الحرب اليمنية وإعادة التفكير

عن التقرير الأخير لمجموعة الأزمات الدولية
عبدالباري طاهر
July 22, 2020

الحرب اليمنية وإعادة التفكير

عن التقرير الأخير لمجموعة الأزمات الدولية
عبدالباري طاهر
July 22, 2020

تحت عنوان «إعادة التفكير في كيفية تحقيق السلام في اليمن»، أصدرت مجموعة الأزمات الدولية تقريرها الأخير برقم (216) في 2 يوليو/ تموز 2020. التقرير كبير نسبياً، ويحتوي عدة عناوين فرعية عما تريده أطراف الصراع الداخلية والإقليمية، والجهود الدولية للخروج من المأزق، وخلاصة، وملاحق، وصولاً إلى استنتاجات رئيسية أخطرها عدم رغبة كل الأطراف في الوصول إلى حل. والأخطر أن وساطة الأمم المتحدة لم تعد توفر مساراً واقعياً نحو تحقيق السلام بالنظر إلى التشظي السياسي والعسكري. وهو تقرير واقع فاجع.

يشير التقرير إلى أن القتلى أكثر من 112000، وهو رقم متواضع جداً لا يأخذ بعين الاعتبار ساحات الحرب الممتدة التي تشمل جُل الأراضي اليمنية: شمالاً وجنوباً، وشرقاً وغرباً، وتضم مئات الآلاف من المقاتلين، وعشرات المليشيات، وتمتد لأكثر من خمسة أعوام، وضحاياها المدنيين أكثر من المتقاتلين، وتنخرط في الحرب أطراف إقليمية ودولية.

 القصف الجوي للمدن والقرى والأسواق الشعبية وصالات الأعراس والعزاء، يمكن أن يقترب ضحاياه من هذا العدد، أما الحرب الأهلية فأكثر بكثير، وهي ممتدة في طول اليمن وعرضها.

إننا نشكك في دقة الرقم؛ فقتلى المجاعة والأوبئة الفتاكة قد يتجاوز ضحايا الحرب، والمأساة في الحرب اليمنية، أن كل طرف من أطراف الحرب لا يهتم بالضحايا، وقد يتكتم عليها، وليست هناك إحصائيات دقيقة ولا رصد. لكأنها حرب لا تعني أحداً- حرب غائبة ومغيبة.

الفاجع في التقرير هو التقليل من عدد الضحايا، والتشكيك في جدوى المسعى الدولي، وأظن أنها رؤية صائبة فيما يتعلق بجدوى المسعى الدولي. والمحزن فقدان البدائل، والحاضرون بفاعلية وقوة هم أطراف الصراع، والمستفيدون من الحرب.

 يرى التقرير أن تكاثر أطراف الصراع، والتدخل الإقليمي شديد الوطأة قد عقَّدَ الأمور أكثر؛ داعياً إلى تسوية متعددة الأطراف بوساطة من الأمم المتحدة.


 واقع الحال أن أطراف الصراع الداخلي أصبحت مرتهنة لأطراف الصراع الإقليمي، وقد تكون في الهامش؛ بحيث يتوقف حله في اليمن على حل الصراع في مناطق أخرى، كما أن القوى الداخلية المحلية قد ضعفت كثيراً، وخفت صوتها.

تجدر الإشارة إلى أن خطر الصراع الإقليمي، والداعمين الدوليين جزء أساس في التعقيد الحاصل  وفي استمراره. وقد أشار التقرير من طرف خفي إليه، ولم يشر إليه بقدرٍ كافي، والعودة إلى ما تم في الماضي قد أصبح جزءاً من الماضي، وتمسك كل طرف بكل ما يريد لن يقود إلى سلام ولا إلى حل.

يتمسك هادي بالقوانين الدولية، وبما جرى الاتفاق عليه في الكويت، ويتمسك الحوثي بسلطة الأمر الواقع كرؤية التقرير، بينما الصراع الإقليمي له غايات لا تتقاطع مع مطالب أطراف الصراع الأهلي كلها.

يرى التقرير أن ما تريده المليشيات غير ما تريده القيادات السياسية، وهو جزء من التعقيد القائم. والوهم الكبير لدى أنصار الله (الحوثيين) اعتقادهم بأن مجرد الاتفاق مع السعودية هو الحل، ويلغون كل أطراف الصراع في الداخل.

ويدعو التقرير إلى إشراك أطراف مجموعات قوية مثل المجلس الانتقالي الجنوبي، والسلطات القبلية، والسلطات المحلية، وجملة من الأطراف السياسية، والنساء، والمجتمع المدني، ويرى أن الرهان على استمرار الدعم الخارجي لخلق وقائع على الأرض بالنسبة للمجلس الانتقالي والقوات المشتركة- وهْم، وأن المقاومة ضد أنصار الله (الحوثيين) بدعم سعودي أو بدونه تظل موجودة، وأن إغراء الانتظار لهادي والحكومة المعترف بها دولياً، بحدوث تحول يضعف موقفها دولياً، إضافة إلى ضعفها بالارتهان إلى تحالف له أهدافه الخاصة.

يلاحظ معدو التقرير، ومعهم كل الحق، أن كل الأطراف المتنافسة تتبادل عداءً عميقاً، وسرداً مشتركاً؛ إذ كل واحد منهم يقول: إنه يريد السلام، لكنه لا يستطيع أن يثق بدوافع الخصوم.


