اليمن.. استمرار مواجهة كوفيد 19 بالأعشاب

كيف تعمل الشائعات وسط الناس بشأن "إبرة الرحمة"؟
محمد علي محروس
September 2, 2020

اليمن.. استمرار مواجهة كوفيد 19 بالأعشاب

كيف تعمل الشائعات وسط الناس بشأن "إبرة الرحمة"؟
محمد علي محروس
September 2, 2020
ت: البراء منصور

حتى العاشر من أبريل/ نيسان 2020، لم يأبه اليمنيون بفيروس "كوفيد 19"، واكتفوا بمتابعة مستجداته في المحيط العربي ودول العالم الأول التي عجزت عن مواجهة موجاته المتلاحقة، جازمين أن لا مكان له بينهم، إذ تعيش اليمن في ظل ظروف استثنائية فرضتها الحرب الدائرة منذ ست سنوات.

سؤال ظل عالقًا لأشهر، حتى إن آخرين عبّروا عن بهجتهم بالحالة اليمنية: «إن الله لا يجمع بين عُسرين!» وكأنهم يجزمون أن الحرب و"كوفيد 19" لن يجتمعا، وتلك أمنية سرعان ما قُطّعت أوصالها في العاشر من أبريل/ نيسان 2020، حين أُعلن عن أول إصابة بفيروس "كوفيد 19" في اليمن، ليشارف عدد المصابين حتى الأحد 30 أغسطس/ آب 2020، إجمالي الحالات المؤكدة (1953)، منها (564) وفاة، و(1123) حالة تعافي، وفق إحصائيات اللجنة الوطنية العليا لمواجهة الوباء، الراصدة لحالات الإصابة في المناطق التابعة للحكومة المعترف بها دوليًّا، في حين لم تعلن حكومة أنصار الله (الحوثيين) سوى عن تسجيل 4 إصابات بـ"كوفيد 19" بينها حالة وفاة واحدة. 

وصفات تجارب

 طوال أسبوعين، صارع أحمد عبدالله (33 سنة)، وباء "كوفيد 19"، دون أن يذهب لمركز العزل، أو يراجع الطبيب؛ فقد اكتفى في مواجهة الإصابة، باستخدام خلطات عشبية متنوعة وصفها طعمها بالمرير. مرّ أحمد بكل الأعراض التي تشير إلى الإصابة بالفيروس، لكنه لم يستسلم، فبالإضافة إلى معنوياته العالية، كان يجرّب مع كل عرَض يحلّ به وصفةً عشبية جديدة، متسلِّحًا بالإرادة والإيمان، حتى انتصر في نهاية المطاف، كما يقول.

بابتسامة النجاة، وبوجهٍ ما تزال آثار الإرهاق تعلوه، يحكي أحمد لـ"خيوط"، تجربته التي لم تتوقف عند هذا الحدّ. فالرجل أعاد الكرّة ثانية عند رعايته لأخيه الأكبر، حين أصيب بـ"كوفيد 19"، وكانت حالته أصعب بسبب كونه مصابًا بالسكر، حتى إنه عانى من ضيق في التنفس، وهنا قام أحمد بغلي الماء وأضاف إليه القرنفل وجعله يستنشق بخاره بشكل مستمر ولمرات عدة، حتى نجا.

"أحمد" واحد من ملايين اليمنيين الذين لجؤوا إلى وصفات عشبية؛ للنجاة من الإصابة بفيروس "كورونا"، ولمواجهته في الوقت ذاته. إذ قصدوا محلات بيع تلك الوصفات بشكل يومي، مع تنويع الخلطات الموصوفة من عدة أشخاص، وفق تجربة كل شخص على حدة.

يُدرج التداوي بالأعشاب ضمن حالات الهروب من الواقع، والابتعاد عن التشخيص الدقيق بالإصابة، إضافة إلى عوامل أخرى ساهمت الشائعات التي رافقت انتشار "كوفيد 19" في ظهورها، ولجوءهم إلى الوصفات العشبية لا تعدو عن كونها اجتهادات شخصية.

اجتهادات شخصية

الدكتور "صادق عقلان"، طبيب في مركز العزل بالمستشفى الجمهوري في تعز، يُدرج العلاج بالأعشاب ضمن حالات الهروب من الواقع، والابتعاد عن التشخيص الدقيق بالإصابة، إضافة لعوامل أخرى ساهمت الشائعات التي رافقت انتشار "كوفيد 19" في ظهورها، وتعاملَ الناس معها كحقائق ماثلة، منها على سبيل المثال ما عُرف بـ"إبرة الرحمة"، التي "تناقلها حتى زملاء في القطاع الصحي"، حسب تعبيره.

