أضرار المنخفض المداري لا تزال ماثلة في "وادي حجر"

ما الذي تبقى من ثلاثة ملايين نخلة في أكبر وديان ساحل حضرموت؟
سمية أحمد
September 24, 2020

أضرار المنخفض المداري لا تزال ماثلة في "وادي حجر"

ما الذي تبقى من ثلاثة ملايين نخلة في أكبر وديان ساحل حضرموت؟
سمية أحمد
September 24, 2020

خلال الصيف المنصرم، طالت أضرار السيول مختلف محافظات ومناطق اليمن، ومنها محافظة حضرموت؛ كبرى محافظات اليمن.

 وشهدت حضرموت مطلع يونيو/ حزيران 2020، منخفضًا مداريًّا قويًّا ومفاجئًا، كان لمديريتي "حجر" و"بروم - ميفعة"، النصيب الأكبر منه. أمطار بغزارة غير مسبوقة، لم تعرف المنطقة مثيلًا لها منذ ما يقارب المئة عام – حسب إفادات عدد من الأهالي. تجاوز منسوب المياه المتجمعة من الأمطار حاجز 12 مترًا، وجرفت كل ما في طريقها من بيوت ومواشٍ وأشجار، وتسببت في تشريد كثير من الأهالي وتدمير ممتلكاتهم، ناهيك عن جرف الأراضي الزراعية، وتضرر منشآت من البنية التحتية في المناطق التي مرت فيها السيول، بما في ذلك الطرقات.

 حينها أعلن محافظ حضرموت اللواء الركن فرج سالمين البحسني، المحافظة منطقة منكوبة على الفور. وعلى الرغم من مرور قرابة الأربعة أشهر من حدوث الكارثة، إلا أن أضرارها ما زالت ماثلة في المكان، خصوصًا في وادي حجر، ولا يزال الأهالي يعيشون معاناة تلك الأضرار وكأنها حدثت بالأمس، إذ يجدون صعوبة بالغة في التنقل والحصول على مياه شرب نقية، علاوة على بقاء الكثيرين منهم دون مأوى إلى الآن.

قصص حية

"كل شيء راح (ذَهَبَ) مع السيل؛ الأثاث، غرف النوم، أدوات المطبخ، مخزون المواد الغذائية... كل شيء".

هكذا ابتدأ الحاج أحمد باعامر حديثه لـ"خيوط"، ردًّا على سؤال عن الأضرار التي لحقت به جراء الأمطار والسيول. ويضيف واصفًا ما حدث: "في تلك الليلة، وبسبب قوة الأمطار تهدم البيت فوق رؤوسنا بحجارته وأعمدته، معظم الأشياء جرفها السيل، ولم نتمكن سوى من إنقاذ القليل. استطعنا النجاة بحياتنا، ولكننا وجدنا أنفسنا بين ليلة وضحاها في العراء".

 بقي الحاج أحمد باعامر مع أسرته في العراء لأيام بعد تهدّم بيته، قبل أن تتكفل أحدى الجمعيات الخيرية بدفع إيجار بيت متواضع لأجل العائلة المشردة لمدة تسعة أشهر، لكنه لا يدري أين يذهب بعد ذلك. "الكثير من المسؤولين وممثلي المنظمات قاموا بزيارتنا عقب الكارثة، تحدثنا معهم عن الأضرار، فقاموا بتدوينها ورحلوا، وإلى الآن لا أحد قام بمساعدتي بأي شيء"، يضيف.

    مديرية النخيل، أو كما تعرف بأرض الثلاثة ملايين نخلة، من المفترض أن تعيش هذه الأيام (فصل الخريف) موسم جني التمور وغيرها من المحاصيل الزراعية، التي تزرع في الوادي الخصيب، لكن، وبفعل كارثة السيول، تضررت الأشجار كثيرًا هذا العام، العديد من أشجار النخيل أتلفت، بينما تحتاج قنوات الرعي والتربة لعمليات استصلاح كثيرة قبل أن تعود صالحة للزراعة مرة أخرى. في هذا الصدد يتحدث المزارع عبده مفتاح عبدالغالب لـ"خيوط"، عن فقدانه، مثل كثير من المزارعين، لأشجار النخيل والمانجو والذرة في مزارعهم. "التربة التي كانت معتدلة وصالحة للزراعة منذ عشرات السنين، أصبحت الآن وبفعل السيول محفورة وتحتاج إلى عمليات كثيرة ومكلفة لتسويتها وتعديلها، بما في ذلك مجرى الساقية الذي طمره السيل"، يقول عبدالغالب. 

حال الحاج باعامر والمزارع عبدالغالب، مثل حال العشرات من أهالي مديرية "حجر" الذين لحقت ببيوتهم ومزارعهم ومواشيهم، العديد من الأضرار، غير أن الكثيرين منهم امتنعوا عن الحديث لوسائل الإعلام، مبررين ذلك بعدم جدوى الأمر. 

  يوجد في مديرية "حجر" جسر شهير يسمى "جسر المعابر"، وبربط المديرية بباقي مديريات محافظة حضرموت. أهالي المديرية يسمونه "جسر الحياة"، وذلك لأهميته الحيوية في الحد من معاناتهم، خصوصًا في فترات تدفق السيول، التي كانت تتسبب في عزل الوادي عن باقي المناطق لفترات طويلة. الجسر الذي يبلغ ارتفاعه حوالي 13 مترًا عن سطح الأرض، كان شريان الحياة الوحيد للوادي فيما مضى، لكن سيول هذا الموسم غمرت الجسر لأول مرة منذ إنشائه، وأصبح التنقل بين حجر والمناطق المجاورة، عملية مستحيلة لعدة أيام.

