ما تخفيه رحلة عبور "المتوسط" إلى أوروبا

قصص مهاجرين يمنيين نحو "فردوس" الاستقرار
عمران مصباح
September 23, 2020

ما تخفيه رحلة عبور "المتوسط" إلى أوروبا

قصص مهاجرين يمنيين نحو "فردوس" الاستقرار
عمران مصباح
September 23, 2020
Getty

 منذ بَدْء الوجود البشري، كان التنقل هو أساس العيش، وحيثما كان يجد الإنسان إمكانات البقاء يستوطن. ثم وضعت الحدود بين الدول، وأصبحت الهجرة أكثر صعوبة زمنًا بعد آخر. ومع اشتعال الاضطرابات والحروب في مناطق كثيرة حول العالم، لجأت الدول المستقرة، لا سيما دول أوروبا، إلى تشديد الخناق أمام كل من يحاول الهجرة إليها. هذه الصعوبة في الوصول إلى دول ذات وضع معيشي أفضل، أفرزت قصصًا كثيرة كان لليمنيين نصيبٌ منها؛ بعضهم اجتاز الحدود بعد معاناة شديدة، بينما سقط آخرين في محاولة قطع البحر المتوسط.

  بحسب منظمة الهجرة الدولية، فإن أكثر من 100 ألف مهاجر يصلون سنويًّا إلى أوروبا، بينما يسقط الآلاف منهم في طريق الهجرة، وتطفو الكثير من الجثث باستمرار على سطح "المتوسط"، من كل الجنسيات.

  في الذكرى السنوية الأولى لوفاة هلال الحاج، البطل اليمني الحاصل على ميداليات ذهبية، وفضية على المستوى المحلي، والدولي في "الكونغ فو"، تلقي "خيوط" ضوءًا على طريق الهجرة الذي يسلكه يمنيون كثر، هربًا من جحيم الحرب، وبحثًا عن حياة أكثر استقرارًا. إذ لم يكن هلال الحاج اليمني الوحيد الذي دفعته الحرب إلى درب الهجرة ذي المخاطر الكثيرة والقليل من الحظ.

سقوط البطل في "المتوسط"

  بدأ هلال الحاج، بممارسة لعبة "الكونغ فو" منذ العام 2010، وبقي طيلة تلك الفترة مكرسًا حياته للرياضة، قبل أن يشعر باللاجدوى من إنجازات بلا تقدير. ثم قرر أن تكون مشاركته في بطولة الألعاب الآسيوية 2018، المنعقدة في جاكرتا، أندونيسيا، هي الأخيرة في مسيرته الرياضية.

  يصفه زميله في لعبة "الكونغ فو"، جمال الصبري، بأنه كان مهووسًا بما يفعله، يقول: "مَنَحَ روحَهُ للعبة، ولم يكن يهتم بشيء سواها". لذلك كان من المحبط له الاستمرار في وضع الحرب الذي تعيشه اليمن منذ العام 2015. "بعد انتهاء بطولة الألعاب الآسيوية في أندونيسيا، عدت مع هلال إلى مصر، وفي تلك الأثناء، بدأ يفكر في كيفية السفر نحو أوروبا"، يضيف جمال.

 قبل أن ينتقل من القاهرة إلى الجزائر، باحثًا عن طريقة قانونية تمكنه من الوصول إلى القارة العجوز، كان بطل الكونغ فو، متيقنًا بأن الذهاب إلى أوروبا هو طريقه نحو المجد الذي طالما حلم بالوصول إليه. وبعد أن عرف صعوبة الأمر، شعر باليأس في البداية، ومع ذلك اتجه نحو المغرب، وقد عقد العزم على البحث هناك عن أية طريقة يصل عبرها إلى أوروبا، ولو عن طريق التهريب. في هذا السياق يقول شقيقه سعيد لـ"خيوط": "كان هلال يحلم بالعالمية".

   في مساء الـ16 من سبتمبر/ أيلول 2019، مضى هلال نحو عبور "المتوسط". استقل قاربًا لمهربين أوصله إلى محاذاة جزيرة "ميلية"؛ المدينة الأفريقية التابعة لإسبانيا. 

