قراءة في سنوات حكم الرئيس السلاّل

سلامة الثورة واشتراطات القيادة
د. همدان دماج
September 27, 2020

قراءة في سنوات حكم الرئيس السلاّل

سلامة الثورة واشتراطات القيادة
د. همدان دماج
September 27, 2020
ت: عبدالرحمن الغابري

نقشٌ سبتمبري

صنعاء 26 سبتمبر 1962، ليس كمثله في حياة اليمنيين شيء. ذلك اليوم الذي طارت فيه البشائر في أرجاء اليمن، سهوله وقُراه، جباله ووديانه، بيوته وأسواقه، رجاله ونسائه...، بشائرُ الثورة المرتقبة وإعلان الجمهورية. 

كان الصوتُ القادم من المذياع له رنّة فجرٍ جديد لطالما انتظره اليمنيون على امتداد الأرض اليمنية، وحلم به الثوار منذ عقود. انقشع الظلمُ والظلام، وأشرقت الشمس تحمل في طيات أشعتها آمالًا عظيمة، تحمل عهدًا "كقلبِ النَّبـي*"، لكنها تحمل أيضًا تحديات كبيرة...، وارتفعت معنويات السامعين إلى تخوم السماء، فكل ما بعد هذه اللحظة هو عهدٌ جديدٌ واعدٌ وبهيج، عهدٌ ستُـرمى في طريقه كل أنواع الصخور والعوائق، ولن يُكتب له الاستمرار إلا بالتحدي والمجازفة والتضحية، وبالإيمان العميق والصادق بحق الناس في حياة أفضل. عهدٌ ما كان له أن يكون لولا مجموعة الثوار الذين أخلصوا في إيمانهم بالقضية اليمنية وقدّموا أغلى التضحيات، الذين وضعوا الرؤوس على الأكف**، ومزّقوا وجه العصر الإمامي، ومنهم وعلى رأسهم كان المشير عبدالله السلال، رئيس أول جمهورية في اليمن، وقائد أهم ثورة في تاريخها العريق. 

مقدمة 

تُقدّم هذه الورقة قراءة في السمات القيادية والخلفيات التاريخية التي شكّلت الملامح الرئيسية لشخصية وحكم الرئيس عبدالله السلال بعد قيام الثورة، كما تحاول تسليط الضوء على إشكالية بعض القراءات التي انتقدت السلال ودوره القيادي، وطريقة إدارته للدولة، وتزعمه للتيار الوطني، الذي ارتبط بعبدالناصر وأيَّد التواجد المصري في اليمن، وآمن بأهميته القصوى كشرطٍ أساسي لنجاح الثورة وقيام الجمهورية. 

ابن الشعب.. ابن الحركة الوطنية 

  عاش السلال طفولة صعبة، مثله مثل كل أطفال اليمن في ذلك الوقت، لكنه كان قد فقد أباه في سن مبكرة، فكفله أخوه الأكبر محمد، ودخل مدرسة الأيتام بصنعاء، وهناك اهتم بدراسته ونبغ فيها قبل أن يذهب إلى الحديدة التي واصل فيها تعليمه الثانوي إلى أن عاد منها إلى صنعاء، بعد أن تم السيطرة عليها من قبل القوات السعودية آنذاك. ومن صنعاء بدأ الشاب عبدالله السلال رحلة الدهشة عندما سافر إلى عدن ثم إلى العراق ضمن البعثة العسكرية الأولى التي أرسلها الإمام يحيى حميد الدين (1918- 1948). في هذه الفترة بدأ وعيه الثوري بالتشكل عندما أدرك بعينه وضميره، مثله مثل بقية الأحرار، الفارق الحضاري الشاسع بين اليمن المكبلة بقيود التخلف والفقر والظلم، وبين ما شاهده من حياة حديثة في بغداد. لكن سرعان ما تحول هذا الوعي من مجرد إدراك للواقع الـمُرّ وللبؤس الذي يعيشه اليمنيون، إلى إيمان مطلق بأهمية تغيير هذا الواقع، والالتزام بالسعي لتحقيق هذا التغيير، خاصة عندما رفض الإمام السماح له ولزملائه بعد عودتهم من بغداد بتطبيق ما درسوه من معارف عسكرية حديثة، وقام بحبسه أكثر من مرة مع بعض رفاقه، ريبة من توجهاتهم وتطلعاتهم في التحديث.  

