"البلدة" نجم يسطع في السماء

تحتفل به حضرموت في الأرض
سمية أحمد
August 4, 2020

"البلدة" نجم يسطع في السماء

تحتفل به حضرموت في الأرض
سمية أحمد
August 4, 2020
ت: عبدالله عثمان

مع بزوغ خيوط الشمس الأولى من الفجر، تدب الحياة والحركة في سواحل مدينة المكلا عاصمة محافظة حضرموت المطلة على بحر العرب. هاربين من حرارة الأجواء وانقطاعات الكهرباء المتكررة في ليالي الصيف الطويلة، يتوجه سكان المحافظة وزوارها إلى البحر ليغتسلوا في مياهه الباردة ويغسلوا معهم بقايا همومهم ومعاناتهم.

فبعد أكثر من ثلاثة أشهر على الحظر الصحي الذي تم فرضه على المحافظة مطلع أبريل/نيسان من العام الحالي بسبب وباء فايروس كورونا "كوفيد-19" وامتناع الناس عن الخروج، جاء موسم البلدة الشهير كانفراجه و"تطبيب" للناس هنا، حيث توافد أبناء حضرموت من الساحل والوادي وبعض مدن المحافظات المجاورة بشكل غير مسبوق إلى البحر شديد البرودة، والذي تكون السباحة فيه في مثل هذا الوقت من السنة تجربة فريدة ومثيرة لها فوائد صحية جمة. 

من الأماكن التي يرتادها الناس في موسم البلدة شاطئ سيف حميد بالمكلا القديمة: شاطئ كورنيش شارع الستين، شاطئ ساحة العروض، وغيرها من الشواطئ في المديريات والمناطق الأخرى كمديرية الشحر، ومنطقة شحير، ومنطقة روكب، وهناك مطاعم مشهورة في المدينة مثل مطعم الستين والسفينة.

موسم العجائب 

"موسم البلدة" ظاهرة طبيعية ومناخية فريدة تمتاز بها سواحل محافظة حضرموت، تحدث في الفترة ما بين 15 و27 من شهر يوليو/تموز من كل عام ميلادي. ويقول الباحث خالد القحوم لـ"خيوط" عن هذا الموسم: "على الرغم من سخونة الأجواء خلال هذه الفترة الخريفية إلا أن هبوب الرياح الجنوبية الغربية - والتي تسمى محليًّا "رياح الشمال" - تؤدي إلى تلطيفها والتخفيف من سخونتها، وتعطي المناطق الساحلية أجواء لطيفة ونسمات الباردة، وتتسبب في إحداث تيارات بحرية ينجم عنها برودة البحر". 

وعن تفرد سواحل حضرموت دون غيرها من بقاع الأرض بهذه الظاهرة يقول الفلكي سالم الجعيدي في حديث لـ"خيوط": "في بدايات شهر مايو تحدث تيارات مائية في أعماق البحار وتتحرك من جنوب خط الاستواء - المعروف ببرودة مياهه - لتنتقل كتيارات مائية غائصة في الأسفل، تتجه إلى أفريقيا ثم خليج عدن ثم خليج البنغال. هذا الحزام من التيارات يتكون في أعماق البحار.  ولكن بفعل رياح "الموسون" (الرياح الموسمية الجنوبية الغربية) التي تشتد على السواحل من بداية منطقة "بئر علي" بمحافظة شبوة غربا إلى مديرية "قصيعر" بحضرموت شرقا؛ تدفع كتل المياه للساحل في عملية متكررة تؤدي إلى ارتفاع وهيجان البحر ليرفع معه التيارات الغائصة الباردة إلى أعلى (upwilling)، فيبرد البحر الذي قد تصل درجة حرارته إلى 13 درجة مئوية، أما بقية المناطق التي تتجه نحوها التيارات تبقى هذه الكتل الباردة في الأسفل ولا تتسبب في برودة مياه السطح بسبب عدم هبوب الرياح. 

يعتبر نجم البلدة العتيق جزءًا من التقويم النجمي، وهو واحد من 28 نجم أو منزلة، التي تغرب وقت الفجر ومع غروبها تحدث تغيرات مناخية مهمة

نجم البلدة ليس مجرد "موسم" تنخفض فيه درجات حرارة البحر فحسب، بل إنه ارتبط بحياة الناس في حضرموت ومواسم زراعتهم وتجارتهم منذ القدم، وفي سياق المدلول الثقافي والشعبي، يقول الباحث خالد القحوم لـ"خيوط" "موسم البلدة ارتبط بشكل وثيق بالجانب المهني لأهل حضرموت، فعندما كانت الحياة بسيطة وبعيدة عن تعقيدات التكنولوجيا الحديثة، كان للنجم أهمية كبيرة، حيث كان ملاك الأراضي الزراعية يبرمون عقودهم ويحددونها من البلدة الحالية إلى البلدة القادمة، وفيه يتم وضع البذور وحصاد التمور. أما الصيادون لكونهم أكثر ارتباطا بالبحر، قديما كانت معداتهم بسيطة لا يقوون بها على مواجهة رياح البحر وأمواجه في هذه الفترة، لذلك كانوا يعودون إلى أهاليهم ويقومون بعمليات الجرد للسنة الماضية والاستعداد لرحلات السنة القادمة، ويكتفون بالصيد من الخلجان القريبة والهادئة". 

