أول امرأة تترافع في محاكم صنعاء

نادية الخليفي.. شعلة المحاماة التي أوقدها الظلم
صفا ناصر
September 19, 2020

أول امرأة تترافع في محاكم صنعاء

نادية الخليفي.. شعلة المحاماة التي أوقدها الظلم
صفا ناصر
September 19, 2020

ليس سهلًا أن تحاور شخصية مثل المحامية نادية الخليفي، غير أنني حاورت شخصيتين لا شخصية واحدة، فحين أسألها عن القضايا التي تترافع عنها، كانت تتجلّى نادية المحامية المتمرّسة، فيعلو صوتها وتحتدّ ملامح وجهها، وتلوّح بإصبعها في الهواء وهي تشرح القضية وتتلو بنود القوانين، فتُشعرك أنها انتقلت من غرفة الجلوس إلى قاعة المحكمة.

  لكن، عندما أطلب منها أن تحكي لي قليلًا عن نفسها، تتوارى المحامية، لتفسح المكان لنادية الإنسانة، التي تقتصد في الكلام، وتشبك أصابع يديها وتغشى وجهها ابتسامة خجولة، وتجيب: «لا أدري.. ماذا تودين أن تعرفي؟» - سيدتي، هناك الكثير مما أود أن أعرفه، فلنبدأ من البداية...

ولدت نادية سعيد عبدالله الخليفي في 21 أكتوبر/ تشرين الأول 1959، في حي الشيخ عثمان بمدينة عدن. لا تتذكر شيئًا عن المدينة ولا عن الحي، فقد غادرت عائلتها عدن وهي بعمر الخمس سنوات، في العام 1964، إلى مصر، في رحلة علاجية لوالدها الذي كان يعاني من مرض في الصدر.

  تصف نادية، في هذا الحوار لـ"خيوط"، والديها فتقول: «كانت أمي ذات شخصية قوية، أوامرها غير قابلة للنقاش، أما والدي فكان أكثر حنانًا ورقة، ربما لأنني كنت الابنة الوحيدة بين ولدين». تبتسم وتتابع: «أتذكر أن أمي ضربتني لأني كسرت كوبًا، فعاقبها والدي بأن حطّم أطقم الأكواب التي كانت تحتفظ بها في خزانة خاصة».

  بعد سنة من إقامة العائلة في مصر، قررت الأم العودة إلى اليمن، وبقي الأب ليستكمل علاجه في إحدى مستشفيات القاهرة. استقرت الأم وأولادها في تعز في العام 1966، وما لبث الوالد أن عاد من رحلة العلاج. أقام مع أسرته لبعض الوقت ثم عاد إلى جنوب اليمن، إذ كان له نشاط سياسي ضمن جبهة التحرير. وبعد الاستقلال في العام 1967، اعتُقِل وأُودع سجنًا في محافظة أبين، وفي العام التالي وصلهم نبأ موته في السجن.

اختارت مهنة أساسها الجدال

  تواصل حديثها حول طفولتها في تعز، حيث كان بيتهم يطل على الباحة الأمامية لمبنى منخفض السور، حين كبرت عرفت أنه مقر لأحد أجهزة الأمن.

  تتابع: «كنت أرى المعتقلين وأعيش عذاباتهم، ما زلت أتذكر فتى هرب من فوق السور، كان يركض والكلاب البوليسية تلاحقه، قبضوا عليه وضربوه بعنف، رجل آخر كنت أراه يخرج لإحضار الطعام وظهره مغطى بالجروح ويقطر دمًا».

عَمِلَت بنقيض نصيحة مدرسها في الثانوية بالابتعاد عن النقاش والجدال، إذ كانت مأساة أسرتها سببًا كافيًا لرفض هذه النصيحة، وفي آخر سنوات دراستها الثانوية كانت الشابة المشاكسة قد اختارت مهنة أساسها الجدال 

  الأحداث السياسية التي طبعت تلك المرحلة، مثل انقلاب 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 1967، في صنعاء، ثم الحرب بين شمال اليمن وجنوبه في العام 1972، وقبل ذلك ظروف موت والدها في السجن، التي لم تعرف عن تفاصيلها شيئًا حتى اليوم، ولاحقًا اعتقال أخيها، كل ذلك جعلها تمتلئ بشعورٍ مرير بالظلم.

