"فبراير" عابر السبيل النبيل

ثورة خذلتها الظروف التي ثارت عليها
د. نجيب الورافي
February 9, 2021

"فبراير" عابر السبيل النبيل

ثورة خذلتها الظروف التي ثارت عليها
د. نجيب الورافي
February 9, 2021
© الصورة ل: حمزة مصطفى

عدت من دراستي للدكتوراه في القاهرة عام 2012، وتحديدًا في اليوم التالي لانتخاب عبدربه منصور هادي رئيسًا جديدًا للجمهورية اليمنية. المعلوم أن الرئيس الجديد كان هو نائب رئيس النظام السابق علي عبدالله صالح، وهو ذاته -أي هادي- كان المكلف بإدارة البلاد خلال فترة انتقالية حددتها تسوية سياسية، تبنتها دول الإقليم، عرفت بالمبادرة الخليجية.

في طريق عودتي تلك، حلمت كثيرًا وتفاءلت بالتغيير المستقبلي لوطني في مجالات التنمية والبناء والسلام في ظل دولة مدنية قوامها العدل والمواطنة المتساوية، وهي الحلقة المفقودة، وتحقيقها كان من أهم الأهداف التي رفعها شباب 11 فبراير 2011، ولأجلها خرجوا ورابطوا والتحفوا العراء والليل والبرد والجوع، وقارعوا حفاةً وبصدور عارية آلة النظام العسكرية والأمنية وقدموا أرواحهم الغالية رخيصة في سبيل تحقيق ذلك، حتى نجحوا في زلزلة عرشه المكين، رغم جذوره الضاربة على مدى ما يقارب أربعة عقود 1978-2011 .

الغارقون في المن والسلوى الذين يغصون بالأمان النفسي والاجتماعي في ظل دول مؤسسية ديمقراطية تستند إلى قيم احترام كرامة الإنسان ومواطنته، وفقًا لقوانين ودساتير منظمة، لن يثوروا. الرافلون في فضاء الحريات السياسية والشخصية وحرية المعتقد والرأي، لن يثوروا، وإن وسوس لهم كل أباليس الأرض. هل توجد ثورة قام بها إنسان هذا الكوكب دون أن يوجد من الأسباب والمبررات ما دفعه إلى ذلك وجعله يعترض ويعارض ويتمرد ويثور؟!

لسنا بصدد المساجلة لدحض الشك والتهم الجاهزة ومصدرها المطابخ الإعلامية لأنظمة مستبدة عتيقة ومعتقة، أكل عليها الدهر وشرب، في أن ما حدث كان بفعل تآمري خارجي وأجندات إقليمية ودولية مشبوهة التوجه سيئة النية!! فالمعلوم أنه لا توجد ثورة خارج الظروف الموضوعية والتأريخية والاجتماعية التي أنتجتها.

لم تصل ثورة فبراير إلى نظام ومشروع حياتي شامل، نكستها الظروف ذاتها التي ثارت عليها، لكنها كانت نقطة الضوء في محيط متلاطم من السوء والقبح

في القاهرة عايشنا ثورة 25 يناير حدثًا حدثًا، تابعناها مشهدًا مشهدًا، زرنا التحرير بعد إعلان التنحي، رأينا كيف أن من ثاروا كانوا شبابًا ليسوا الأكثر فقرًا ولا الأشد جهلًا، بل الأفضل حالًا معيشة ووعيًا، والأشد استشعارًا للمسؤولية الوطنية تجاه شعب مصر برمته. هؤلاء الشباب الثائر كانوا بمثابة من استطاع أن يصرخ ويخرج ثائرًا في الميادين نيابة عن جيل شائخ ملّ التغيير ورضي بالموجود إيثارًا للسلامة والاستقرار، بما في ذلك كهول المعارضة في مصر وبقية بلدان ما عرف بالربيع العربي؛ تونس وليبيا واليمن، مع فارق في طبيعة الأوضاع السياسية بين بلد وآخر.

اليمن كان استثناء كبيرًا بين الدول الأربع، سواء من حيث حجم المشكلات التي كان البلد غارقًا فيها، ولامس معظمها العمق الوطني كالحروب الداخلية، وأشهرها حروب صعدة وقضية الجنوب وغير ذلك، أم من حيث عوائق ما بعد التغيير، بحيث أفضت إلى ما نحن فيه الآن من اللا دولة واللا وحدة، وحالة الحرب التي لا أحد يعلم منتهاها.