بعد تاريخي 

نعود بالتاريخ إلى الوراء للتعرف على حكاية البلدة ونجمها العتيق، الذي ارتبط بالتقويم النجمي أو كما يعرف بالتقويم (الشبامي) يقول الفلكي سالم الجعيدي خلال حديثه لـ"خيوط": "إن الحضارات القديمة كانت تسير على تقويمين أساسيين، الشمسي (الميلادي) والقمري أو كما سمي مؤخرا بالهجري.

يشير الجعيدي إلى أن التقويم الشمسي كان يُعمل به في بلاد اليونان والإغريق منذ القدم، أما في شبه الجزيرة العربية كان غير معروف بعد، لهذا اعتمدوا على التقويم القمري. ولكنه لا يتوافق مع فصول السنة ومواسم الزراعة ورحلات الصيد والتجارة مثل التقويم الشمسي، لهذا اضطر العرب إلى البحث عن تقويم آخر ينظم لهم حياتهم ومواعيدها، وهذا كان بداية معرفتهم بالتقويم النجمي.

ويضيف الجعيدي "كان العرب إذا غربت الشمس في المساء لا يرون على وجه الأرض إلا النجوم، فحفظوا هذه النجوم وحفظوا صفحة السماء عن ظهر غيب، ولاحظوا أن هذه النجوم -التي هي منازل الشمس والقمر- عندما تغرب في وقت الفجر فإنها تغرب مطابقة للمناسبات. فإذا كان زراعة محصول معين في منزلة الذراع فإنه يتكرر كلما تكرر غروب هذا النجم، وهكذا ربطوا مواسمهم وفعاليات حياتهم بغروب النجوم وبزوغها، وهي حسب التقويم النجمي ثمانية وعشرين منزلة أو نجمًا يستمر كل واحد منها ثلاثة عشر يوما ليغيب ويظهر نجم آخر".

وفي حضرموت سمي التقويم النجمي بالتقويم الشبامي، لأن أكثر من استخدموه هم أهل مدينة شبام التاريخية بوادي محافظة حضرموت الذين اشتهروا بالزراعة والتجارة منذ القدم (1)، لم يعرف الحضارم التقويم الميلادي إلا بعد الانتداب البريطاني، وما قبل ذلك كانوا يستخدمون التقويمين القمري والنجمي من أجل الزراعة والحصاد والرحلات البرية والبحرية كرحلة الشتاء والصيف. 

نجم البلدة هو جزء من التقويم النجمي، وهو واحد من 28 نجمًا أو منزلة، التي تغرب وقت الفجر ومع غروبها تحدث تغيرات مناخية مهمة. حول هذا يضيف الفلكي سالم الجعيدي: "إذا غرب نجم البلدة في وقت الفجر، يتوافق تغيرات مناخية في ساحل ووادي حضرموت، في الساحل يحدث أولا برودة البحر، وثانيا ما سمي بإغلاق للبحر، حيث كان أهل الساحل يسافرون بالمراكب الشراعية والسواعي إلى شرق أفريقيا والهند والخليج وغيرها لصيد ونقل البضائع والمسافرين على مدار السنة إلا عند اقتراب نجم البلدة، يكون بمثابة إنذار لهم للعودة إلى بلدهم وهذا ما يسمى بإغلاق البحر طوال شهر يوليو وأغسطس الذي يكون فيهما البحر في حالة اضطراب وهيجان شديد، ثم تبدأ الفتوحات مع الثلث الأول من سبتمبر. أما في وادي حضرموت ولكون نجم البلدة هو الثاني في فصل الخريف، فبمجرد دخول البلدة يكتمل نضوج التمور ويبدأ المزارعون في عمليات الحصاد.

تسبب فيروس كورونا في عرقلة تنفيذ المهرجان السياحي، نتيجة الكثير من المعوقات التي تكمن في فرض الحظر الصحي وإغلاق المنافذ البرية التي حالت دون وصول الكثير من الزوار من خارج المحافظة.