تقول عن أخيها: «اعتقله جهاز الأمن الوطني في الراهدة، وكان عمره حينها 14 سنة. مكث في السجن لأكثر من عام، ثم خرج وهو مضطرب نفسيًّا، حاولنا علاجه لكن دون فائدة، يبدو أنه تعرّض لتعذيب مروّع. الذي خرج لم يكن أخي»؛ هكذا تتذكر تلك اللحظة بألم «كان حطامَ ذلك الفتى الذكي الشغوف بالشعر والأدب. يعيش اليوم في عالم آخر، لم يكمل دراسته، ولم يعمل، ولم يتزوج».

مأساة غذّت لدى أفراد العائلة شعورًا سلبيًّا تجاه الأجهزة الأمنية، فرفضوا استلام معاشات كانت تصرفها جبهة التحرير لأسر الشهداء عن طريق جهاز الأمن الوطني. كانت النقمة على الأجهزة الأمنية وممارساتها القمعية أكبر من حاجة الأرملة وأطفالها الأيتام إلى المعاش.

  في سنوات المدرسة كان أكثر ما تميّزت به نادية هو نهمها للقراءة، كما تتحدث: «لم يكن لدينا مكتبة في المدرسة، فكنت أتردد على بيت الجيران، كان لديهم مكتبة ضخمة فيها كل أنواع الكتب، أذكر أن جلّ وقتي في المدرسة صرفته في القراءة».

  تظافرت القراءة التي شكّلت وعيها وإدراكها بتلك المرحلة، مع البيئة السياسية التي نشأت فيها، وصدمة اعتقال والدها ثم أخيها، فصقلت فيها روح المعارضة والاحتجاج، وصارت تميل وهي في سن صغيرة إلى كل من ينتقد النظام ويندد بممارساته القمعية، كما لم تتردد في نقاش ما يتعارض مع عقلها.

  في المرحلة الثانوية أهانها مدرسها لأنها ناقشته في قصة أكل النبي محمد للشاة المسمومة، ونهرها قائلًا: «لا تناقشي ولا تجادلي».  نصيحة لم تأخذ بها نادية، بل عملت بنقيضها، ففي آخر سنوات دراستها الثانوية كانت الشابة المشاكسة قد رسمت خط حياتها المهنية، فاختارت مهنة أساسها الجدال؛ المحاماة.

السنوات الأولى للدراسة والنشاط الحزبي

  في العام 1977، التحقت نادية بكلية الشريعة والقانون في جامعة صنعاء. لم يكن إقناع والدتها بالسفر إلى صنعاء بالأمر الهيّن. استخدمت نادية موهبتها في الإقناع، وترافعت في أول قضية لها، وكسبتها على وعد بأن تقيم عند خالها في صنعاء، وهو وعد لم تستطع الوفاء به؛ إذ كانت عائلة خالها كثيرة العدد، وأجواء منزلهم لا تصلح للدراسة، فطلبت من الجامعة أن تنتقل إلى بيت الطالبات، الذي كان مجانًا لمنتسبات كلية التربية حصرًا. كان عليها أن تدفع رسومًا قدرها 200 ريال في الشهر، وهو مبلغ باهظ في ذلك الوقت، لكن نادية لم تضطر إلى طلب المال من أهلها، فعندما كانت طالبة في الصف الأول الثانوي، أصبحت مدرّسة معيّنة رسميًّا من وزارة التربية، ومن راتبها أنفقت على نفسها طوال سنوات دراستها الجامعية.