  هكذا بدأت حياته في طريق النضال الوطني منذ وقت مبكر، ودفع ثمنه سنوات طويلة في السجون، بعد فشل حركة 1948، كان خلالها، ولأكثر من مرة، يُستدعى إلى ساحة الإعدام التي شهدت قطع رؤوس كثير من زملائه وأصدقائه الأحرار، إلى أن خرج من السجن بعد فشل انقلاب 1955، ليعمل بعدها في مناصب إدارية وعسكرية هامة، وينخرط بالعمل العام في أعلى مستوياته. خلال هذه السنوات ازداد وعيه الثوري أكثر، وتعمقت علاقته وتواصله بالأحرار الذين كانت قد تعددت أشكال عملهم الثوري الذي أفضى في نهاية الأمر إلى قيام ثورة 26 سبتمبر/ أيلول 1962. 

لهذا، ليس صحيحًا ما يعتقده البعض من أن السلال كان حديث عهدٍ بالثورة مقارنة بكبار المناضلين الآخرين، أو أن نضاله الحقيقي بدأ بعد إعلان الجمهورية، فقد جاء عبدالله السلال من صلب الحركة الوطنية، وكان في قلب المؤسسة العسكرية التي تحملت الدور الأكبر في تفجير بركان الثورة. كان السلال أكبر الضباط الأحرار رتبة في الجيش، وأكثر الشخصيات القيادية احتكاكًا بمختلف القوى المحلية وممثلي وكوادر الدول والقوى الخارجية، كما كان من قلائل القيادات التي أظهرت الحماسة اللازمة والاستعداد الكامل للمغامرة الثورية. كل هذه العوامل التي اجتمعت في شخصية السلال هي التي أهّلته بجدارة ليصبح قائدًا للثورة المسلحة ورئيسًا للجمهورية الوليدة.

كثير من القراءات في سير الشخصيات الكبيرة في الحركة الوطنية اليمنية، عادةً ما تقع في خطأ تجاهل السياق التاريخي للأحداث، وعوامل تشكّل بيئتها، وذلك ما يفضي لمحاكمة الماضي بأدوات الحاضر، مولداً خطأً، له نفس جسامة خطأ محاكمة الحاضر بأدوات الماضي

تعدد المسارات وأمان السفينة 

  تولّى السلال رئاسة البلاد في ظروف صعبة للغاية كما كان متوقعًا، وكان عليه أن يسير في مسارين متوازيين عادة ما يتم الخلط بينهما، وهما المسار الثوري العسكري والمسار الإداري وبناء مؤسسات الدولة. وقد استطاع السلال أن ينجح في كِلا المسارين، والخروج بسفينة الثورة بأمان من عواصف تحديات الأشهر والسنوات الأولى، وما حملته من أخطار كبيرة. وما كان له أن ينجح لولا تلك السمات الشخصية والقيادية التي تحلى بها منذ بداية انشغاله بالعمل العام وارتباطه بالحركة الوطنية، وإن كانت قد تجلّت أكثر خلال سنوات حكمه.     

خطأ القراءات خارج السياق التاريخي 

  وقبل الحديث عن بعض المعالم الأساسية والسمات القيادية للرئيس عبدالله السلال خلال هذه الفترة، التي لم تزد عن خمس سنوات، لا بد من الإشارة إلى ملاحظة بالغة الأهمية فيما يتعلق بعدد غير قليل من القراءات التي تناولت سيرة حياة الشخصيات الكبيرة في الحركة الوطنية اليمنية، وأدوارها النضالية، في مختلف المراحل الزمنية. والملاحظة هي أن هذه القراءات عادةً ما تقع في خطأ تجاهل السياق التاريخي للأحداث، وتجاهل مجمل العوامل الخاصة والعامة التي شكّلت بيئة هذه الأحداث وأثَّرت في الشخصيات التي لعبت دورًا كبيرًا في رسم معالمها. 