    يحكي صالح باداؤود، وهو عضو اللجنة العليا لـ"مؤتمر حضرموت الجامع"، عن الوضع الذي عاشه وأسرته بسبب انقطاع هذا الطريق لدى عودتهم إلى البيت: "السيل فاق كل التصورات. منذ فترة طويلة لم نشهد مثل هذا السيل في المنطقة؛ فقد تسبب بغمر معظم المناطق، حتى جسر المعابر المعلق غُمر بالكامل. بقيتُ مع أسرتي عالقين ولا نستطيع عبور الجسر ليومين، ومعنا الكثير من الأهالي والمواطنين"، يضيف باداؤود في حديثه لـ"خيوط"، مشيرًا إلى مبادرة أهالي المنطقة المجاورة للجسر، باستضافة العالقين خلال تلك اليومين، وفي اليوم الثالث اضطروا لترك سياراتهم، والعبور سيرًا على الأقدام، للوصول إلى إلى منازلهم.

إحصائية لجنة حصر أضرار السيول، شملت وفاة ثلاثة أشخاص، وتشريد قرابة 52 عائلة، وتهدم 9 منازل بشكل كلي و78 منزلًا بشكل جزئي، فيما تضررت 135 عائلة في مناطق مختلفة من المديرية، وعدة طرق ومنشآت بنية تحتية

"حجر" المنسية

    مديرية حجر هي إحدى أكبر مديريات ساحل حضرموت، وأحد أهم الوديان الزراعية في شبه الجزيرة العربية، تقع غربي مدينة المكلا عاصمة محافظة حضرموت، وتبعد عنها بنحو 160 كيلومترًا، ويقدر سكانها بحوالي 34,932 نسمة، يبلغ طول الوادي 200 كيلومتر، وينحدر من أعالي الهضبة الجنوبية الغربية لحضرموت باتجاه البحر العربي. تبلغ مساحة حوضه 10,000 كيلومتر مربع، وتجري فيه المياه طوال العام، وتصب في مديرية "ميفع حجر" على ساحل البحر العربي. من أهم قرى ومناطق هذا الوادي الخصيب (الجول، وهي مركز مديرية حجر، الصدارة، محمِدة، يون، الحوطة، جزول، كنينة).

    يُعرف وادي حجر منذ القدم بإنتاجه للتمور، الذي يسمى بالـ"التمر الحجري"، وهو من أجود أنواع التمور، وتقدر عدد أشجار النخيل فيه بحوالي ثلاثة ملايين نخلة، كما تزرع الأراضي السهلية الخصبة على جوانب مجرى الوادي بأنواع الحبوب، مثل: الذرة، الحنطة، البطيخ، الليمون، وغيرها من الفواكه والخضروات. 

  يكتسب الوادي أهمية زراعية واقتصادية كبيرة، إلا أنه يكاد يكون منسيًّا ومهمشًا من مشاريع الحكومة واهتمامها، فمعظم مناطقه تفتقر إلى أهم الخدمات والبنى التحتية، كالطرقات المعبدة والكهرباء والاتصالات والخدمات الصحية، كما يقول المهندس والناشط نواف باقروان لـ"خيوط". ويضيف باقروان، وهو أحد سكان الوادي، إن التغيرات المناخية وهطول الأمطار بغزارة مؤخرًا، جعلت المديرية معزولة عن بقية مناطق حضرموت، لافتًا إلى أن ذلك يتطلب مزيدًا من الجسور الرابطة بين الأودية. 

حجم الكارثة

    وعقدت السلطة المحلية بمحافظة حضرموت، مؤتمرًا صحفيًّا للجنة حصر الأضرار بالمديريات الغربية المتضررة من فيضانات المنخفض المداري، تناولت فيه الأضرار التي خلفتها كارثة السيول بمديريتي "حجر" و"بروم ميفع"، وتكاليف مشاريع إصلاح تلك الأضرار.

   وجاء في البيانات التي عرضتها اللجنة في المؤتمر الصحفي، أن الأضرار التي خلفتها كارثة السيول في مديريات "حجر"، "ميفع بروم"، و"يبعث"، وأرياف المكلا، تركزت في: الطرقات - المباني- المياه – الكهرباء – قطاع الزراعة، وأن إجمالي كلفة صيانتها وإصلاحها يقدر بسبعة مليارات وأربعِ مئةٍ واثنين وأربعين مليونَ ريال يمني.

  وتمت الإشارة إلى العديد من المشاريع تعرضت لأضرار بالغة، خاصة في قطاع مياه الشرب وشبكات المياه، التي خرجت بشكل شبه كلي عن الخدمة، وأصبح السكان يعيشون حاليًّا صعوبات كبيرة في الحصول على الماء. وإلى قطاع الطرقات الذي تعرض لأضرار بالغة، ومنها الخط الدولي الرابط بين حضرموت وعدن، الذي يمرّ بمنطقة "ميفع"، إضافة إلى الجسر الأرضي الواقع في منطقة "الغبر" على الخط نفسه، وبالمثل، الخط العام المؤدي إلى مديرية حجر، وغيرها من الطرق غير المسفلتة، التي تربط مناطق المديريات، وجميعها تتطلب إعادة تأهيل وصيانة عاجلة. 

    وشملت إحصائية لجنة حصر أضرار السيول في وادي حجر، وفاة ثلاثة أشخاص، وتشريد حوالي 52 أسرة، وتهدم 9 منازل بشكل كلي، و78 منزلًا بشكل جزئي، فيما تضررت 135 أسرة في مناطق مختلفة من المديرية.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English