كان عامها الأول في الجامعة مليئًا بالأحداث، إذ لم تحصر نادية اهتمامها في الدراسة وحسب. تقول: «عرَضَ عليّ بعض الزملاء أن أنضم لحزب العمل، عرْضٌ انتظرته طويلًا من خالي الذي كان عضوًا في الحزب، ورفض أن يضمّني إليه من مبدأ أن العضوية لا تورّث».

  آمنت بأن الحزب وسيلة لتحقيق العدل والمساواة بين الناس. كان نشاطها سريًّا، ويتمثل في توزيع منشورات لتوعية الناس، ومظاهرات احتجاجية، واجتماعات سرّية، وتحركات من أجل تأسيس اتحاد طلابي. وفي سياق تذكرها لتلك الفترة، تقول نادية إن «عناصر من جماعة "الإخوان المسلمين" اقتحمت قاعة جمال عبدالناصر في جامعة صنعاء، وأعلنوا إنشاء اتحاد طلاب اليمن».

تضيف: «رفضنا الاتحاد الذي أنشئ دون انتخابات، ومن ثَمّ فقد اعتبرناه لا يمثل أي شرعية، وكنت أنا وزميلتي في السكن نأتي في فترة مبكرة من الصباح ونخلع اللوحات الحائطية التي علقوها». في العام نفسه انضمت نادية لجمعية المرأة اليمنية، كما عملت في الجهاز المركزي للتخطيط والإحصاء التابع لوزارة التخطيط. 

وعن مدى إقبال الفتيات على الالتحاق بكلية الشريعة والقانون في ذلك الوقت، تقول نادية: «في كل دفعة لم يكن عدد الطالبات يزيد عن ثلاث أو أربع، وكن يتجهن نحو التدريس، وكنت أنا أول امرأة تمارس مهنة المحاماة».

  في العام 1980، كانت نادية الخليفي على وشك التخرج. وفي الأعوام التي تلت ذلك، كانت على موعد مع حدثين: الأول الاستعداد للزواج وتأسيس حياة جديدة، والثاني بدء حياتها المهنية والتأهب لمعركة دخولها المحكمة.

امرأة في المحكمة 

  لم يكن مشهدًا مألوفًا في ذلك الوقت أن ترى امرأة تتجوّل في ردهات المحكمة، بل كان من المعيب دخولها. كانت نادية الخليفي تدرك ذلك جيدًا، وهي تتجول في أول يوم لها في المحكمة، ترتدي "بالطو" طويلًا، وتعقد منديلًا صغيرًا خلف رأسها؛ «للمحكمة رهبة تجعلك ترتعدين» تقول. لم تكن رهبة المحكمة أكبر همومها، غير أنها لم تهتم كثيرًا لرأي الناس في أنّ مَن تخرج إلى العمل هي امرأة محتاجة، عجز أهلها عن إطعامها. كما لم تخضع لأخيها الذي كان يسد الباب لمنعها من الخروج، ويقول: «ما عندنا نساء تروح المحكمة». لم يُخِفْها أن القاعات كانت تعجّ بالرجال وهي المرأة الوحيدة، ولم يحبطها أن وزارة العدل التي كانت تتولّى منح تراخيص مزاولة المهنة آنذاك، رفضت منحها البطاقة بمبرر أنه لا يوجد قانون يسمح بمنح النساء تراخيص مزاولة المهنة، وحتى عندما أرادت أن تتدرب في مكتب محاماة، سمعت العذر ذاته.

  كان رد جميع مكاتب المحاماة: «غير مسموح لنا بأن ندرّب نساءً»، لذا أحسّت نادية بأنها مرفوضة ودخيلة على المهنة، وهي عراقيل كانت كفيلة بسحق طموح شابة هشة، لكن نادية الخليفي لم تعرف الهشاشة يومًا. كانت تعلم جيدًا أنها مؤهلة، وأنها في المكان الذي استحقته بجدارتها.

  لم تستلم، واستمرت في محاولاتها. «ذهبتُ إلى القاضي عبدالله الوريث، رئيس محكمة غرب الأمانة، كان رجلًا منفتحًا مؤمنًا بحقوق المرأة، وشكوتُ له رفض الزملاء أن أتدرب لديهم». عندما سمعها هتف: «لا عليك، تعالي عندي في المحكمة، احضري جلساتي وسأساعدك».