ويتتبع التقرير التهم المتبادلة والمتداولة لكل طرف، ويرى أن جماعة أنصار الله (الحوثيين) يهيمنون على السلطة ولا يحتكرونها، وهو رأي غير مدرك طبيعة الأوضاع القائمة وتعقيداتها المختلفة، ويشكك في قصة التصالح مع المؤتمر الشعبي العام.

يفيد تقرير مجموعة الأزمات بأن العديد من مسئولي المجلس الانتقالي يرون في أنصار الله (الحوثيين) تهديداً أقل خطورة من الحكومة، وأن لهم مصلحة في التوصل إلى تسوية مع سلطات الأمر الواقع في صنعاء، وهي رؤية للبعض فقط.

ويتناول التقرير جبهات القتال وترابطها، ويأتي على محاولة إسقاط مدينة الحديدة، واتفاق ستوكهولم، وردّ الحوثيين في الشرق: مأرب، والجوف، لتهديد آبار النفط، وحالة المد والجزر في العلاقة بين أنصار الله (الحوثيين) والمؤتمر الشعبي العام، خصوصاً بعد مقتل صالح، ويقرأ رواية كل الأطراف تحت عنوان "ماذا يردون؟"

 ويرى التقرير أن أنصار الله (الحوثيين) روايتهم واضحة حول تهميش حكومة هادي، والحل مع العناصر الأخرى بواسطة السعودية برؤية شاملة: وقف لإطلاق النار، ورفع الحصار شاملاً، وفتح الطرقات، تتبعها فترة انتقالية تجرى خلالها مفاوضات يمنية- يمنية؛ إضافة إلى تمسكهم بـ50%، ويرى التقرير أن هذه نقطة خلافية.

 يوصّف التقرير جماعة هادي، ويأتي تحديداً على رمزيته للموالاة والمقربين منه، بما في ذلك أبناؤه والوزراء والأحزاب السياسية: اللقاء المشترك، وحزب الإصلاح، وحزب المؤتمر الشعبي العام، والانقسامات، خصوصاً في الإصلاح، والمؤتمر الشعبي العام، وتباين المواقف في الصراعات القائمة بين التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات، وجماعة قطر وتركيا، كما يأتي على الانقسامات داخل الأطراف بما في ذلك أنصار الله (الحوثيين).

تحديات داخلية

يشير التقرير إلى الانتقادات لهادي من "حلفائه الاسميين" كما يسميهم، ويتركز النقد حول الضعف، والإدارة غير الفعالة؛ وهي النقاط التي استغلها أنصار الله (الحوثيون)، والمجلس الانتقالي الجنوبي، وعدم تقديم الخدمات للمناطق التي تسيطر عليها، والعجز عن وقف التشظي السياسي والمؤسساتي والمناطقي، والمشاكل الناجمة عن نقل البنك المركزي، والتنافس مع البنك في صنعاء والمصارف المختلفة، وانقسام الأجهزة الأمنية والعسكرية والتي تعمل لغايات مختلفة حسب التقرير، وتُهم نقل أنجال الرئيس للقوات من المواجهة مع أنصار الله (الحوثيين) إلى المواجهة مع المجلس الانتقالي.

وعن سؤال: «ماذا يردون؟» يجيب التقرير: "تجادل حكومة هادي وأنصارها بأن السبيل الوحيد لإنهاء الحرب يكون من خلال المرجعيات الثلاث: مبادرة التعاون الخليجي، ومخرجات الحوار الوطني، وقرار مجلس الأمن رقم (2216)، وتحدد مشاركة الحوثيين بـ10 أو 15%؛ مؤكدة على مركزية الدولة قبل الفيدرالية، وعلى الأقاليم الستة".

يأتي التقرير على تناول الجماعات المعادية لجماعة أنصار الله (الحوثيين) من غير المتحالفين مع الحكومة: المجلس الانتقالي، والسلطات العسكرية في ساحل حضرموت، وقوات المقاومة المشتركة (طارق صالح، ومختلف المليشيات السلفية). وهذه المجاميع -حسب التقرير- لا تتشاطر أهدافاً بعيدة المدى غير العداء لحزب الإصلاح ولهادي. ويشير التقرير أن هذه المجاميع مدعومة من الإمارات العربية المتحدة، وتذكّر بصراعات الجنوب في 1986، بين «الطغمة»، و«الزمرة»، وبين المحافظات الجنوبية: أبين وشبوة من جهة، والضالع ولحج من جهة أخرى، كما يذكّر بموقف هادي وجماعته إلى جانب صنعاء في حرب 94، وأن العديد من مسئولي المجلس يرون في أنصار الله (الحوثيين) تهديداً أقل خطورة من الحكومة، وأن لهم مصلحة في التوصل إلى تسوية مع سلطات الأمر الواقع في صنعاء، وهي رؤية للبعض فقط.

وهناك في الشمال لدى بعض قيادات أنصار الله (الحوثيين) أيضاً نفس التصور بأن العداء الحقيقي مع هادي وجماعته، وليس مع الحراك الانفصالي، وأنهم- أي الحوثيين- يمكنهم التوصل إلى تسوية مع الحراك الانفصالي، وربما تكون للصلات القديمة بين الطرفين، وعبر الأطراف الأخرى علاقة بهذه الرؤية.


إقـــراء المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English