 سرعان ما حول ساسة اليمن -وأعني الحزب الحاكم وحلفاءه والمشترك وحلفاءه ثم دول الإقليم- الوضع من حالة ثورة وتغيير إلى صفقة تسوية بموجبها تبقى الدولة العميقة على حالها بلا مساس ويبقى رأس النظام، المفترض أنه رحل عن سدة الحكم ومزاولة السياسة، فاعلًا سياسيًّا وعلى رأس حزبه الحاكم المؤتمر الشعبي العام، وبدا الوضع بعد إعلان تطبيق المبادرة الخليجية، كأن خيام الشباب الثائر في كوكب، وماراثونات الساسة في القاعات والأبهية في كوكب آخر، فلا تغيير مرتقب في ظل هادي رئيسًا أو سواه.

حين هبطت بنا الطائرة في مطار تعز لم نرَ أي تغيير، ليس في حالة المطار المتردية ولا في طبيعة التعامل مع القادم، وإنما في أن هاديًا لم نره رئيسًا رغم خروج 7 مليون يمني لاختياره لهذا المنصب لا صورة له في صالة المطار الأشبه بكشك، ولا حتى أثر لملصقاته الانتخابية التي لم يمضِ عليها سوى يوم واحد، ومثل ذلك كان الأمر على طول طريق عودتنا!

بدا الثائر الشاب في اليمن وأدبية ثورته وأهدافها، في غربة مريرة عما حوله، فهو بمثابة عابر سبيل أدى دوره وانتهى به المطاف إلى النسيان، وصار آخر المفكر فيه بالنسبة إلى حلفاء الثورة من الأحزاب ومشايخ القبائل وكبار القادة العسكريين والأمنيين الزاعمين الانضمام إلى صف الثورة وهو -الثائر الشاب- أيضًا مجرم مارق متهوم في انتمائه ووطنيته من قبل دوائر ومراكز قوى أمنية وعسكرية تابعة للنظام السابق ورمزه. دوائر الثورة المضادة هذه لا تعي ولا تعرف سوى رمزها، وتعتبره الوطن والانتماء والمواطنة، والخروج عنه جحود وكفر وخيانة وطنية!

عدت إلى اليمن واقعًا تحت تأثير رفع السقف الذي أبداه ثوار مصر الشباب عقب الثورة هناك، وقد شاهدت في "تحرير القاهرة" وقائع من محاكماتهم الرمزية لأعضاء المجلس العسكري ورموز الفساد، فأذهلني لدى وصولي اليمن ما عليه حال الشباب من ثوار فبراير!! لا أحد في إمكانه المجاهرة بشعاراته الثورية ولا إبداء مواقفه علنًا خارج ساحات التغيير في عواصم المدن، فلم يكن له سوى الملاذ بخيامه التي تحولت إلى ثكنات آمنة، وبدا الشباب في مأمن من سعار القبضة الاستخباراتية والأمنية التي يتحكم بها جناحا الثورة والثورة المضادة!!

كنا أنا وأحد الأصدقاء نستقل باصًا من باب اليمن إلى الجامعة، صديقي كان أحد مناصري الثورة المرابطين في خيامها أكثر من عام، أول ما تحرك الباص بدأ أحد الركاب في المقعد الخلفي بالحديث عمن سماهم عيال "الساحة"، لا أدري إن كان متعمدًا طرق ذلك الحديث أم عفويًّا، ومما قال إن "علي صالح كان معه أخطاء لكن الأمل بأحمد علي، فالولد طيب ومش مثل أبوه"، فرد صديقي بهدوء: "وهل ما خلق الله غير علي وأحمد علي؟"، أذهلني ثورة الانفعال الغاضب التي اشتعلت في ذلك الراكب، فانفجر بلهجته الصنعانية بسيل شتائم وسباب وإدانات فجة لبنطلوناتنا وشنباتنا المحلوقة!! وبعد ملاسنة بيننا سل جنبيته وأشهرها علينا، وفوجئنا باثنين من الركاب يتحفزون معه لمعركة بالجنابي ضدنا، كان يكرر ساخطًا: "سيروا يا عيال توكل وجهال الشيخ، سيروا بلادكم لو انتو رجال، يا تعز ويا إب ما تسوقكم "مكلف"!!"، بعد تدخل الركاب لفض النزاع وتهدئة الموقف لجأ صديقي لداعي القبيلة!! فطرح الثلاثة جنابيهم حكما لنا وانتهى الموقف.