  ولا يبدو أن تجاهل السياق التاريخي كان مقصورًا على مجموعة الأحكام والاستخلاصات التي أنتجتها هذه القراءات حول تاريخ اليمن المعاصر وحسب، بل يكاد يكون سمة لمعظم القراءات التي تناولت تراثنا العربي والإسلامي ككل. فمما لا شك فيه أن محاكمة الماضي بأدوات الحاضر هو خطأ، له نفس جسامة خطأ محاكمة الحاضر بأدوات الماضي. 

  ولم يكن الرئيس السلال بمعزل عن خطأ هذ النوع من القراءات وما ترتب عليها من الحكم عليه، أو محاولة فهم مكانته وأسلوبه القيادي خارج اللحظة التاريخية التي ظهر فيها، بما في ذلك تلك القراءات التي مجدته أو التي حاولت التقليل من دوره، مثله مثل الكثير من رموز الحركة الوطنية، بل وحتى من شخصيات العهد الإمامي التي جميعها تُشكِّل أجزاءً مهمة من تاريخنا وتراثنا الوطني. 

قائد ثورة أم رئيس دولة؟ 

  بعد هذه الإشارة يمكننا في السياق التاريخي للحركة الوطنية ككل، والثورة السبتمبرية على وجه الخصوص، أن نتفهم الطرح الذي يقول إن السلال قاد ثورة أكثر من كونه ترأّس دولة. وبين مفردتي "الثورة" و"الدولة" مسافةٌ كبيرة، وتفاصيلٌ كثيرة، وأحداثٌ عظيمة امتدت ما بين 26 سبتمبر/ أيلول 1962 إلى 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 1967، وهي الفترة التي ورثت خلالها الجمهورية الوليدة وضعًا في منتهى الصعوبة، سواء في شقها الثوري التأسيسي أم في سعيها لبناء دولة حديثة من الصفر تمامًا؛ دولة تقوم بتوفير احتياجات الشعب اليمني من خدمات أساسية كان في أمسّ الحاجة إليها بعد حرمانه منها لعقود، إن لم يكن لقرون طويلة.  

  وليس أدلّ على ما كان عليه الحال، وما ورثته الجمهورية عشية إعلان الثورة، من وصف الرئيس عبدالرحمن الإرياني في مذكراته، إذ يقول: "ترك الإمام ]أحمد[ البلاد في وضع متخلف لا نظير لتخلفه في العالم، فلا جهاز حكومي ولا مدارس ولا مستشفيات ولا طرقات ولا أي شيء من مقومات الحضارة الحديثة. لم يخلّف في البلاد مشروعًا حيويًّا واحدًا، بل خلف السجون والمعتقلات والأغلال والأصفاد، ترك الفقر والجوع والجهل والمرض والرشوة والفساد، ترك كل ما يمسخ مقومات الأمة ويفسد أخلاقها، فكان لزامًا على الجمهورية الفتية أن تبتدئ كل شيء من الصفر لإعادة البناء من جديد"(1). 

  إذن هذا هو الوضع الإداري الذي ورثه الرئيس السلال عن الإمامة، والذي لخصه د. عبدالعزيز المقالح بعبارة بسيطة: "لا دولة، ولا جهاز دولة"(2). ومن نافل القول أنه لا يمكن لأي قائد أو رئيس في مثل هكذا وضع مليء بالتعقيدات إلا أن يواجه جبالًا من التحديات، وأن يتعرض إلى صنوف من الأخطار والمؤامرات، فما بالك إذا كان هذا الرئيس منصرفًا إلى ما هو أكثر أهمية وأولوية في حينه، ألا وهو إنجاح الثورة وإرساء واقع الجمهورية الجديدة، إذ يخطئ من يعتقد أن ثورة وجمهورية 26 سبتمبر كانتا قد تحققتا بعد إعلانهما وفرار ولي العهد محمد البدر من صنعاء، واعتراف معظم دول العالم بهما. فالثورة والجمهورية، كما تخبرنا به وقائع التاريخ، كانتا دائمًا على مهب الرياح العاتية، والتحديات الشرسة، القادمة من كل اتجاه ولسنوات طويلة.  

