البيوت التجارية في مدينة المخا

التجارة والعمارة في أحد موانئ المحيط الهندي
ترجمات
September 16, 2020

البيوت التجارية في مدينة المخا

التجارة والعمارة في أحد موانئ المحيط الهندي
ترجمات
September 16, 2020

جون ميلوي

ترجمة وتقديم: ربيع ردمان 


     نانسي أوم  Nancy Um، باحثة وأكاديمية أمريكية من أصول آسيوية، تعمل أستاذة بقسم تاريخ الفن في جامعة "بينغهامتون" في نيويورك. تخصصها العام، العمارة الإسلامية في المدن الواقعة على المحيط الهندي، ويتركز اهتمامها بشكلٍ خاص حول العمارة اليمنية الساحلية، ممثلة بمدينة المخا. حصلت على دكتوراه الفلسفة في تاريخ الفن من جامعة كاليفورنيا – لوس أنجلوس عام 2001، وكان عنوان أطروحتها "مجتمع البحر الأحمر في اليمن: العمارة والشكل الحضري والفعالية الثقافية في مدينة المخا الساحلية، في القرن الثامن عشر". 

نانسي أوم

  قدَّمت نانسي أوم، حتى الآن، كتابين مهمين؛ الأول بعنوان "البيوت التجارية في المخا"، والثاني بعنوان "ما تم شحنه ولم يبع: الثقافة المادية والبروتوكلات الاجتماعية للتجارة خلال عصر القهوة في اليمن"، الصادر عن مطبعة جامعة هاواي الأميريكية 2017. وفي كتابها الأخير، تعمد أوم إلى فتح صناديق التجار القادمين إلى المخا، اعتمادًا على سجلات شركتي الهند الشرقية، الهولندية والإنجليزية، بالإضافة إلى إفادات الرحالة والحوليات العربية، مستعرضة محتويات تلك الصناديق من السلع الفاخرة أو العادية، التي كان يجلبها معهم التجار الأوربيون، ليس للبيع، وإنما للعرض والاستخدام الشخصي، لتوفير سبل الراحة والإقامة في موسم التجارة. تشمل هذه السلع الخيول العربية، ومجموعة متنوعة من القطن والحرير والمخمل، والأطعمة، والأثاث، والأقلام، والموائد، وأواني الفضة، والخزف المطلية بالذهب، وأنواع من المشروبات الروحية. كما كانوا يجلبون معهم أكياس من التوابل والمنسوجات الفاخرة لتقديمها كهدايا لولاة الأقاليم وأئمة اليمن، من أجل الحفاظ على امتيازاتهم التجارية الكبيرة.

     للمؤلفة أيضًا مجموعة كبيرة من الأبحاث نشرت في مجلات وكتب جماعية، آخرها بحث بعنوان "المخطوطات اليمنية على الإنترنت: الرقمنة في عصر الحرب والضياع" (ربيع 2020). يقدم جون ميلوي في هذا المقال عرضًا ومراجعة نقدية لأهم القضايا التي أثارتها نانسي أوم في كتابها الأول "البيوت التجارية في المخا":

     تحمل المخا عبءَ كونها مدينة مشهورة للغاية لارتباطها بالبن إلى درجة أن أهميتها الحقيقية لم يتم الكشف عنها حتى الآن. يُعيد كتاب نانسي أوم البديع "البيوت التجارية في المخا"، توجيه فهمنا لهذه المدينة الساحلية اليمنية المعروفة، وذلك من خلال إرشادنا بعناية إلى مكانتها داخل شبكة التجارة في أوائل العصر الحديث، بالإضافة إلى التصميم الداخلي المحلي للمدينة؛ وهو ما يوفر لنا دراسة معمقة عن تقاطعات العمارة والثقافة. تتجنب أوم النماذج الجامدة وغير الفعالة التي فرضها العلماء على المدن في هذا الجزء من العالم، سواء أكانت عربية أو إسلامية أو حتى يمنية بشكلٍ أكثر تحديدًا. وبدلًا من ذلك، يتم تناول مدينة المخا وفق مقتضياتها الخاصة بوصفها مدينة ساحلية بصورة كلية، ويتم تقديمها على أنها «حالة فريدة في استجابتها للمحفزات الاقتصادية والاجتماعية» (ص8)، خلال الفترة التي وصلت فيها المخا إلى ذروة ازدهارها، من منتصف القرن السابع عشر إلى منتصف القرن الثامن عشر. 

     تؤكد المؤلفة أن «ثقافة التجارة أسهمتْ إلى حدٍّ عميق في تشكيل البنية الأساسية للمدينة الساحلية، وحدَّدتْ التوجهات الرئيسية لشكلها الحضري، والأنماط الوظيفية لعناصرها المعمارية، والتسلسل الهرمي الاجتماعي الذي هيمن على حياة مجتمع المدينة» (ص11). وغالبًا ما تأتي معالجة أوم لمدينة المخا في سياقِ بيانات مقارنة جذابة وذات نظرة ثاقبة، فتقدم لنا استقصاءً مرهفًا للذاكرة من تاريخ المدينة الحضري والمعماري، يلقي قدرًا كبيرًا من الضوء على تاريخها الاجتماعي والتجاري.