البلدة والسياحة

على الرغم من اضطراب الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية التي يشهدها اليمن، الأمر الذي أسهم في تراجع النشاط السياحي وغياب توافد السياح الأجانب، إلا أن الاستقرار النسبي الذي شهدته مدن ساحل حضرموت خاصة بعد تحررها من سيطرة عناصر تنظيم القاعدة في أبريل/نيسان 2016، أعاد السياحة الداخلية إلى الواجهة في ظل الحرب واستمرار الصراعات والاختلالات الأمنية التي تشهدها معظم مناطق البلاد.

يقول مدير مكتب وزارة السياحة في ساحل حضرموت الدكتور وجدي باوزير لـ"خيوط" إن الحرب قصمت ظهر السياحة حيث يعتبر قطاع السياحي من القطاعات المنكوبة منذ 2014، مشيرا إلى أنه في السابق كانت المدينة تستقبل العديد من "القروبات" السياحية فمنها من يأتي برا بعد الوصول للعاصمة صنعاء، ومنها من يأتي عبر بواخر عملاقة تصل إلى ميناء المكلا وتمكث ساعات محددة. وحاليا بعد اندلاع الحرب لم تصل أي "قروبات" سياحية وإنما حالات فردية وغير مجدولة.

منذ العام 2013 ومدينة المكلا تشهد قيام مهرجان البلدة السياحي في الـ15 من يوليو من كل سنة، والذي تتخلله العديد من الفعاليات الثقافية والسياحية والغنائية والرياضية فخلال الفترة ما بين (2013 و 2019) أقيمت حوالي سبعة مهرجانات، وتم إلغاء مهرجان واحد فقط في العام 2014 بسبب الحرب أو الفراغ الإداري خلال فترة احتلال القاعدة للمكلا.

يعتبر موسم البلدة السياحي من أهم المواسم التي تحقق فوائد كبيرة وتتيح فرص الاستغلال الأمثل للإمكانيات السياحية والترفيهية والعلاجية، وتسويقها محليا وعربيا ودوليا، وتحريك الاقتصاد بهدف جذب السياح لمدينة المكلا والمدن القريبة منها والإسهام في نشر التراث الفولكلوري والأدبي والغنائي والتراثي للمحافظة على حد قول الباحث القحوم. 

وحول إعاقة قيام مهرجان البلدة السياحي لهذا العام يوضح باوزير: "إن مكتب وزارة السياحة قام بإعداد دراسة وتصور لمهرجان هذا العام إلا أن أزمة جائحة كوفيد 19 تسببت في عرقلة تنفيذ المهرجان السياحي، نتيجة الكثير من المعوقات التي تكمن في فرض الحظر الصحي وإغلاق المنافذ البرية التي حالت دون وصول الكثير من الزوار من خارج المحافظة".

الأجواء اللطيفة وبرودة مياه البحر لا تزال تغري آلاف المواطنين من داخل المحافظة وخارجها للقدوم إلى المكلا خلال موسم البلدة، ويكون البحر مقصدهم الأول إلى جانب الاستمتاع بالسباحة والمشي والجلوس والاستلقاء تحت أشعة الشمس وتناول بعض الأكلات الشعبية مثل (الباخمري) في الصباح الباكر. يقول صالح العمودي وهو أحد سكان مدينة سيئون بوادي حضرموت لـ"خيوط": "أسافر إلى مدينة المكلا في كل موسم للبلدة مع عائلتي الصغيرة للاستجمام والاستمتاع والاغتسال في مياه البحر الباردة، وهي فرصة أغتنمها ولا أفوتها منذ عشرة سنوات متواصلة خصوصا مع الإجازة الصيفية للأولاد التي تصادف هذا الموسم الجميل".

 يعتقد أيضا أن الاغتسال في المياه الباردة في وقت الفجر يعيد النشاط للأجسام ويشفيها من الكثير من الأمراض خاصة الجلدية منها، بالإضافة إلى تزويد الجسم بفيتامين D الذي يساعد على نمو وتكوين العظام وغيرها من الفوائد الصحية الكثيرة التي ثبتت فعاليتها من تجارب الأجداد وأهل المنطقة حتى قيل في الأمثال الشعبية: "الاغتسال في البلدة يغني عن حجامة سنة"، وقيل أيضا: "غسلة في البلدة ترجع الشايب ولده" أي تعيدها شابة ممتلئة بالحيوية والنشاط.

------------

(1) وارده في كتاب "بغية المسترشدين" للعلامة عبد الرحمن المشهور، وكتاب "نصب الشرك فيما يحتاج إليه من علم الفلك" للعلامة أبو بكر عثمان العمودي. 


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English