  ومن هذا المنطلق وحده، ينبغي أن تتحدد معالم القراءات الموضوعية لشخصية عبدالله السلال، ودورها القيادي خلال فترة حكمه القصيرة التي كانت كلها سنوات تأسيس وحروب أكثر من كونها سنوات إدارة وتنمية، وهي بالتالي تختلف اختلافًا جذريًّا عن السنوات الجمهورية التي تلتها، والتي وإن لم تشهد استقرارًا سياسيًّا كاملًا، إلا أنها لم تواجه نفس حجم وجسامة التحديات التي واجهتها الخمس السنوات الأولى من الثورة ومن بناء دولة الجمهورية الجديدة. من هذا المنطلق ينبغي أن تُدرس شخصيته القيادية ومدى نجاحه أو إخفاقه في تحقيق واجبه الأول والأهم، ألا وهو نجاح الثورة وتثبيت النظام الجمهوري، وهو الهدف الذي كان ينبغي أن يتحقق من أجل تحقيق بقية أهداف الثورة المعلنة، فمن المنطقي أنه لا يمكن لأي ثورة أن تحقق أهدافها إذا كانت هي نفسها لم تتحقق أصلًا. 

هل كان الرئيس السلال خاضعًا للإرادة المصرية حقًّا، ومتماهيًا مع أخطائها، كما تحاول بعض الكتابات أن تعكسه، أم أن الأمر يعود إلى مجمل الظروف والوقائع التي حتّمت عليه ترأُس تيار وطني آخر ظلَّ متمسكًا بالتواجد المصري العسكري والمدني

  السلال، مصر، وعبد الناصر

  تكمن معظم الانتقادات التي وجهت للسلال، ولطريقة إدارته للثورة والدولة الوليدة، في علاقته بعبدالناصر، وفي موقفه وتعاطيه مع التواجد المصري العسكري في اليمن، وهي الانتقادات التي نجدها مبثوثة في عدد من المؤلفات والمقالات والمذكرات الشخصية لسياسيين ومناضلين، بمختلف مكاناتهم وأدوارهم ومعايشتهم للسلال نفسه. بعبارة أخرى، كان السلال عرضة للانتقاد والهجوم من ذلك التيار الذي وقف بعض مؤيديه موقفًا واضحًا ضد التدخل المصري في اليمن، بينما البعض الآخر كان ضد الممارسات وطريقة إدارة مصر وأجهزتها العسكرية لهذا التدخل. ونحن طبعًا هنا نستثني الانتقاد والهجوم والحملات المنظّمة التي شنّها أعداء الثورة والجمهورية على السلال كقائد ثوري عنيد، فهذه الحملات متوقعة وفي سياقها الطبيعي والمتبادل بين الخصوم والأعداء. 

  لكن هل كان السلال خاضعًا للإرادة المصرية حقًّا، ومتماهيًا مع أخطائها، كما تحاول هذه الكتابات أن تعكسه، أم أن الأمر يعود إلى مجمل الظروف والوقائع التي حتّمت عليه ترأُس تيار وطني آخر ظلَّ متمسكًا بالوجود المصري العسكري والمدني، ومؤمنًا بحتمية فشل الثورة إذا غاب أو ضَعف هذا التواجد أو الدعم الخارجي المباشر؟ 

