ثقافة المُنَاوَأة في الفلسفة لا تخدم الحقيقة

عن الفرق بين إنضاج الأفكار والقضاء عليها بالنقد العدائي
ترجمات
September 26, 2020

ثقافة المُنَاوَأة في الفلسفة لا تخدم الحقيقة

عن الفرق بين إنضاج الأفكار والقضاء عليها بالنقد العدائي
ترجمات
September 26, 2020

مارتن لينز

أستاذ تاريخ الفلسفة بجامعة غرونينغن– هولندا

ترجمة: ربيع ردمان


     كثيرا ما تنطوي المناقشات الفلسفية، سواء أكانت تتم في سياق متخصص أو في المقهى، على استدعاء الأخطاء في كل ما يتم طرحه من أفكار، إذ تأتي الردود مسبوقة عادة بعبارة: «كل هذا جيد للغاية، ولكن...»

    غالبا ما يتم الاحتفاء بنمط المناوأة هذا باعتباره نمطا يساهم في الوصول إلى الحقيقة، بحيث يبدو أن استبعاد الافتراضات الزائفة كما لو أنه ضمانة لحيازة الحقيقة في ساحة تصارع الأفكار. وعلى الرغم من أن هذه ممارسة واسعة الانتشار إلى حد ما ( حتى أنا أمارسها الآن)، فإنني أشك في أن هذا النهج مثمر بوجه خاص في المناقشات الفلسفية. إن عدم إحراز تقدم في التبادل الفلسفي القائم على المناوأة قد يستند إلى تقسيم بسيط للعمل، ولكنه ينطوي على إشكالات؛ ففي السياقات المتخصصة مثل المحادثات، والحلقات الدراسية، والأوراق البحثية، ننتقد وجهات النظر التي يتبناها الآخرون ونغض الطرف عن آرائنا الخاصة. وفي الوقت نفسه، فمن الواضح أننا حين نقترح فكرة ما، نُجازف بسمعتنا العلمية بشكلٍ أكبر مما لو وجهنا انتقادا إلى فكرة قائمة. وهذا من شأنه أن يعمل بشكلٍ ممنهج على تثبيط أصحاب الأفكار (الجديدة). 

     عادة ما ينشأ هذا النقد القائم على المناوأة نتيجة الفهم الثنائي للأفكار، فالدعاوى إما صحيحة أو خاطئة؛ والحجج أيضا إما أنها مقنعة أو غير مقنعة. وإذا كان هذا الفهم صحيحا، فإن استبعاد وجهات النظر الزائفة أو غير المقنعة، يبدو بالفعل وكأنه سيمنحنا أفكارا صحيحة. ولو كان الأمر كذلك، لكان النقد في الواقع نهجا سديدا للرد على من يجترح فكرة جديدة. لكن إلى أي مدى ينجح هذا النهج عند الممارسة العملية؟ 

  قامت الفيلسوفة كاثرين هوندليبي Catherine Hundleby من جامعة وندسور في أونتاريو، بتحليل الكيفية التي يتم بها تعليم الطلاب الجدال العلمي، وانتهت إلى أن "تصحيح البرهان"، أي عمل صاحب المقترح على مراجعة برهانه في إطار الرد على الانتقادات، يتم إغفاله بدرجة كبيرة. وعوضا عن ذلك يتم التشديد على أدوات ليس لها وزن لتقييم الحجج من خلال وضع "تسميات مضللة" عليها. وهذه حصيلة قليلة النفع ومخيبة للتوقعات المرجوة منها، فهي سلبية تماما.

     مع ذلك، قد تعتقد أنه إذا كانت الحجج والدعاوى تعاني من الاختلال، فإن الإشارة إلى جوانب الضعف سوف يجبُر اختلالها في نهاية المطاف، فكيف، إذن، يتجاوب أنصار صناعة الأفكار الجديدة مع النقد؟

  انطلاقا من تجربتي الشخصية، يمكنني القول بوضوح إن الفلاسفة أكثر ميلا إلى الدفاع عن موقفهم من محاولة توضيحه. غير أن رد الفعل النموذجي الذي ينبغي على الكاتب اتباعه عند تعرض دعواه للنقد، هو أن يعمد إلى تقييد نطاق موضوعه أو التخفيف من حدة تأكيداته أو تعديل المنظورات. فالفكرة تمرُّ بأطوار من التنقيح أثناء فترة إعدادها وقبل أن تغدو موضع نظر الآخرين. ولأن تقديم دعاوى جريئة قد ينطوي على مخاطر تمس بالسمعة العلمية، فليس من الغريب أن يسعى أصحاب الدعاوى إلى سدّ ما قد يعتورها من ثغرات وتنظيمها بحيث تغدو متناغمة مع ما يُعدّ مقبولا ومناسبا. وكما أشار تيم كرين Tim Crane  من جامعة كيمبريدج، في مقالته "نغمة الفيلسوف" (2018)، فالمراجعات النقدية التي يقوم بها زملاء الاختصاص يكون لها التأثيرات ذاتها لأن المؤلفين يحاولون استباق كل اعتراض ممكن، وبذلك فالحيز الذي ينبغي أن يُفرد لبناء الأفكار الأصيلة، تتقلص مساحته باستمرار.

