أضحى صنعاء بدون طقوس الحج

عادات العيد تقاوم الاندثار
نورا الظفيري
July 31, 2020

أضحى صنعاء بدون طقوس الحج

عادات العيد تقاوم الاندثار
نورا الظفيري
July 31, 2020
ت: محمد المخلافي

تحتضن أسوار مدينة صنعاء القديمة طقوسًا تقليدية واسعة للمناسبات الدينية مثل عيد الأضحى وموسم الحج المتوقف هذا العام. هذه الطقوس تميز المدينة عن غيرها من المدن؛ بعضها ما يزال يقاوم تغيرات الزمان وانقلابات الظروف، فيما انحسرت بعضها وراء جدران الذكريات لتبقى شاهداً على ذلك الزمان.

لكن موسم هذا العام مختلف لعدة أسباب كان لفيروس كورونا الدور في فرضها بعد ما تسبب في إيقاف فريضة الحج هذا العام، والاقتصار من قبل السلطات السعودية على عدد محدود من مواطنيها والمقيمين لديها.

كما أثر توقف الحج على طيف واسع من الطقوس والعادات التي كانت تميز أضحى صنعاء ومختلف المدن اليمنية، مع بقاء تقاليد أخرى تقاوم الاندثار.

أمة الرزاق جحاف، وكيلة الهيئة العامة للمحافظة على المدن والمعالم التاريخية، تقول لـ"خيوط" إن اليمن تمتلك مخزونًا هائلًا ومتفردًا من التراث الثقافي اللامادي المتوارث عبر آلاف السنين والذي لا تزال الذاكرة الجمعية للشعب تحتفظ بالكثير منه. 

أصوات التكبيرات التي تشدو بالتسبيح في أسواق صنعاء القديمة تبدد انخفاض الحركة التجارية في موسم العيد هذا العام، مع انتشار معامل صناعة الكعك التي خرجت من المنازل إلى الأسواق

طقوس الموسم

كان الحاج المتوجه لأداء الفريضة قبل سفره بيوم يقوم بعمل حفلة يجمع إليها الأهل والجيران والأصدقاء لتوديع الحاج، ويطلب من الجميع أن يسامحوه، ويقوم بكتابة وصيته. كما يتم تجهيز ملابس الإحرام، ومجموعة من المواد الغذائية من كعك وبهارات وبن وقشر البن، مع تغير احتياجات الحاج اليوم عما كان عليه الحال قديماً؛ إذ كان الحاج يأخذ أشياء تكفيه لرحلة الحج التي كانت تستمر لمدة الأشهر.

وفي يوم السفر يجتمع الرجال الذين سيرافقون الحاج إلى المطار أو نقطة انطلاق الحافلات التي تقلهم براً إلى مكة في المملكة العربية السعودية. وعند خروج الحاج من منزله، يكون هناك منشد "يسبح له" ويؤذّن ويكبّر، ويستمر معهم طوال الطريق.

يوضح المنشد نبيل رفيق أن الحاج يطلب من أهله وجيرانه وأصدقائه "المسامحة"، ويوصي الزوجة الاهتمام بأولاده، حيث كان الحجاج قديمًا يخوضون رحلة مضنية تستمر شهورا غيرَ متيقنين من عودته سالمًا. 

يضيف رفيق لـ"خيوط": "في مناسبة توديع الحاج يقوم أول شيء المنشد يؤذن من داخل بيت الحاج نفسه، ثم بعدها التسبيح المعروف عندنا، وبعدها يودع الحاج أهله وجيرانه وأصدقاءه، ويطلب منهم المسامحة". 

 افتقدت صنعاء مثل هذا الطقوس هذا العام، ومنها "المدرهة" أو الأرجوحة المخصصة للحاج يوم الوقفة الصغيرة في فناء البيت أو بجوار باب بيت الحاج، ويعلقون ملابس الحاج عليها وتسمى "المدرهة" باسمه، وتظل حتى يعود الحاج من مكة.

في هذا الجانب تحدثت أمة الرزاق جحاف "أن عادة "التدره" أو التأرجح على "المداره" أو الأرجوحات في موسم الحج – دون أن يكون ذلك بدافع اللعب والتسلية - من العادات والتقاليد الشعبية المتوارثة في اليمن. ولعلها نشأت من أصل خرافي حين كان الإنسان يعتقد أن عليه أن يحمي نفسه من الشرور بإحاطته بالتمائم والتعاويذ. وبهذا المعنى تصبح "المدرهة" مناسبة دينية رمزية يمارسها الأفراد كخدمة يؤدونها لحجاجهم ليشعروا بالاطمئنان عليهم من جهة، ويقدموا لهم الحماية ليضمنوا نجاتهم من جهة أخرى".