  ولكي نصل إلى إجابة عن هذا السؤال، لا بد أن يتم استعراض دور السلال وأسلوبه في إدارته للثورة في شأنها الداخلي، وتعامله مع مكوناتها المختلفة من عسكريين وسياسيين ومشايخ ومدنيين، إلى جانب دوره في إدارة العلاقات والسياسات الخارجية للثورة وللجمهورية، ومجابهته لمجمل التحديات الكبيرة والأخطار الجسيمة الداخلية والخارجية، التي كانت تهدد نجاح الثورة كل يوم. أضف إلى ذلك، البنية التحتية المدنية والعسكرية التي كان ينبغي –كما سبقت الإشارة لذلك- بناؤها من الصفر، ورؤية السلال من كل هذا وإيمانه بحتمية استمرار التواجد والدعم المصري، الذي بدأ بعد أيام قليلة من قيام الثورة حتى انسحاب الجيش المصري من اليمن عام 1967.

لا يتوقع أحد أن يسعى السلال، أو أي قائد حقيقي، إلى إرضاء الجميع، فقد كان عليه أن يفعل ما يعتقده صوابًا، وهذه اشتراطات القيادة، وما كان يتطلبه الوضع لكي تستمر سفينة الثورة في الإبحار في خضم العواصف 

سلامة الثورة ودفة القيادة 

  تخبرنا كل الكتابات التاريخية أن السلال كان يقدّم تنازلات كبيرة لاحتواء الصراعات الداخلية في الصف الجمهوري، وهي الصراعات التي ظهرت منذ وقت مبكر، ولم تكن مجرد تكهنات أو إرهاصات أو اختلافات في وجهات النظر وحسب، بل كانت صراعات حقيقية حملت في طياتها قدرًا كبيرًا من الخطورة والانقسام.

  والمطّلع على كتابات بعض الثوار والشخصيات القيادية المعروفة، يستطيع أن يلاحظ بوضوح أن الرجل كان يدير دفة الثورة بصفته الرسمية كرئيسٍ للبلاد، والثورية كقائدٍ عسكري، والشخصية بوعيها الاجتماعي، والإقليمية كأحد الزعماء العرب المقربين من عبدالناصر. ولسنا هنا بحاجة إلى توضيح من هو عبدالناصر في تلك الفترة، ولا أهميته أو حجم جماهيريته العابرة للحدود، ولا مكانته في حركة التحرر العالمية أو ثقله السياسي في العالم، كما أننا لسنا بحاجة إلى توضيح حضوره في ذهن وعقل وروح الشعب اليمني وطلائعه الثورية، ومختلف شرائحه الاجتماعية وقواه السياسية، فذلك الاستقبال التاريخي الذي استُقبِل به عبدالناصر في زيارته لليمن بعد عامين من قيام الثورة، كفيلٌ بأن يوضح مدى تجذّر حب اليمنيين له ومكانته بينهم.   

  وفي تلك الكتابات والمذكرات، نقرأ كيف أن الجميع، بمختلف مناصبهم ومرجعياتهم السياسية والاجتماعية، وحماسهم وانفعالهم الثوري، كانوا يأتون إلى الرئيس السلال بمختلف الأفكار والمطالب والاعتراضات والاقتراحات والمواقف، بل وحتى القرارات والأوامر، وهي التي في مجملها تكون في كثير من الأحيان متضاربة النوايا والتوجهات. وكان على الرجل إزاء كل هذا أن يتعامل معها بحزمٍ ولين، بشدةٍ ومرونة، بشجاعةٍ وحكمة، بقلقٍ ومرَح في الآن نفسه، حتى أنه كان لا يتردد في إطلاق الدعابات والنكات والتهكم في أشد المواقف خطورة، وهو دليلٌ على رباطة جأشه، وسعة صدره، وثقته في نفسه، والأهم، على إيمانه الراسخ بقضيته، ووعيه المتقدم بالأحداث من منظورٍ كلي لا تشوشه التفاصيل وتعقيداتها. والحق أن هذه الصفات لم تكن من سماته القيادية بعد الثورة وحسب، بل كانت جزءًا من شخصيته التي تربى عليها ومارسها في مختلف مراحل حياته. وهنا يمكن فقط، كمثال، أن نذكر ما أورده حسين المقبلي في مذكراته كيف كان السلال رابط الجأش، رغم التوتر والقلق الذي كان يعصف بالجنود المكلّفين من قبل الرئيس جمال جميل بحماية مطار صنعاء بعد ثورة 1948، وكيف أن السّلال بعد أن أكمل مهامه وأصدر تعليماته للجنود، عاد إلى خيمته "وكان مرِحًا غير متجهم، ينكّت ويضحك وكأن شيئًا لم يكن"(3).  