ما يبعث على القلق ليس أننا نبقي على الكثير من الخيارات المطروحة، بل أننا نتخلى عن الأفكار في وقتٍ مبكر بدل العمل على إنضاجها

     بإمكانك أن تعترض بالقول إن هذا لا يمثل مشكلة. والواقع أن سدّ الثغرات قد يدفعنا إلى التخلص من الاعتقادات الأكثر حدةّ مع بقاء الدعوى مواتية للحقيقة. غير أن هناك حيثيات وجيهة لافتراض أن الناس يميلون إلى التواؤم مع الوضع الراهن المتصور حتى مع وجود الأدلة التي تثبت عدم صحته. ففي خمسينيات القرن العشرين أجرى العالم سولومون آش Solomon Asch ، اختصاصي علم النفس الاجتماعي، تجاربه الشهيرة على الامتثال. كان يتوجب على الأشخاص المشاركين، القيام بحل مهام إدراكية بسيطة إلى حدٍ ما، ولكن العديد منهم قدموا إجابات خاطئة من أجل التوافق مع الفريق؛ فقد تجاهلوا الأدلة التي كانت متاحة أمامهم لكي لا يحيدوا عن الوضع الراهن. ومنذ ذلك الحين، كانت التجارب تتكرر في ظل ظروف مختلفة، وظلت النتائج نفسها، مما يبين لنا الآثار الضارة المترتبة عن الضغوط الاجتماعية.

     وبالنظر إلى هذه الحقائق النفسية، أجد أن من الصعوبة الاعتقاد بأن التعرض لانتقادات شديدة سوف يفضي إلى الحقيقة. وإذا كان غاية ما يطمح إليه الفلاسفة الأكاديميون، فيما يبدو على الأقل، هو مشاكلة الأفكار المشتركة، فيتعين علينا أن نتوقع ما نشهده غالبا في كتابات أنصار الأفكار الجديدة: تخفيف حدة الدعاوى وتنظيمها في إطار الحس المشترك المتصور.

     لكن حتى لو كان النقد القائم على المناوأة يرمي إلى التحفيز على الامتثال في كثير من الأحيان، فهذا لا يجعل البحث عن الأخطاء أمرا غير صحيح. فإذا تبين لنا أن هناك خطأ ما، فنحن في نهاية المطاف نكون قد توفرنا على معرفة أكثر من ذي قبل. أو هكذا قد يقول أحدهم. غير أن اكتشاف الخطأ لا يجعل الدعوى المقابلة صحيحة تلقائيا. إذا أقنعتني أن "ع" خاطئة، فقد تبيّن لي أن "ع" خاطئة. ولكن هذا لا يعني أن "س" صحيحة. أعتقد أن الفكرة القائلة بأن النقد يفضي إلى الحقيقة تنجح في حالة ما إذا كانت الدعاوى العملية حول موضوع معين، محدودة العدد. إذا كان لديك عشرون دعوى وقمت باستبعاد واحدة منها، فعندئد يبدو أنك قد أحرزت تقدما ملموسا. ويتوجب عليك حينها الانصات فقط، إلى التسع عشرة الأخرى. لكن إذا افترضنا وجود قدرات معرفية محدودة في عالم متغير باستمرار، وخيارات لإعادة صياغة الدعاوى وإعادة موضعة سياقها، فأظن أن عدد الدعاوى والحجج سيكون غير محدود.

     ما يبعث على القلق ليس أننا نبقي على الكثير من الخيارات المطروحة، بل أننا نتخلى عن الأفكار في وقتٍ مبكر بدل العمل على إنضاجها. وكما لاحظ الفيلسوف رالف جونسون، وهو أيضا من جامعة وندسور، فإن كل حجة عرضة لنقد محتمل. وإذا كان هذا صحيحا، فإن الأخطاء أو خيارات العثور عليها كثيرة. وعلى النقيض من ذلك، فالدعاوى الفلسفية التي لن تجد من يطعن فيها نادرةٌ للغاية. (في الواقع لا يمكنني التفكير في واحدة منها). وهذا يعني أن أنصار الأفكار الجديدة، على خلاف المنتقدين، يعانون من المعوقات على نحوٍ منتظم. لكن هذا لا يرجع إلا إلى أسباب تتعلق بالوضع في هذا المجال. ففي ميدان الفلسفة على الأقل، من المرجح أن يقع المرء في الخطأ أكثر من أن يصيب. ورغم أن هذا قد يبدو محبطا، فإنه يكشف لنا جانبا عن طبيعة الدعاوى الفلسفية؛ ولعل الغاية من الحجج الفلسفية ليس الوصول إلى الحقيقة في نهاية المطاف، بل الحكمة، أو شيء من هذا القبيل.