     في السبعة الفصول التي تضمنها الكتاب، تقوم أوم بدور الدليل للقارئ لتعريفه بعدد من المحطات من شبكة التجارة في نصف الكرة الغربي، إلى العلاقات التجارية والاجتماعية في المدينة وداخل البيوت التجارية. ففي الأربعة الفصول الأولى، تعمد أوم إلى تأسيس سياقات متحدة المركز لتثبيت حجتها. وبدأت ذلك بتتبع العملية التي تم بها إعادة توجيه المخا من العالم الذي يحكم سيطرته العثمانيون إلى عالم المحيط الهندي. ومع صعود الأئمة القاسميين لحكم اليمن، وطردهم العثمانيين في عام 1635، فقدَتْ مدينة المخا علاقاتها المباشرة بعالم التجارة العثمانية التي كانت تتم عبر القاهرة. وفي ظل سيطرة القاسميين، توقفت طرق التجارة المباشرة إلى الشمال عبر ميناء جدة، وأصبح الشريك التجاري الرئيسي للمخا هو ميناء "سورات" في ولاية غوجارات الهندية. 

     ومن هنا، اكتسبت مدينة المخا، إلى جانب هُويتها السياسية القاسمية، ملامحَ تجارية ومالية جديدة، تعكس مكانتها في غرب المحيط الهندي. ثم تناقش أوم الظروف المحيطة بشكلٍ مباشر بموقع المخا في اليمن، مشيرة، من بين أمور أخرى، إلى أنها كانت واحدة من ثلاث محطات لنقل شحنات البُنّ على الساحل (جنبًا إلى جنب الحديدة واللُّحَيَّة)، في حين أن مدينة بيت الفقيه تقع في الداخل من تهامة، حيث كانت بمثابة المورد الأساسي لتجارة البن العالمية. لقد أصبح اسم "المخا" Mocha مرادفًا للبُنّ في الغرب؛ لأنه كان الميناء الذي يستخدمه التجار الأوربيون. لكن هذا التوضيح لا يقلل من أهمية مدينة المخا؛ فقد كانت بمنزلة الميناء الرئيسي للأئمة القاسميين لتصدير مجموعة متنوعة من السلع إلى جنوب آسيا. 

كان لزامًا على المؤلفة أن تفترض، استنادًا إلى البيانات النصية المؤيدة، أن المنازل الموجودة تمثل عينة من تلك التي كانت قائمة خلال ذروة ازدهار مدينة المخا

     تسلط أوم الضوء أيضًا على السياقات السياسية والاجتماعية للمخا، فتقدم رؤية جديدة لنظام القاسميين تتجنب الوصف المعتاد لحكم القاسميين بوصفه دولة المرتفعات التي "يتعذر الوصول إليها والمعزولة"، وتؤكد بدلًا من ذلك على مدى "انفتاحها على العالم". وعلى الرغم من أن المخا كانت ناجحة من الناحية الاقتصادية، ومركزًا مربحًا بالنسبة لحكامها، إلا أن التأثير المالي الذي خلفه الميناء، كان أكثر وضوحًا في أجزاء أخرى من اليمن، ويتمثل في «تقريب المجال البحري إلى أكثر المناطق المعزولة في الجبال التي كان يتعذر الوصول إليها» (ص45). إن وصف أوم لمجتمع مدينة المخا، الذي أُثري بنماذج من التجار وأصحاب السفن (غناء النواخذة)، يدلل بشكلٍ واضح على علاقاتها التجارية مع عالم المحيط الهندي، مما يعزز طابع الانفتاح الدولي للميناء.

     يكمن جوهر حجة أوم في ما يتم عرضه في الفصول الثلاثة الأخيرة؛ يتناول الأول منها والمعنون بـ"الشكل والتوجه الحضري"، تخطيط المدينة، ويوضِّح الطريقة التي حددت بها التجارة والسياسة حياة مدينة المخا. ومما يكتسب أهمية خاصة هنا تفسير المؤلفة للكيفية التي تم بها تقسيم المدينة، حيث تهيمن على الواجهة البحرية المؤسسات التجارية الرسمية وتجارة الجملة التي تتوزع على الألسنة الممتدة داخل البحر، بينما يتضمن الجانب الداخلي من مدينة المخا، المباني الدينية وتجارة التجزئة التي تمتد باتجاه المناطق النائية خارج المدينة. وبالانتقال إلى الداخل حيث المزيد من "الفضاءات التجارية"، توضح لنا أوم كيف كان التعامل التجاري يجري في مساكن التجار، وليس في مؤسسات مثل الخان، كما كانت التجارة تمارس عادة في أجزاء أخرى من العالم الواقع تحت الحكم العثماني. 