وبالتأكيد لا يتوقع أحد أن يسعى السلال، أو أي قائد حقيقي، إلى إرضاء الجميع، فقد كان عليه أن يفعل ما يعتقده صوابًا، فهذه هي اشتراطات القيادة، وهذا ما كان يتطلبه الأمر لكي تستمر سفينة الثورة في الإبحار في خضم العواصف العاتية. 

  وقد يكون من الجدير بنا أن نتذكر أن فترة ما بعد الثورة قد اتسمت في كثير من جوانبها بالفوضى والارتجال، واكتنفتها حالة من الأخطاء والتسارع والهيجان والعنف والانتقامات، وهي الحالة التي عادة ما تصاحب الثورات في تلك الحقبة الزمنية من تاريخ العالم والمنطقة العربية، التي تعترف بها مجمل القراءات نفسها التي انتقدت السلال. فها هو الرئيس عبدالرحمن الإرياني في مذكراته يصف تلك المرحلة قائلًا: "كان الأمر أشبه بالفوضى والأوامر تصدر من أكثر من جهة"(4)، ناقلًا مقولة اشتهرت للشاعر عبدالله عبدالوهاب نعمان، وهي: "لقد صرفوا الإمام إلى أربعين إمامًا كما يُصرف الريال إلى أربعين بقشة"(5). ويوضح الإرياني كيف أنهم عندما اعترضوا على السلال قبوله بما كانوا يرونه تماديًا من عبدالرحمن البيضاني، عليه شخصيًّا وعلى مجلس قيادة الثورة، ردَّ قائلًا بأنه مدركٌ لذلك، لكن كل ما كان يهمّه هو سلامة الثورة، وأنه مستعد أن يتنازل عن القيادة للبيضاني إذا كان هذا ما تريده القاهرة، فالمهم هو أن تظل مصر إلى جانب الشعب اليمني في تحقيق فرصته الثمينة للانعتاق والتحرر(6). ويذكر الإرياني أيضًا أنه عندما رفض التوقيع على قرار مغادرة بعض القادة الثوار، وهو القرار الذي كان يعرف أن البيضاني يقف وراءه، قال له السلال: "هيا وقّع يا قاضي عبدالرحمن، وسيأتي اليوم الذي يخرجونا ويخرجوك"(7)، في تهكّمٍ قاسٍ يعكسُ وعيًا كبيرًا بحجم التحديات، ورسالةٍ واضحة بعثها لمن يقف وراء مثل هذه القرارات. 

  من أجل "سلامة الثورة" إذَنْ، كان على السلاّل، الذي أجهدته الأحداث وثقل المسؤولية، أن يتعامل مع كل هذه التعقيدات بصبر وشجاعة وحكمة. والسؤال هنا، وهو سؤال يمكن أن يتكرر دائمًا: ماذا كان سيحدث يا ترى لو أن شخصًا آخر غير السلال كان في مكانه؟ ماذا لو كان أحد منتقديه هو من استلم دفة القيادة في تلك الفترة بدلًا عنه؟ هل كان الأمر سيتغير؟ وهل كان الأداء سيكون أفضل بالضرورة أم ربما يكون أسوأ؟ هل فكَرتْ تلك الشخصيات المناضلة التي انتقدت السلال ووقفت ضده، بغض النظر عن إيمانها بصواب موقفها من عدمه، أنها كانت إحدى المعوقات والمصاعب والتحديات التي كان لزامًا عليه أن يتعامل معها؟ 