  تقول نادية: «شجعني ذلك كثيرًا، واضطررت لتدريب نفسي ذاتيًا. كنتُ أحضر الجلسات، وأراجع القوانين، وأقيّد في ذهني كل صغيرة وكبيرة». لكن القاضي الذي خلف الوريث لم يكن بالعقلية ذاتها، وبحجة أنها تعمل من دون بطاقة، كان يرفض عرائضها المقدمة إليه، ولا ينسى أن يخط عليها عبارة «يبدو أن هذه المرأة تفهم بالقانون» اعترافًا منه بتأهلها قانونيًّا، لكن العرف حينها كان أقوى من الحق والعدالة.

  لم تنسَ نادية إهانة تعرضت لها داخل قاعة المحكمة من أحد المحامين؛ قال علنًا إن المرأة لا تصلح إلا للفراش، فأجابته بأن «الرجولة ليست شنبات». لم تسمح لنفسها بأن تضعف، وكان زوجها يمدها بالقوة، وهكذا استمرت في تحدٍّ مع نفسها ومع الآخرين، إلى أن أتت الفرصة التي انتظرتها طويلًا كي تثبت قدراتها.

  كانت القضية الأولى لها، قضية قتل رجل لرئيس عصابة حاولتْ اقتحام منزله. جهّزت نادية مذكرة أشبه بدراسة كاملة عن الحق في الدفاع عن النفس من الناحيتين الشرعية والقانونية، وأُعجب وكيل النيابة بدفاعها. أذهله كيف أن محامية مبتدئة تُعِدّ مثل تلك المذكرة المتينة المتكاملة، ما جعله يأمر بالإفراج عن المتهم، فكانت المرة الأولى في تاريخ محاكم صنعاء التي يخرج فيها متهم من النيابة لا من المحكمة. غير أن نادية لم تحصل على بطاقة مزاولة المهنة إلا بعد أن قامت الوحدة بين شمال اليمن وجنوبه. كان رقم البطاقة (65).

تضييق متعمد

  في العام 1991، تم الإعلان عن انتخابات اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني، فترشّحت نادية الخليفي وصارت عضوًا فيها. عندها بدأت تلحظ تأثير العمل السياسي على عملها في المحاماة.

  تقول: «بعد حرب 1994، تعرضتُ لمضايقات في العمل، كانت تُرفع ضدي بلاغات، ومع مطلع الألفية الثانية تم فصلي من وزارة التخطيط»، كانت حينها منتدبة لدى وزارة الدفاع، ولم يشفع لها أنها ترافعت عن 12 جنديًّا من أفراد الشرطة العسكرية، وأنقذتهم من أحكام بالإعدام، فصلوها بحجة أنها تغيّبت عن العمل.

  وصفت الخليفي فصلها من الوظيفة، بالانتقام السياسي. سألتها كيف تأكدتِ من هذا؟ فأجابت: «من المعروف أنه بعد انتهاء فترة انتداب الموظف، يخيّرونه بين البقاء في الجهة التي انتُدِب إليها أو العودة إلى عمله الأصلي، أو إرسال إنذار، كل هذا لم يحصل معي، وكان فصلي فوريًّا».

  وتضيف: «كما يفترض أنه بعد فصل موظف يرسلون ملفه إلى الخدمة المدنية لمعالجة وضعه، إما أن تعيده إلى العمل أو تحيله إلى التقاعد، وترسل ملفه إلى التأمينات والمعاشات ليصبح لديه معاش تقاعدي، لكن ملفي رموه في الأرشيف».