وبحسب جحاف فإن "إقامة "المداره" في موسم الحج من كل عام عادة يمنية قديمة، لا أحد يعرف بالتحديد متى بدأت، وما أسباب ارتباطها بموسم الحج.

يفسر خبراء بالموروثات اليمنية "المدرهة" بوصفها أمرًا قدريًّا حتميًّا لا بد من حدوثه، بقوته الذاتية، أو بقوة قانونه العلمي المرسوم الذي يحكم على الجسم المعلق إذا ما مال عن مركز تعامده بقوة دافع ما، أن يعود تلقائياً إلى الوراء، ثم إلى الأمام، وهكذا حتى يستقر إلى وضع تعامده على مركزه. ومركز تعامد الحاج هو وطنه وبيته وأهله. ومن هناء جاء تفاؤلهم بعودة الحجاج على هذا النحو المحتم، وجاء تشاؤمهم أيضا من انقطاع حبل "المدرهة" أو سلسلتها الحديدية، ويعدونها مهالك قد يتعرض لها حجيجهم".

توقفت "المدرهة" هذا الموسم عن التأرجح، كما لن تعيش صنعاء القديمة بقية الطقوس الخاصة بعودة الحجاج. توجز هذه الطقوس عائشة محمد (من سكان صنعاء القديمة) لـ"خيوط"، منها: تجمع خاص بالعودة يتم في عصر اليوم التالي لعودة الحاج، يشهد تجمع الأهل والجيران، ومن ثم في المساء يتم توزيع الهدايا التي كانت قديمًا عبارة عن قبعات ومسابح وتمر، وللأهل النساء قطع قماش و"مكحلة" نحاس وغرارة كحل، وللرجال أثواب وشيلان، وللأطفال "كوافي" و"يلقات"، وللبنات قطع قماش وإسوارات.

أضاحي العيد

تتميز صنعاء القديمة بطقوس تتعلق بالأضاحي، حيث تبدأ عملية الشراء والبيع للأضاحي من أول يوم لشهر ذي الحجة، ويزيد الإقبال على الشراء في آخر خمس أيام من عشر ذي الحجة التي تسبق دخول عيد الأضحى.

وأفاد باعة مواشٍ في بعض أسواق صنعاء عدم تأثر القطاع الحيواني في صنعاء وتهامة في الحديدة غرب اليمن بالإجراءات الخاصة التي تم تنفيذها لمكافحة فيروس كورونا، إذ كان هناك استيراد للمواشي من أثيوبيا عبر ميناء المخا، وتصل إلى أحواش خاصة بها في الحديدة لتربيتها.

تحكي أمة الرزاق جحاف عن عادة ذبح الأضاحي: "كانت العادة أن يتم في أول أيام العشر شراء الأضحية، ومن ثم يتم وضع مادة "الحناء" عليها كعلامة على أنها أضحية العيد".

وتتابع جحاف أنه كان يتم تبخير البيت والأضاحي كل ليلة من ليالي العشر بنوع من أنواع البخور يسمى "تثوير" أو المر لطرد "الشياطين" وتحريزها من العيون. وعندما يتم التضحية بها وخصوصاً للأضاحي الكبيرة التي يزيد عمرها على عامين، كان على مالكها أن يقوم بالإجراءات الخاصة بالأضحية بنفسه، وهو الأفضل، أو يقوم بتوكيل من ينوب عنه. وكذلك يقوم بتقصير شاربه ولحيته والاغتسال ثم يتم توزيعها للفقراء.

أسواق صنعاء القديمة 

تعج أسواق صنعاء القديمة هذه الأيام بأصوات تعلو في كل مكان فيها تشدو بالتسابيح والتكبيرات هنا وهناك؛ وهي طقوس يمارسها الجميع لإحياء شعائر الله داخل المدينة.

الحاج محمد اليريمي (أبو العربي) من تجار سوق الملح في صنعاء القديمة، يؤكد لـ"خيوط" تراجع الحركة التجارية كثيراً هذا الموسم مقارنة بالأعوام السابقة، بسبب ما تمر به اليمن بسبب الحرب الدائرة في البلاد منذ ما يزيد على خمس سنوات وتأثيرها على وضعية الناس المعيشية. ويضيف اليريمي أن الحركة سابقاً كانت ترتفع بشكل كبير في العشر الأيام الأولى التي تسبق العيد، إذ يزيد الإقبال على الأسواق وبشكل خاص الأسواق القديمة، لكن مع تراجع القدرة الشرائية للناس تأثرت الأسواق بشكل كبير.

