرياف بطول البلاد وعرضها. المستشفيات والمستوصفات أيضًا كانت متاحة، والبعثات الطبية الأوروبية كانت متواجدة بكثرة وتقدم خدماتها للجمهور بأسعار تكاد لا تذكر. كان على الرعية العمل بكدٍّ في إقطاعية الإمام نظير رعايته الكريمة لهم. لا جديد يحسب للملَكية أو يُسجل لنظامها أفضلية من أي نوع كان. كل النظم الإقطاعية في عصور الظلام كانت تفعل ذلك. رقيق الأرض، الفلاحون، الملاّك الصغار؛ كلهم كانوا يتلقون مثل تلك الخدمات، وأكثر. يحظون بحماية الإقطاعي الأكبر من عسف الملك وجبايات نظامه في حالة قوة الدولة، أو من غزوات الآخرين وفق آلية حربية محددة لحشد القوات في حالتي الدفاع أو الهجوم، عندما تضعف قبضة الدولة. على الرعية الاستمرار بالعمل كآلات بشرية تكد في خدمة أسيادها، وأقصى طموحات الواحد منهم في كون السيد راضٍ عنه تمام الرضا(7). هل كان ليستمر هذا إلى ما لا نهاية؟ وضعنا نقاطًا كثيرة على الحروف، لكننا لم نوجِّه أي ضربة قاضية بعد. بإمكاننا حسم المسألة مع المحتج بالفارق الزمني بين منظومتي الأخلاق التي نحاكم فيها ذلك الإقطاعي، الآن، بأخلاقيات هذا العصر، وليس بمنظومة الأخلاق السائدة في عصره. تزداد وجهة النظر هذه قوة طالما أن من تلقى العلم من رعايا العصور الوسطى لم يقم أيٌّ منهم بعد ذلك بثورة. لا بأس من التذكير بأن أعضاء بعثات مملكة الأئمة التي أرسلت إلى خارج اليمن، رأوا تقدّمًا هائلًا لدول تشارك بلدهم ذات العصر الذي يعيشون فيه، بغض النظر عن كون بلدان أخرى كانت تقاسي بؤسًا أشد مما كانت عليه اليمن. لا يوجد تشابه، من أي مستوى كان، بين حال الطالب اليمني المبتعث للخارج وبين متعلمي القرون الوسطى الذين لم يختلف حال إقطاعياتهم عن حال باقي الإقطاعيات في الجوار. بدا حال المتعلم اليمني في مصر- مثلًا - أشبه بحالة الهياج التي سيكون عليها "جمل المعصرة"، حين يكتشف بأنه أمضى عمره يراوح مكانه في عصر قروسطي لا يتحرك. هل وصلت الفكرة؟ ربما ستصل مع تسويتنا لخلافنا البسيط مع مفكر عظيم كالدكتور أبوبكر السقاف، الذي شكّك على نحوٍ ما، في جدارة ثورة 26 سبتمبر! 

ثنائية الزعيم الروحي/ الملك، فرضت نموذجين اجتماعيين؛ أحدهما في "اليمن الأسفل" والآخر في "اليمن الأعلى". المسألة محسومة بالنسبة للنموذج الأول؛ ملك يحمل صفة إمام لمذهب ديني آخر لا علاقة لهم به، إقطاعي أكبر يفرض الجباية، ويصادر الأراضي، ويسخّر لفلاحتها الآخرين ويكفيهم أخطار السلب 

   لا يتعلق الأمر، فقط، بعدم قدرة الطبقة التي أطاحت بالملكية، على ممارسة الحكم. المسألة عند الدكتور السقاف في عدم تشكّل تلك الطبقة الثورية بالأصل. كما ومن غير المقبول – بالنسبة له – الادّعاء بأن من أغراض الثورة إدخالها الرأسمالية إلى البلاد بما يمهّد لتشكّل طبقة برجوازية ثورية تنجز شروط ثورتها على الإقطاع وطبقاته. يجادل - وهو الأكثر تمكُّنًا من أي شخص آخر - بأن الثورة ليست سوى إعلان ميلاد ناجز للطبقة الجديدة. كما أن الحكم على الثورة يكون في إلقاء النظرة على التغيير الذي تحدثه على نظام المِلْكية؛ وبرأيه أن ثورة 26 سبتمبر/ أيلول 1962، لم تنجز أكثر من تأميم ممتلكات الأسرة الحاكمة، فيما إقطاع مشايخ القبائل قد ازداد إلى مستوى غير مسبوق، وهو محِقٌّ في كل ذلك ولا شكّ. ليس لدينا الجرأة النظرية ولا الزاد المعرفي الكافي للردّ الحاسم. سيظل الخلاف من الناحية النظرية بيزنطيًّا، لكن بإمكاننا تسويته بالإحالة إلى تجربتي الثورة الفرنسية 1789، والثورة البلشفية 1917. فلا الأولى كانت ثورة برجوازية تمامًا، كما لم تكن الثانية ثورة عمّالية بالطرق المدونة في الكتب، بالرغم من نجاح الثورتين الفارقتين في التاريخ الإنساني.

   لا جدال على أن العامل الاقتصادي حاسم في التغيير، وأن دراسة الحالة الاقتصادية تنحصر في مِلْكية وسائل الإنتاج، وفي تشكل الطبقات وصراعاتها(9).