قبيل انتخابات البرلمان 1993، حدث حريق في سوق "باب اليمن"، فوقفتُ حينها مع الباعة، وكنت أطالبُ لهم بتعويضات. لم تنفذ مطالبي، لكن الباعة لم ينسوا مساندتي لهم، وقالوا لن نعطي أصواتنا إلا للمحامية

  استمر فصلها من الوظيفة ساري المفعول إلى أن عُقد مؤتمر الحوار الوطني في العام 2013، وتضمنت فعالياته مطالبات بإعادة المفصولين سياسيًّا إلى وظائفهم. تقول: «أعادونا ولكن على الورق فقط، حصلتُ على درجة وزير، لكن من دون تسوية مالية، كما ألغوا درجتي الوظيفية، أنزلوني إلى الدرجة العاشرة مثل أي موظف مبتدئ، وكنت قبل الفصل مؤهلة لدرجة مدير عام».

خذلان الانتخابات 

  في العام 1993، رُشحت نادية الخليفي من قبل الحزب الاشتراكي لانتخابات مجلس النواب. تقول إنها دخلَت الانتخابات غير مدركة بأن "اتفاقًا سريًّا للهيئات العليا في الحزب" قد قرر أن المرشحين في أمانة العاصمة من الأعضاء لن يفوزوا حتى في حال حصولهم على أصوات.

تتابع نادية: «كان ترتيبي الثالثة في دائرتي، بعد حزبي المؤتمر والإصلاح. كنت المرأة الوحيدة التي حصدت أصواتًا، والسبب حريقٌ حدث في سوق "باب اليمن" قبيل الانتخابات، وقفتُ حينها مع الباعة في السوق، وكنت أطالبُ لهم بتعويضات. لم تنفذ مطالبي، لكن الباعة لم ينسوا مساندتي لهم، قالوا لن نعطي أصواتنا إلا للمحامية».

  بعد انتهاء الانتخابات علمَتْ نادية بشأن الاتفاق الذي قالت إنه اقتضى أن تكون دوائر أمانة العاصمة مخصصة لحزب المؤتمر الشعبي فقط، وهكذا تصف نادية ذلك: «كان حزب المؤتمر يحرص على السيطرة على أكبر قدر من الدوائر داخل الأمانة، بل وداخل الجمهورية كلها، في لعبة استُغل فيها الجميع حتى أطفال المدارس».

  سألتها: «ألا تشعرين أن الحزب خذلك؟» أجابت: «لا، الحزب لم يخذلني، مَن خذلني كانت بعض الشخصيات التي عقدَت الاتفاق على حساب أعضاء الحزب، ثم أنني لستُ عضوًا لأشخاص، أنا عضو في حزب يحمل قيمًا ومبادئ، وما زلتُ مؤمنة بأنه وسيلة لتغيير الواقع».

تهميش وتجاهل

  تروي نادية أن صدامها مع نقابة المحامين اليمنيين بدأ بعد وفاة مؤسسها عبدالفتاح البصير؛ لأن مشاكلها مع النقابة - توضح - كانت ذات طابع سياسي لا مهني.

  انتقدتْ نادية بعض الممارسات المخالفة للقانون في إدارة النقابة، فكان جزاؤها أن تتعرّض لعقوبة غير معلنة؛ تهميش لا يليق بعضو مؤسس للنقابة تحمل بطاقته رقم (65)، رقم يجعل من يراه ينحني احترامًا لمحامية من قدامى الممارسين للمهنة.

  المفارقة أن نادية حصلتْ على التقدير عالميًّا وعلى التجاهل محليًّا، ففي عقد التسعينيات رشحتها منظمة العفو الدولية لجائزة في الكويت تقديرًا لعملها الإنساني.

تقول: «كنتُ أرسل لهم قضايا المحكومين بالإعدام، فترسل المنظمة وفودًا إلى اليمن لإقناع رئيس الجمهورية بإصدار عفو عن المعتقلين». ثمّنَت المنظمة مبادرتها التطوعية، فعرضتْ عليها منصب المسؤول عن مكتبهم في الشرق الأوسط. رفضت نادية ذلك لـ"أسباب عائلية"، لكنها ما تزال مستمرة في جهودها الإنسانية إلى اليوم، تعمل عليها في صمت، فلم تكن نادية يومًا من الساعيات وراء الشهرة، إذ تؤكد أن من بين كل أربع قضايا، هناك قضية تتطوع فيها بالمجان.