  وفقًا لإفادات رواها رفاقه في تلك الرحلة لشقيقه سعيد، كان هلال على بعد 50 مترًا فقط، من مستقبل مجهول ينتظره على اليابسة. حاول قطع تلك المسافة سباحة نحو الساحل، لكنه سقط غريقًا، تاركًا خلفه فجرًا ملفوفًا بحزن دائم القتامة لأسرته وأصدقائه ومعارفه، الكثير من الإنجازات، وزوجة "مستقبلية"، بريطانية الجنسية يمنية الأصل، كانت في انتظاره على شاطئ أطلسي بعيد.

عالقون في المغرب

  لأجل النجاة من جحيم الحرب، يخوض الشباب اليمني مغامرة شديدة الخطورة، كي يعبروا طريق الهجرة. مطلع العام 2020، قرر عشرون شابًّا الهجرة إلى أوروبا، وكانت الخطوة الأولى هي السفر إلى موريتانيا، والسبب أن ثمن الفيزا إلى مصر والتي تقدر بـ50$ زهيدة الثمن.

   بعد وصولهم بشكل رسمي إلى نواكشوط، بدؤوا يدركون صعوبة الأمر، ووجدوا أنفسهم مجبرين على التنقل عبر طرق التهريب مرورًا بجمهورية مالي، كي يصلوا بعدها إلى الجزائر، ومن ثَمّ إلى المغرب.

  يقول خالد اليمني، أحد هؤلاء المهاجرين، إن الوصول إلى المغرب، كلفهم البقاء ثلاثة أشهر في الجزائر. إذ كانوا كلما أرادوا التهرب، يتم القبض عليهم من قبل حرس الحدود. تكرر الأمر ذاته، ست مرات، قبل أن ينجحوا في المحاولة السابعة، في بداية مارس/ آذار 2020.

   حسب حديث خالد لـ"خيوط"، مازالوا يقيمون في المغرب منذ ذلك الوقت، بسبب إغلاق جميع منافذ التنقل والسفر على إثر جائحة كورونا، بما في ذلك منافذ التهريب. ومع عودة الحياة مؤخرًا بالتدريج إلى طبيعتها، عاودوا محاولة الوصول إلى الأراضي الإسبانية، لكن دون جدوى. حتى الآن، باءت ثلاث محاولات لهم بالفشل، ويتمنى خالد أن تنجح الرابعة. 

يذهب هؤلاء المهاجرون عبر طرق غير شرعية بسبب انعدام السبل الشرعية، لكن مهما اختلفت طرق الدخول إلى أوروبا، تبقى الدوافع متشابهة؛ الجميع لديه الرغبة ذاتها في النجاة من بلد لم تتوقف فيها الحرب منذ ستة أعوام، باحثين عن بلدان تمنحهم حياة مستقرة ولائقة.

انقلب القارب الذي كان يقل وجدي مع 33 شخصًا، فسبحوا نحو اليابسة، لكنهم وصلوا إلى غابة استغرقت أربع ساعات لقطعها، وعندما خرجوا منها، فوجئوا بتجمع لجنود من حرس الحدود الإسباني أمامهم

عن معاناة التهريب

  قبل أن يهاجر نحو أوروبا، كان وجدي محمد، وهو شاب يمني أكمل دراسة البكالوريوس والماجستير في الجزائر، التي مكث فيها ما يقارب ثماني سنوات. عاد وجدي إلى اليمن، مطلع العام 2019، لكنه اصطدم بواقع شديد القسوة. يقول لـ"خيوط": "كان كل شيء في اليمن يشجع على المغادرة"، وحينها، بدأت فكرة الهجرة التي كانت كامنة في رأسه منذ زمن، تكبر أكثر.

   بعد ستة أشهر، من عودته إلى اليمن، اتخذ قرار الهجرة مع زوجته. وكانت البداية بالعودة إلى الجزائر، التي استطاع دخولها بسهولة بحكم بقائه هناك لفترة طويلة. ومن هناك خاض أولى مغامراته نحو المغرب بمساعدة مهربين.