وأضاف "عقلان" لـ"خيوط": «مسألة الوصم الاجتماعي لعب دورًا بارزًا في عزوف الناس عن الإفصاح عن إصابتهم بالمرض، ولجوئهم إلى الوصفات العشبية، التي لا تعدو عن كونها اجتهادات شخصية، ولا تأثير فعّال لها، إلا من باب رفع المناعة، وهذا ليس كافيًا للانتصار على "كوفيد 19"، بل يجب أن يكون المصاب تحت الرعاية الطبية أمام أنظار المختصين من الأطباء»، يضيف د. "عقلان".

بلا مرجعية

مسؤول الشرق الأوسط في مجموعة مستشفيات "أبولو" الهندية، الباحث في طب الأطفال والأسرة، الدكتور "وليد البكيلي" عبّر لـ"خيوط" عن استيائه من هذا النهج الذي لا يُعتبر دقيقًا، واصفًا إياه بغير العلمي، ولا يستند لأي مرجعية صحية عالمية وذات صلة بتطورات فيروس "كوفيد 19"، على المستويين العلاجي والبحثي.

ويقول البكيلي إنه ضد أي وصفة عشبية لا تستند إلى إدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA، التي تمثل مرجعية عالمية على مستوى الأغذية والعقاقير الدوائية.

غلام ضبعان، دكتوراه في علم الميكروبات الطبية والمناعة بكندا، قال لـ"خيوط": «من الطبيعي أن يكون هذا الاعتقاد هو السائد عند مجتمعنا المحافظ، الذي تغلب عليه العادات والتقاليد، لكن الحقيقة أنه لا يوجد أي دليل علمي يثبت ذلك».

وأضاف: «ما ساعد اليمنيين في اجتياز هذه المرحلة هي أسباب أخرى تمامًا"، ويعمل "ضبعان" منذ أول إصابة بـ"كوفيد 19" في اليمن، ضمن دراسات دولية لتشخيص الحالة اليمنية التي وصفها بالمثيرة والنادرة.

تجارب ناجعة

لكن غسان المقطري له وجهة نظر أخرى، فبالإضافة إلى مضاعفة مبيعاته من الأعشاب خلال هذه الفترة جراء تفشي فيروس "كورونا"، فالرجل يرى أن إقدام الناس وهرعهم إلى الطب البديل دليل على الاستفادة منه، وهناك تجارب عايشها بنفسه حسب قوله، وكانت ناجعة.

ويضيف المقطري لخيوط: «عملتُ على إعداد وصفات عشبية عدة منذ بدء المرض، ومن واقع خبرتي في هذا المجال، فإنني كنت أعتمد على "عود القسط الهندي" و"حبة البركة" أو ما تُعرف لدى اليمنيين بـ"الحبة السوداء"»، وهذان كفيلان برفع مستوى المناعة، كما يقول.

ويستدرك المقطري بصوت خافت: «هذا لا يعني بأن الأعشاب البديلة لا أضرار جانبية لها، وهو ما أحرص على تنبيه زبائني به؛ حتى لا يُكثروا منها، ويكونوا عرضة لمضاعفاتٍ ما...»، ومع ذلك يجزم بأن للأعشاب فاعليتها التي لا تُضاهى.

يؤيده إلى حدٍّ ما صلاح البعداني، الذي يعود إلى قنوات وصفها بالمتخصصة على اليوتيوب لأطباء وخبراء من ذوي التجربة، ولا يدخر البعداني جهدًا في تتبع وصفاتهم وتطبيقها، والعمل على نصح جيرانه وأبناء منطقته بفعل ذلك؛ لمواجهة "كورونا" بأسهل وأقصر الطرق، وبما هو في المتناول، بعيدًا عن التكاليف الباهظة، التي لا قِبل لكثيرين بها نتيجة الظروف التي يمرون بها، حسب قوله.

وتعتمد وصفات البعداني على القرفة والكركم والثوم، مخلوطة ببعض الحمضيات كالليمون والبرتقال، إضافة إلى العسل والحليب والماء المغلي، ولا تنازل عن الفواكه والخضروات.

رغم حالات الإصابة التي ارتفعت خلال شهري مايو/ أيار ويونيو/ حزيران الماضيين، إضافة إلى ما رافقها من زيادة معدلات الوفيات في الفترة ذاتها، إلا أن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA في اليمن تحدث في تقرير له في أغسطس/ آب 2020، عن انخفاض للحالات المرصودة في البلاد، محذّرًا في الوقت ذاته من موجة ثانية قد تكون أقوى من سابقتها، بحسب ما جاء في التقرير.

ويدرس أكاديميون يمنيون ومختصون الحالة اليمنية المثيرة للاهتمام، من بينهم "غلام ضبعان"، المتخصص في علم الميكروبات الطبية والمناعة، الذي تحدّث عن أسباب خاصة باليمنيين، ساهمت في الحدّ من خطورة وقع الفيروس، يعمل "غلام" على دراستها، وقال إنه سيكشف عنها "في وقت لاحق".


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English