  تضيف: «جوهر وجودنا في هذا الكون هو لخدمة الآخرين»، من المؤسف أن تلك الجهود تقابل بالعقاب وبالإقصاء من أي نشاط للنقابة، بل وصل الأمر إلى المتدربين لديها. «يعاقبون أي متدرب عندي بذنبي، يماطلون في منحهم بطاقة تحت التمرين، لا يرشحونهم لأي دورات تدريبية، يريدون أن يوصلوا لي أني عضو غير مرغوب به في النقابة».

  لا يختلف الأمر كثيرًا مع "جمعية المرأة اليمنية" التي صار اسمها "اتحاد نساء اليمن"، إذ تقول إنها تواجَه بالتهميش والإقصاء ذاته عن أي دعوات أو مؤتمرات. «لم يكن الوضع هكذا أيام جمعية المرأة، لكن بعد إنشاء الاتحاد تغيّر الأمر، صارت تدعى النساء ذوات المناصب والمراكز، لا النساء الفاعلات في المجتمع».

رفيق الدرب والنضال

  كان اللقاء مع نادية الخليفي بحضور زوجها عبدالحفيظ محمد علي، الذي تدخل هنا قائلًا: «عرفتها عبر النشاط السياسي؛ كنت عضوًا في حزب العمل، جذبني إليها أنها جادة وتبدو عليها الصلابة والاستقامة، فعرضتُ عليها أن نؤسس حياة مشتركة».

عبدالحفيظ محمد: «أحمل قيم وفكر الحزب الذي ينادي بالمساواة، فلا مناص من أن تكون أفعالنا متوافقة مع قيمنا»، وهي القيم التي جعلته يساندها في كل المواقف الصعبة

  هكذا يصف عبد الحفيظ لقاءه الأول بزوجته نادية الخليفي. تزوجا في آخر سنة جامعية لها، وبعد التخرج صارحته برغبتها في خوض مجال المحاماة. يواصل حديثه: «كان مجالًا حساسًا، يقتصر الدخول فيه على أسر معينة بالوراثة، فكان أمامنا تحدي أن نحدث فيه اختراقًا مهما كان الثمن، وحاولت دعمها بأقصى طاقتي. لم تخلُ حياتنا من صعوبات البداية والقلق الذي تفرضه طبيعة عملها، لكننا تجاوزناها».

  يقول إن بعضًا ممن كانوا يحيطون به استهجن دعمه وتشجعيه لزوجته في خوض مجال المحاماة، لكن من الواضح أنه لم يكن من النوع الذي تهتز قناعته بسهولة.

  ويضيف عبدالحفيظ في حديثه لـ"خيوط": «أحمل قيم وفكر الحزب الذي يقول بالمساواة، فلا مناص من أن تكون أفعالنا متوافقة مع قيمنا». وعن مميزاتها الإنسانية الأخرى، يصفها بأنها «تفيض بالحنان ورقة القلب». يضيف: «لي ابنة من زواج سابق، توفيت أمها وهي طفلة، فربّتها نادية كابنة لها، وهي ترعى الآن أخاها المريض وأمها العاجزة، كذلك اعتنت بأمي خلال مدة مرضها».

  بدا عبدالحفيظ فخورًا بزوجته، وهو يذكر أكثر ما يعجبه فيها: «يعجبني فيها الصبر وقوة التحمل، صمدتْ أمام الكثير من الأزمات». كما يتذكر كيف كانت تنجز لأخيها المريض معاملات منحة علاجية، وهي حامل في شهرها الأخير؛ «كنت حينها مطاردًا من الأجهزة الأمنية، واضطُرِرتُ إلى الاختباء في بيت أحد الرفاق، وكانت هي على وشك الولادة، ولم أعلم بأنها ولدت بطفلتنا الأولى إلا بعد مرور 10 أيام، ثم سُجِنتُ وتعرضَتْ هي إلى ضغوط من أهلها كي تطلب الطلاق ورفضَتْ».