 مرّ وجدي ومعه زوجته وطفلته، بخنادق حدودية، وطرق جبلية شاقة جدًّا، اضطرا للركض باستمرار لمدة ١٢ ساعة ليلًا، متبادلين هو وزوجته حمل الطفلة. يضيف وجدي أنه عندما وصل المغرب، وقد نال التعب منه ومن عائلته الصغيرة بشكل كبير، شعر بالفزع لأن تلك الرحلة المجهدة جدًّا، التي بسببها، انخلعت كل أظافر قدمي زوجته، لم تكن سوى البداية، فالمرحلة الأصعب لم تبدأ بعد.

  بقي وجدي في المغرب، يبحث عن طريق أقل خطورة، لتعبر منه زوجته إلى إسبانيا، ووجد أن هذا يتطلب منه دفع مبلغ مالي كبير للمهربين. بعد أسبوع من متابعة الخيارات المتاحة بهدوء، وجد حلًّا تعبر فيه زوجته وطفلته ذات الأربعة أعوام، برًّا إلى إسبانيا. حينها اعتقد بأنه تجاوز جزءًا كبيرًا من الصعوبة، وبدأ يفكر كيف يلحق بهم.

  بعد فترة وجيزة تقدر بخمسة عشر يوماً، حان وقت محاولته الأولى لعبور البحر. وعلى قارب صغير، وضع 34 شخصًا، أعمارهم رهن مزاج سائق لا يتوقف عن تدخين الحشيش، حسب تعبير وجدي. لكن تلك المحاولة، لم تفشل فحسب، بل تحولت إلى ذكرى سيئة عصية على النسيان، بعد انقلاب القارب وسط البحر.

  يصف وجدي تلك اللحظة بأنها الأسوأ في حياته على الإطلاق، إذ كان احتمال النجاة ضئيلًا جدًّا، على الرغم من أنهم كانوا يقتربون من الشاطئ. كان القارب فوق ظهورهم، فتحولت فرص النجاة إلى عامل مساعد على الغرق.

  بعد معركة كان دافعها غريزة البقاء، استطاع أغلب من كانوا على القارب السباحة إلى الساحل، ليدخلوا في ضياع من نوع آخر. لقد تاهوا في غابة واسعة استغرقوا ما يقارب أربع ساعات كي يقطعوها. يتذكر وجدي أن يأس الخروج من تلك المتاهة كان يصيبهم بين الحين والآخر، وعندما خرجوا منها، وصلوا إلى تجمع يخص حرس الحدود الإسباني. تم القبض عليهم، وزجّ بهم في السجن لمدة أسبوع. يقول وجدي: "في السجن يسقط الشخص عن التماسك، ويكون أمام خيارين: إما أن يدعو الله بكل لغات العالم، أو يجلد ذاته".

  ستة أيام كانت فترة السجن، ثم أطلق سراحهم وأُعِيدوا إلى المغرب، إلى نقطة الصفر، لكن وجدي عاهد نفسه بعدم تكرار تلك التجربة القاسية. ولاحقًا عثر على طريقة أخرى، كان خلفها سمسار طلب منهم مبلغًا ماليًّا مضاعفًا؛ لكي يوصلهم إلى جندي إسباني على الحدود.

  أدخلهم الجندي الإسباني في عبّارات سرية، وحذّرهم من الإفشاء بهذه الطريقة للشرطة الإسبانية: "إذا كنتم تريدون أصدقاءكم وإخوتكم أن يدخلوا، فلا تتحدثوا عن هذه الطريقة"، قال الجندي للهاربين من الجحيم. بقي وجدي لفترة قصيرة في إسبانيا، قبل أن يغادر إلى بلجيكا، حيث قدم طلبَ لجوءٍ إنساني. 

يتحمل المهاجرون مثل هذه الرحلات القاسية، وفيما بعد، الشعور بالاغتراب، وصعوبة التأقلم على حياة مختلفة، مقابل الحصول على مستقبل مستقر. لأجل حياة آمنة يغادرون وطنهم، الذي تصفه التقارير الدولية بأنه أحد أكثر الأماكن خطورة في العالم، بينما لا تزال الحرب وملحقاتها من الأوبئة وانعدام الغذاء، تحصد أرواح الباقين في الداخل كل يوم.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English