إن القراءة المتأنية والواعية والمحايدة ستوصلنا إلى استنتاج مهم وهو أن الرئيس السلال، دون أي استنقاص من قدر الآخرين، كان هو الأنسب لقيادة الثورة والجمهورية في مرحلتها الأولى، بشجاعته وصبره وتاريخه وجماهيريته وحب الملايين له، وبمجمل خبراته العسكرية، وخلفيته الإدارية والثقافية والاجتماعية والسياسية، التي ساهمت جميعها في تشكيل رؤاه وقناعاته وقراراته وسمات إدارته في العمل الثوري وأسلوب قيادته وإدارته للدولة الحديثة.  

كان السلال معايشًا للتبعات المأساوية التي أعقبت فشل ثورة 1948، ورأى كيف تم التنكيل بالأحرار، لهذا كان مدركًا عواقب فشل ثورة سبتمبر، ليس على الأحرار وحسب، بل على الشعب اليمني عمومًا

الخاتمة 

يقول الشهيد جار الله عمر عن السلاّل: "كان رجلًا عسكريًّا طيب القلب وتلقائيًّا، مخلصًا للثورة، واضطلع بأعباء كبيرة أثناء الحرب الأهلية وقيادة المعارك، وكان يتمتع برباطة جأش؛ لأنّ المعارك كانت مستعرة في كل مكان تقريبًا"، مضيفًا خلاصة رأيه بوضوح: "لا أظن أحدًا كان يستطيع القيام بالدور الذي قام به السلال؛ لأنّ الحرب والمعارك ضد الملكيين كانت هي القضية الأساسية، إذ لم يكن هناك في الحقيقة أية اهتمامات أخرى لا في مضمار التنمية ولا في أي مجالات أخرى". أما عن الدور المصري في اليمن، فيؤكد جار الله أنه إلى جانب المشاركة في الحرب، فقد خلق هذا التواجد "نواة الإدارة لأول مرة في اليمن، كما ساهم في انتشار التعليم الإعدادي والثانوي بمناهجه الحديثة، وكان هذا عملًا تحديثيًّا وحضاريًّا كانت اليمن بحاجة إليه، لأن التخلف كان شاملًا ومتمكنًا من كل حياة اليمن". وعن علاقة السلال بعبدالناصر وتمسكه بالوجود المصري يقول: "كان ]السلال[ سياسيًّا واقعيًّا، فقد كان يدرك أنه لولا التأييد المصري للثورة، فإنها كانت سوف تسقط في عامها الأول"(8)، وهو الرأي الذي كان يشاطره فيه معظم قيادات العمل الوطني والمفكرين والدارسين لمسيرة الثورة اليمنية. يقول د. عبدالعزيز المقالح إن فشل انقلاب 1948، كان حتميًّا، "لا لأنه لم يمثل رغبة شعبية جارفة، ولا لأنه كان سابقًا لأوانه، وإنما لأن أنظمة عربية رجعية وخاضعة للاستعمار كان يهمها أن يظل اليمن في سباته العميق، وأن تظل شعوبها بعيدة عن رياح الثورة وأنباء التغيير، ثم لأن المناضل عبدالناصر لم يكن قد ظهر بعد؛ لذلك كله، فقد سقط الانقلاب مضرجًا بدماء أبطاله... وسقطت صنعاء"(9).  

  حتى بعض أولئك الذين كان لهم موقفًا معارضًا للتواجد المصري، يعرفون حتمية هذا التواجد لنجاح الثورة وإقامة الجمهورية، فها هو الرئيس عبدالرحمن الإرياني نفسه يقول عن المصريين في رسالة وجهها للسلال: "أما الإخوة العرب ]المصريون[ الذين أسدوا الجميل وزرعوا المعروف، فأي إنسان له شرف وضمير ودين يسمح لنفسه بأن ينكر جميلهم بأي لون من ألوان الإنكار أو التنكر. لقد قلنا وما زلنا نقول، إنّا مدينون لهم بحياة ثورتنا وسلامتها من الفشل الذي كان حتميًّا لولا وجود القوات العربية"(10). 