  لم يخفِ عبدالحفيظ قلقه الشديد على زوجته، بسبب «انغماسها الشديد في العمل»، خاصة في السنوات الأخيرة؛ «ترهق نفسها بدرجة غير عادية».

صداقة العمر

  لنادية الخليفي صديقة منذ أكثر من 30 سنة؛ الدكتورة سامية عبدالمجيد الأغبري، رئيس قسم الصحافة في كلية الإعلام - جامعة صنعاء. تتحدث الدكتورة سامية لـ"خيوط" عن هذه الصداقة وبدايتها، واصفة إياها بصداقة العمر. «في البداية نشأت بيننا صداقة كونها رفيقة في الحزب، ثم توطدت علاقتنا عندما كنت مسؤولة عن صفحة الأسرة في صحيفة الثورة. حينها خصصت لنادية عمودًا بعنوان "مستشاركِ القانوني"، يناقش قضايا المرأة من الناحية القانونية، فكنت أزورها في مكتبها قبل أن يدمره صاروخٌ خلال الحرب، وأعرض عليها القضايا التي تصلني، وتعطيني رأيها القانوني. كانت تعطي بلا مقابل، فما يهمها هو نشر الثقافة القانونية، وطالما رددت: «كيف أعاقب شخصًا يجهل القانون». وعن نادية سيدة المنزل تتابع الأغبري: «أتردد كثيرًا على منزلها بحكم سكننا المتجاور، أراها تعود من عملها فتخلع "البالطو" (العباءة) وتدخل المطبخ لتجهز الغداء لعائلتها، مهارتها في المنزل لا تقل عن مهارتها القانونية، تقوم بكل واجباتها الأسرية رغم انشغالها، إنسانة بسيطة لا تحب المظاهر والتكلف».

  في ختام حديثي مع نادية الخليفي، وقبل أن أودعها، خطر لي أن أسألها: هل تعرضت للتهديد أو لمحاولات الرشاوى؟ فقالت: «كثيرة هي محاولات الرشاوى التي تعرضتُ لها، لكن هذا يعتمد على المحامي وقوة مبادئه، أما التهديد فلا، غير أني نجوت من موت أكيد في إحدى المرات، في جلسة عقدت بين عائلتين تجمعهم عداوات، عند وصولي رأيت جثث ستة قتلى على أرضية المحكمة، علمت أن مسلحًا يتبع إحدى الأسرتين أطلق النار عشوائيًّا على الحضور، ما أنقذني هو أمر طرأ في المنزل استدعى تأخري لدقائق. لو أنني وصلت في موعدي لكنت في عداد القتلى».

  منذ عقود تحارب نادية الخليفي ظلمًا مزدوجًا؛ حياتها تعجّ بالمظلومين، وهي واحدة منهم، «الفرق أنني رفعتُ الظلم عن الآخرين، ولم أستطع رفعه عن نفسي». مشاكلها مع النقابة، درجتها الوظيفية التي كانت ستفيدها أيام ضعفها وعجزها، سنوات خدمتها لأكثر من 25 عامًا ضاعت دون طائل، كما لو أنها لم تعمل يومًا واحدًا لمصلحة الدولة. من المعيب أن تُقابَل تضحياتها ونضالها بالجحود، ومن المعيب أكثر أن يُذكر اسمها أمام شخص ويسأل من تكون؟ ليس من اللائق أن نستغل تواضعها وحبها للعمل في صمت، وأن نشارك في حملات التجاهل والتغييب الذي تواجهه. تتعرض نادية الخليفي لإجحاف لا يليق بمكانتها كأول محامية في "الجمهورية العربية اليمنية" قبل الوحدة، امرأة مهّدت طريق المحاماة الشائك للنساء من بعدها، فلا أقل من أن تنال ما تستحقه من تقدير واحتفاء وعرفان بالجميل.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English