النقطة المهمة هنا هي أن الانتقادات الودية، لا المناوئة، من الممكن أن تؤخذ على أنها أفضل تعبير لمحاولات المرء الأولى لصياغة الفكرة، بدلا من محاولة القضاء عليها بشكلٍ عدائي

     ومهما يكن المغزى من الدعاوى والحجج، فلا بد أن يكون من الواضح أن ثقافة المناوأة تقوم على أفكار مشكوك في صحتها. وحتى لو طرحنا جانبا، المخاوف الأكثر براجماتية وسياسية التي يثيرها الامتثال، فإن الفكرة المضللة القائلة بأن استبعادَ التلفيقات هو جسرُ العبور إلى الحقيقة، تجعل الفلسفةَ مشروعا شاقا ومثيرا للرهبة. فماذا بوسعنا أن نفعل؟ ربما تكمن الاستجابة المعقولة إزاء هذا الأمر في توجيه النقد، لا باعتباره مناوئا للفكرة أو داعما لها، بل ينبغي النظر إليه بوصفه جزءا لا يتجزأ من الأفكار.

     كيف يمكننا تنفيذ هذا النهج؟ من ناحية، يتطلب هذا رؤية شاملة للأفكار؛ فالفكرة ليست مجرد دعوى فردية، بل إنها تتصل اتصالا وثيقاً بعدد من الدعاوى والافتراضات والتداعيات الأخرى. من الأمثلة الجيدة على ذلك، تقاليد التعليقات في فلسفة العصور الوسطى. فالتعليق لا ينتقد أو لا يوجه النقد بشكلٍ أساسي إلى الدعوى، بل يشير إلى بعض المسائل بطريقة أو بأخرى. على سبيل المثال، يختلف تعليق وليم الأوكامي (1287- 1347) حول منطق أرسطو بشكل واضح عن تعليق توما الأكويني (1225- 1274). لكن الأمر لا يقتضي أن أحد التعليقين كان خاطئا؛ بل إنهما يقدمان طريقتين مختلفتين في تقديم الدعوى، وقد أصبحتا جزءا من الفهم المحتمل لأرسطو.

    ومن ناحية أخرى، يتطلب هذا الأمر موقفا أكثر مرونة في التعامل مع مسألة التأليف؛ فإذا كنت تناقش فكرة مع أصدقائك، وقمتَم بطرح الأمثلة التوضيحية، والتهكم على الانتقادات، والتكهن بالدعاوى العميقة، فلمن ستنسب الفكرة في نهاية الأمسية؟ قد يكون الجميع ساهموا في صياغة أولية للفكرة بحيث لم يتركوا منها شيئا إلا وتناولوه بالنظر والنقاش. وبهذا المعنى فكثيرا ما يشترك في صياغة الأفكار مؤلفون عديدون. وفي مثل هذه الظروف الودية، فإن رد الفعل الشائع إزاء الانتقادات التوضيحية لا يشكل وسيلة دفاعية، بل هو أمر على غرار: "صحيح، هذا هو ما كنتُ أقصد أن أقوله في واقع الأمر!" فالنقطة المهمة هنا هي أن الانتقادات الودية، لا المناوئة، من الممكن أن تؤخذ على أنها أفضل تعبير لمحاولات المرء الأولى لصياغة الفكرة، بدلا من محاولة القضاء عليها بشكلٍ عدائي. وهذا لا يعني أنه ليس هناك فكرة زائفة أو سيئة، بل يعني أن بإمكاننا أن نتأكد من أن الفكرة قد خضعت للفحص الدقيق المسبق.

     حينما ننظر إلى الانتقاد بوصفه جزءا من الدعوى، فإن ذلك يعني تغييرا في الموقف التقييمي من الأفكار فضلا عن الموقف من أنصارها. وكلما كان بإمكاننا أن نمارس اللعب والتنقيح مع الدعوى، صار بوسعنا أن نفهم تداعياتها بشكلٍ أكبر. وينبغي ألا تستمد الإمكانات المجازية الملائمة لتسمية هذه الممارسة الفلسفية من معجم الصراع، وإنما من معجم اللعب، حيث تعمل إعادة الابتكار وبراعة الاكتشاف على توجيه تفاعلاتنا. ولو صغنا نقاشاتنا الفلسفية على نمط التبادلات الودية التي تجري بين الأصدقاء بدلا من فكرة مجلس قضاء يسعى إلى تقويض فيلسوف يحمل فكرة، فإن ذلك سيؤدي إلى تنامي الطبيعة النقدية للفلسفة ورقيها بشكلٍ أكبر. 


العنوان الأصلي للمقال:

The adversarial culture in philosophy does not serve the truth ، ونشر في مجلة Aeon، 8 يناير/ كانون ثاني 2020.

رابط المقال الأصلي:

https://aeon.co/ideas/the-adversarial-culture-in-philosophy-does-not-serve-the-truth


•••
ترجمات

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English