وعلى الرغم من توقف الحج هذا العام إلا أن الطقوس مستمرة، كما يُلاحظ في هذه الأسواق التي تعلوها أصوات التسبيح والتكبيرات التي ترافق عادة سفر الحجاج.

وبخصوص مستلزمات وحلويات العيد تتحدث جحاف أنه حتى منتصف الثمانينات كانت هذه المستلزمات التي يُطلق عليها في صنعاء القديمة "جعالة العيد" كلها محلية ومن إنتاج اليمن، مثل الزبيب اليمني المشهور حيث يُزرع في اليمن حوالي 45 نوعاً منه، وما يزال يُزرع حوالي 25 نوعًا. كما يتميز الزبيب اليمني وأشهره البياض والرازقي والزبيب الأسود الحاتمي، إضافة إلى اللوز اليمني، بالجودة الفائقة على مستوى العالم. وهناك، كما تقول جحاف، جبل يسمى "جبل اللوز". وكذلك "الجوز" اليمني الذي كان يغطي إنتاجه حاجة السوق المحلية، وكذلك حبوب البازلاء المقلية.

وتتابع حجاف: "إن الأسر الفقيرة التي لم تكن تتمكن من شراء اللوز البلدي كانت تقوم بتحميص بذور البرقوق أو كما يسمى بالمشمش اللوزي".

منذ نحو 15 عام تم السماح باستيراد الزبيب الصيني على الرغم من أنه أقل جودة إلا أنه يحظى بإقبال بسبب انخفاض سعره، وكذلك نافس اللوز والجوز المستورد بقوة المنتج المحلي.

كعك العيد

كانت الأسرة اليمنية، وخاصة في المرتفعات، منذ منتصف العشر من ذي الحجة تقوم بتجهيز عجينة الكعك من قبل النساء يشاركهن في ذلك الصغار على سبيل المتعة والتسلية، إذ كان ذلك يخلّف ذكريات جميلة تجعل الصغار ينتظرون هذه المناسبة بفارغ الصبر.

غالباً ما يتم تجهيز الكثير من أنواع الكعك، أشهرها الكعك الصنعاني المالح، وكذلك "الغريبات"، وكعك السمسم، وكعك التمر، وهناك أيضاً نوع من الكعك عبارة عن مثلثات صغيرة تسمى "مقصقص" لأنهم كانوا يقومون بتقطيع العجينة بالمقص، وهذا النوع الأخير يخلط مع الزبيب.

عندما تنتهي عملية تجهيز الكعك يتم تبادله بين الجيران، وهذه الممارسة جزء من عادات مدينة صنعاء القديمة، لكنها بدأت تختفي لتفضيل بعض الأسر الحصول على كعك جاهز من الأسواق، بعد أن بدأ يتوفر من خلال مشروعات صغيرة لصناعة الكعك.

تشيد وكيلة الهيئة العامة للمحافظة على المدن والمعالم التاريخية، بهذه المشاريع الصغيرة لعمل الكعك لأن هناك بيوتًا تتبنى إنتاجه كمشروع، وهذا يدعم الاقتصاد الوطني ويحسن مستوى الدخل الأسري، إلا أن السلبية الوحيدة هو أن هذه المشاريع تأتي على حساب العلاقات الاجتماعية سواء داخل الأسرة أو في محيطها الاجتماعي.

كما يعتبر "سلام العيد" إحدى العادات الاجتماعية المميزة التي توثق الروابط الأسرية وتعزز بالذات علاقة الرجل بأرحامه، فقد جرت العادة أن يقوم رب الأسرة ليلة العيد أو الليلة التي قبلها بتجهيز كشف بأسماء محارمه اللواتي سيقوم بزيارتهن صباح العيد بحسب درجة القرابة، وأيضا عدد الأطفال في كل بيت، وتحديد المبالغ بحسب الأعمار. وتتوقف كمية المبلغ بحسب استطاعة وامكانية كل فرد وفقاً لقانون العرف الاجتماعي المتوارث.

وفي نفس الوقت تستعد كل امرأة لاستقبال أقربائها الذين سيأتون لزيارتها و"عسبها" وذلك بتجهيز جعالة العيد مع العطر وبخور العودة الذي ستستقبلهم به.

بخصوص مصطلح "عسب" الذي يعني تقديم مبلغ من المال للأطفال والأهل والأقارب خلال الزيارات العائلية التي تتم في العيد، توضح جحاف أنها كلمة سبئية قديمة أوردها الأستاذ مطهر الإرياني في معجمه السبئي، حيث وردت كلمة عسب بمعنى العطية أو الهدية المجانية.


•••
نورا الظفيري

إقـــراء المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English