     لقد عملت البيوت التجارية في المخا، التي تشترك في العديد من السمات مع تلك التي تطل على سواحل شرق أفريقيا وجنوب البحر الأحمر والهند، على تلبية احتياجات كلٍّ من التجارة والحياة الخاصة بالتجار، مما يشير إلى «تفاهم مشترك على طول الطرق التجارية المؤدية إلى المخا والقادمة منها» (ص158). وأخيرا يرسم لنا الفصل السابع: "عن السياسة الداخلية والخارجية"، خريطة النظام الاجتماعي في المخا. لقد لعبت الأبعاد المؤسسية والاقتصادية للمدينة دورها في تنظيم التمييز بين مناطق الواجهة والمناطق النائية، في حين أن سور المدينة، وهو بناء يوفر الدفاع الخارجي عنها والسيطرة الداخلية عليها، يحدّد أنماط السكن، وفي بعض الأحيان، سلوك العمل السياسي.

     ويركز هذا الفصل على جماعة البانيان [إحدى طوائف الهنود الهندوس] الذين يعيشون داخل أسوار المدينة، بسبب دورهم المركزي في التجارة الخارجية بينما تقيم الجماعات الأخرى من الأقليات خارج أسوار المدينة. وكان البانيان يعانون ما بين حينٍ وآخر من القمع السياسي، فكانوا أحيانًا يتخذون من إحدى المقابر الرئيسية، خارج أسوار المدينة، ملاذًا لهم، مما يؤدي إلى توقف التجارة الخارجية. وانطلاقًا من هذه الخريطة للتسلسل الهرمي الاجتماعي، تذهب المؤلفة إلى أن «الوظيفة العملية للحياة اليومية قد تتجاوز، بلا عناء، الرغبة الإدارية أو الدافع المجتمعي إلى الفصل بين التجمعات الحضرية» (ص 173). 

لقد صيغ الكتاب بطريقة ممتازة، ويمكن أن ينتفع به الطلاب الجامعيون في مراحلهم المتقدمة. كما يتضمن الكتاب خرائط ومخططات وصورًا وملاحقَ تحتوي على قوائم بالأئمة القاسميين وولاة مدينة المخا

     تستند دراسة أوم على مجموعة متنوعة من المصادر – المعمارية والإرشيفية والأدبية – التي تستخدمها بشكلٍ فعّال. ومع أن قلب مدينة المخا التاريخي أصبح مفقودًا الآن، لكن لا يزال هناك عدد من بيوتها – أقل من عشر بيوت عندما أجرتْ أوم مسحا للمكان في العام 2000 – رغم أن أي من تلك البيوت قد لا يعود إلى فترة أبعد من القرن التاسع عشر (ص140). لقد كان لزامًا على المؤلفة أن تفترض، استنادًا إلى البيانات النصية المؤيدة، أن المنازل الموجودة تمثل عينة من تلك التي كانت قائمة خلال ذروة ازدهار مدينة المخا. والواقع أن هذه الندرة النسبية للآثار المعمارية أمر مؤسف، ولكن الحجة بشكلها العام لا تزال مقنعة. ويبدو أن مصادرها العربية، وهي عبارة عن حوليات وتراجم مكتوبة من منظور الدولة القاسمية في المرتفعات، لم تكن مفيدة بشكلٍ خاص، على الرغم من أنها تقدم تفاصيل عن المحسوبية والعلاقات المالية الممتدة من المخا وإلى جميع أنحاء اليمن. فالركيزة الحقيقية للحجة التي تقدمها أوم تعتمد على مصادرها الأوربية، وتتألف في الأساس من السجلات اليومية لشركة الهند الشرقية الهولندية، التي تقدم شهادة تفصيلية عن الممارسات التجارية والأحداث اليومية في المدينة. كما تستعين أوم بالتقارير الواردة من البعثات الموسمية التي كانت تقوم بها القوى الأوربية إلى مدينة المخا، جنبا إلى جنب إفادات الرَّحالة، كما يتضح غالبا، من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

     يعتبر كتاب "البيوت التجارية في المخا" مساهمة قيّمة تندرج ضمن العدد المتزايد من الدراسات الحديثة حول مواقع معينة على البحر الأحمر، تمتد من "القصير" [مدينة مصرية على البحر الأحمر] إلى عدن، وكل هذه المواقع تعمل على صقل وإعادة تشكيل فهمنا لمنطقة غير مفهومة بالقدر الكافي، ولكنها مهمة للغاية، والتي كانت على اتصال بالعالم في الشرق الأوسط، وجنوب آسيا، وشرق أفريقيا. ولا شك أن مؤرخي المدن والتجارة والمجتمع والعمارة، سواء على الصعيد المحلي في المحيط الهندي أو في البحر الأبيض المتوسط، وفي عالم أوائل العصر الحديث، أو في العصور الوسطى، سوف يجدون أن هذا الكتاب مفيد وممتع ويتسم بنفاذ البصيرة. لقد صيغ الكتاب بطريقة ممتازة ويمكن أن ينتفع به الطلاب الجامعيون في مراحلهم المتقدمة. كما يتضمن الكتاب خرائط ومخططات وصورًا وملاحقَ تحتوي على قوائم بالأئمة القاسميين وولاة مدينة المخا، وأوصاف المصادر الأرشيفية والمتاحف.

المصدر:

International Journal Middle East Studies, Vol. 43, No.2 (2011), pp. 364 – 366.

ربيع ردمان - كاتب وباحث أكاديمي


•••
ترجمات

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English