نزلنا من الباص وسألته عما يحدث، فأجاب ضاحكًا، وهو يشير إلى ركبتيه: "شكلنا لن نجني من ثورتنا سوى هذا الروماتيزم المرابط في ركبي"، وأخذ يتحدث عن انقسام اجتماعي حدث بعد الثورة، قال: "إن وسائل النظام وأدواته تغذيه وتغذي العدائية ضدنا بضراوة".

ما زالت ساحة صنعاء عامرة بالخيام، وكذلك بقية ساحات المحافظات، فقد ظل من فيها مرابطين يقيمون الفعاليات ينادون باستمرار الفعل الثوري على مستوى المؤسسات بلا جدوى لم يجدوا آذانًا صاغية ولا ترحيبًا، ليس هذا فحسب بل أقدمت دوائر معنية في حكومة "الشراكة" بتجريف خيام بعض الساحات، كما حدث مع ساحة التغيير في إب!!

صار كل تجمع ثوري محمولًا على الشك في نواياه، ليتم التربص به واستهدافه واستهداف مصالحه على المستوى الشخصي والعام. أدوات النظام الذي لم يرحل بل تقاسم الدولة مع طرف الثورة، ظلت فاعلة في الإيذاء وخلق الأزمات والصراعات والحروب الصغيرة والعبث التخريبي ببعض المؤسسات الخدمية كالكهرباء، واستفحل نشاط الإرهاب بقوة، وحوادث التقطعات القبلية على الخطوط الرئيسة بين المحافظات، ليلقي بتبعات ذلك كله على الثورة وتوصيفه بفعل طائش وتخريبي يدخل البلاد في نفق الكارثة!

التقطاع النهب العلني المنظم على الطرقات كنهب سيارة بمن فيها ردًّا على نهب مماثل كان من المصطلحات الغريبة الطارئة في حياتي!! لأول مرة أسمع أنه من حقك في العرف القبلي أن تعترض الطريق لتنهب علنًا وبقوة السلاح مسافرًا مسالمًا لمجرد أنه يمت لشخص بينك وبينه خصومة بصلة مناطقية أو قبلية، ولو بين محافظة ومحافظة ولهذا التقليد الشاذ، الذي تم استحياؤه بعد ثورة فبراير، وفي ظل حكومة الشراكة، نواميسه وأصوله!!

اصطحبت طلابي في رحلة إلى المخا ومعي أحد الزملاء الأساتذة، ولدى مرورنا بإب ووصولنا سايلة جبلة باتجاه تعز، اعترض طريقنا مسلحون هناك، وصعدوا الحافلة شاهري السلاح علينا، وأمروا السائق بتغيير مساره إلى خط فرعي، قائلين لنا إننا مع طلابنا وحافلة الجامعة في حكم المنهوبين، فانصعنا لأوامرهم وانعطفنا صعودًا حتى ساحة مدرسة إحدى القرى في ضواحي مدينة إب!!

هناك قيلت لنا التفاصيل عن أن ما قاموا به هو رد فعل على عربة "دينّا" اختطفها شخص من ذمار، كانوا قد نهبوا إلى جانبنا سيارة "هايلوكس" خضار و"دينّا"، أفادوا أننا في مأمن لكنهم لن يطلقونا إلا بإطلاق الذماري "للدينا" هكذا بدت المسألة ثأرًا متبادلًا بين محافظتين!!

رغم سعينا الحثيث حينها لدى المكتب التنفيذي لمحافظة إب، إلا أننا لم نصل إلى نتيجة، بدا لنا الأمر كأنما هو اعتيادي بالنسبة إليهم، ولا بد من تنفيذ طلب الخاطفين! كيف يقع ذلك وهو ما لم تعهده محافظة إب وليس ضمن تقاليد أهلها وأعرافهم!! مكثنا النهار بطوله حتى صباح اليوم التالي، وبعد تواصل الطلاب مع ذويهم حدثت صفقة تبادل المنهوبات بين البلدين، وخسرنا رحلة ممتعة!!

صعب أن تقنع جميع من حولك برأيك، مثلما هو صعب أن تضع آراء كل من حولك من نفسك موضع الإيمان واليقين، لكن يظل الواقع العيان والنظر بعين العدل والحق هو الميزان وسيد الأدلة. في موازين الثورات لا بد أن تتحول الثورة من حدث التغيير إلى مشروع ونظام حياتي شامل. ثورة فبراير لم تصل إلى ذلك؛ نكستها الظروف ذاتها التي ثارت عليها، لكنها كانت نقطة الضوء في محيط متلاطم من السوء والقبح! استطاعت أن تمنحنا اليقين بالتغيير مهما كان، فتحت أمامنا لذة البداية ولا نهائية الحلم.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English