   ماذا كان لدينا في اليمن؟ ثنائية الزعيم الروحي/ الملك، فرضت نموذجين اجتماعيين؛ أحدهما في "اليمن الأسفل" والآخر في "اليمن الأعلى". المسألة محسومة وواضحة بالنسبة للنموذج الأول؛ ملك يحمل صفة إمام لمذهب ديني آخر لا علاقة لهم به، إقطاعي أكبر يفرض الجباية، ويصادر الأراضي، ويسخر لفلاحتها الآخرين ويكفيهم أخطار السلب التي كانوا ليَتعرّضون لها من القبائل القاطنة في مناطق نفوذه الروحي إن هم لم يُمَلِّكوه عليهم. وضع نوّابه كمشرفين على مجموعة من إقطاعيي المنطقة، الذين كانوا في السابق نوّابًا في إقطاعياتهم للأتراك. ثلة لا بأس بها من صغار ملّاك الأراضي بين تعز وإب، تجار في مدينة الحديدة وكادحون يعملون في مينائها أو صيادو سمك، حرفيون وفلاحون على امتداد "اليمن الأسفل". وقد ساعد تعاقُب الدويلات في العصور الوسطى جُلَّ هؤلاء، على تخليصهم من عصبوياتهم القبلية، وازدهارُ التجارة وانتعاش المدن، وزيادة الإنتاج الزراعي عن الاستهلاك، وتكدس الغلال على نحو كافٍ للنزوع نحو الاستثمار.

    قد تتكرر في النموذج الثاني كثير من سمات النموذج الأول، عدا أربعة أمور، هي: الزعامة الروحية وسلطتها السياسية، والبنية القبيلة وتأثير قيمها على نمط الإنتاج وطبيعة المهن والحرف والأعمال، والتسلح والجهوزية لخوض الحروب، وأخيرًا، قلة الحواضر والمدن. وازدهار المدن بطبيعة الحال، مفصلي في الانعتاق من عصور الاقطاع. 

   تحافظ السلطة الروحية والزعامة القبلية على توازن العلاقة بينهما. غياب الأولى يعني احتراب لا يتوقف بين القبائل، ووجودها يعني غزوات مستمرة للحصول على الغنائم، في مسعى محموم لا تكف القبائل عن السير فيه وراء إمامها الذي تدفع به لتمكينه، بزعمها، من حقه الإلهي ونشر المذهب بتكليف مباشر من الله. ولا ننسى أن وفدًا من مشائخ وأقيال اليمن ذهبوا إلى الحجاز لجلب إمامهم الهادي، بعد أن كان غادرهم كداعية لمذهبه في رحلته الأولى إليهم. وعلى منوال أسلافه، صار يحيى حميد الدين إمامًا. لكن الزمن تغيّر، ولم تعد الأرض مفتوحة للتوسع والغزو ما شاء الله للإمام وأنصاره حتى يدركهم التعب. بريطانيا العظمى في الجنوب والطريق موصد أمام جحافله. حاولوا ما بوسعهم التوسع نحو المحميات، اختلق له الرومانسيون السوفييت أعذارًا وطنية لا تنطلي على العارفين بفكرة الخروج في المذهب الزيدي. أجبرته قوة الطيران على الاكتفاء بما تحت يديه. فاز أخيرًا بمدينة الحديدة في 1925، ولم يكن له ذلك لولا وفاة محمد الإدريسي وتنازع أمرائه من بعده. انتزع تعز وكامل "اليمن الأسفل"، ثم لم تجد جحافله ما تقوم به. الزراعة وحدها لا تكفي، وأموال بيت المال مقيدة شرعًا ولا يحسن بوكيل الله إنفاقها في غير مصارفها. يقرر الإمام، على غير عادة من سبقوه، ممارسة المُلْك والتصرف كملك متوج. لم يكن له ذلك بغير الاتكاء على مرتبته الروحية وعلى سياسة التفريق بين كتل أنصاره القبلية، وجعلها في حالة مشاحنة مستمرة تسمح له بضرب كل من ستسوّل له نفسه من المشايخ، عصيان الدولة أو الملك. لم يعودوا أنصارًا متنفذين على "كفّار التأويل" في باقي المناطق؛ صاروا رعيّة. صار الزعيم الروحي ملكًا، وإقطاعيًّا أكبر من الجميع. دَبَّت في تضارب المصالح الروح، وبلغ الصراع حدّ التناحر، فضرب الضباط الأحرار أسطورة الزعامة الروحية وأسقطوها من وجدان الشعب إلى الأبد. ماذا بعد ذلك؟ هذا بحد ذاته لم يكن بالأمر القليل. كشفوا ما وراء العلاقة الروحية المزعومة من ترهات؛ كانت علاقة انتفاعية ولا يجدر بها، أن تنطلي على أحد مجددًا. 


الهوامش:

  1. من نافلة القول الإشارة إلى أن لفظ "الثورة" مطلقًا في التاريخ اليمني المعاصر يعني بالضرورة ثورة 26 سبتمبر 1962، لأسباب عديدة لا يتسع المقام لذكرها.
  2. مذكرات اللواء عبدالله جزيلان، التاريخ السري للثورة اليمنية.
  3. الجمهورية بين السلطنة والقبيلة في اليمن الشمالي، د. أبوبكر السقاف.
  4. كتاب "الإمام الشهيد يحيى حميد الدين"، أحمد بن محمد بن الحسين بن يحيى حميد الدين، 
  5. مذكرات ديبلوماسي روسي في اليمن، تأليف: ج. إنكارين، ترجمة: د. قائد طربوش، ومحمد إسماعيل سليمان.
  6. تاريخ اليمن المعاصر بين 1918 – 1982، مجموعة من المستشرقين السوفييت، ترجمة محمد علي البحر.
  7. آفاق فلسفية، د. فؤاد زكريا.
  8. الجمهورية بين السلطنة والقبيلة، سابق.
  9. ركائز الفلسفة السياسية، د. يمنى طريف الخولي. 

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English