استدراكات هامة على هامش قراءة مستعجلة 

  أولًا: في صباح يوم الثورة، يأمر السلال بفتح قصر السلاح وإمداد الثوار بالذخيرة التي نفدت عليهم خلال المعارك المحتدمة مع القوات الملكية وحرس الإمام. يقول المقالح: "لو لم تحدث المعجزة ويستطيع الأمر الموقّع من السلال أن يفتح قصر السلاح، لكانت الثورة قد انتهت في ظهر ذلك اليوم"(11).     

ثانيًا: كان السلال معايشًا للتبعات المأساوية التي أعقبت فشل ثورة 1948، ورأى كيف تم التنكيل بالأحرار، لهذا كان مدركًا عواقب فشل ثورة سبتمبر، ليس على الأحرار وحسب، بل على أبناء الشعب اليمني الذين انتفضوا هذه المرة على حكم الإمام وأيّدوا الثورة وشاركوا فيها. لهذا قاوم كل الضغوط الداخلية والخارجية واستمر رغم كل الأخطار، في قناعاته الراسخة بأهمية استمرار الدعم المصري للثورة، وهو الدعم الذي بدونه لسقطت الثورة في عامها الأول.  

ثالثًا: مما سبق نستنتج أنه لولا الأوامر التي صدرت عن السلال بفتح قصر السلاح لفشلت الثورة في يومها الأول، ولولا التدخل المصري في اليمن الذي وقف السلال معه لفشلت الثورة في عامها الأول، وبين اليوم الأول والعام الأول، وما تلتها من أعوام، كان السلال هو قائد هذه الثورة، ورئيس جمهوريتها الجديدة، ورفيق مناضليها، وزعيم شعبها اليماني الثائر إلى أبد الآبدين.   

أخيرًا: ضمن مجموعة الصور القديمة للثورة السبتمبرية، هناك صورة يقف فيها السلال شامخًا، وهو يؤدي التحية العسكرية فوق دبابة كُتب عليها بخط عريض "السلال". أمعنتُ النظر كثيرًا في الصورة وأيقنت مبتسمًا أن السلال كان هو دبابة الثورة في وجه أعدائها، أعداء الجمهورية، أعداء اليمن، أعداء شعبها المتطلع إلى حقه في الحرية والكرامة والتقدم. 

.........................

*  من بيت شعري للبردّوني من قصيدة "ذات يوم": فولَّـى زمانٌ كعِرضِ البَـغـيِّ   وأشرقَ عهدٌ كقلبِ النَّبـي.

**  من بيت شعري للمقالح من قصيدة "ثأرتِ ياصنعاء".

([1] مذكرات الرئيس القاضي عبدالرحمن بن يحيى الإرياني، الجزء الثاني، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب 2013، ص58.

([2]  د. عبدالعزيز المقالح، عبدالناصر واليمن، فصول من تاريخ الثورة اليمنية، دار الحداثة، الطبعة الثانية،1986، ص16.

[3]) حسين محمد المقبلي، مذكرات المقبلي، دار الفكر، 1986، ص183.

[4]) مذكرات الرئيس القاضي عبدالرحمنبن يحيى الإرياني، (مصدر سابق)، ص22.

[5]) المصدر نفسه، ص 71.

[6]) المصدر نفسه، ص 32.

[7]) المصدر نفسه، ص 35.

[8]) من مذكرات جارالله عمر، الدفاع عن الجمهورية اليمنية، مجلة بدايات،العدد ١٦، ٢٠١٧.

([9] د. عبدالعزيز المقالح، مصدر سابق، ص 18.

([10] مذكرات الرئيس القاضي عبدالرحمن بن يحيى الإرياني، مصدر سابق، ص103.

([11] د. عبد العزيز المقالح، مصدر سابق، ص 105.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English