الحُجَرية مسرح جديد للاستقطابات العسكرية

انقسامات الحرب في تعز تتشعب محلياً وإقليمياً
محمد الكمالي
July 18, 2020

الحُجَرية مسرح جديد للاستقطابات العسكرية

انقسامات الحرب في تعز تتشعب محلياً وإقليمياً
محمد الكمالي
July 18, 2020
ت: حمزة مصطفى

  تبدأ فصول النزاع بين التشكيلات العسكرية الموالية للحكومة المعترف بها دوليًا في محافظة تعز، من حيث تنتهي. هذه التشكيلات كانت عبارة عن فصائل صغيرة مثلت جبهة واحدة في قتال معلن ضد جماعة أنصار الله (الحوثيين)، منذ بداية التدخل العسكري لـ"التحالف العربي" بقيادة السعودية والإمارات في 26 مارس/ آذار2015. 

خلفية النزاع

  لم يمض وقت طويل بعد ذلك التاريخ، حتى تحولت تعز إلى مسارح مفتوحة ومتواصلة للنزاع المسلح، سواء بين الطرفين الرئيسيين: أنصار الله (الحوثيين) والحكومة المعترف بها دولياً، أو بين الفصائل والقوات الموالية للأخيرة. سبب هذا التشعب في النزاع، كما يرى مراقبون، هو أهمية تعز من حيث الكتلة السكانية الكبيرة ونسبة تأهيلها علمياً، لكن الأهم من ذلك، هو موقعها الجغرافي الاستراتيجي على مضيق باب المندب، ما جعلها ميداناً لصراعات إقليمية ودولية كبرى تدور رحاها عبر الوكلاء المحليين.
أبرز فصول هذه النزاعات هي التي شهدها وسط المدينة منتصف إبريل/ نيسان 2019، بين كتائب القيادي السلفي عادل عبده فارع المعروف بـ"أبي العباس"، والمحسوبة ضمن قوام اللواء 35 مدرع وتتلقى دعمها من دولة الإمارات، وبين قيادة محور تعز، الذي يسيطر على قراره العسكري حزب التجمع اليمني للإصلاح"- الكيان السياسي غير المرغوب به لدى أبو ظبي.
سجال الطرفين الطويل انتهى بعد "معركة المدينة القديمة" والتي راح ضحيتها مدنيون كثر، بإتفاق تهدئة رعاه مسؤولون محليون لوقف نزيف الأرواح، وقضى الاتفاق بخروج كتائب "أبي العباس" في 26 إبريل/ نيسان2019، إلى منطقة "الكدحة" القريبة من مناطق انتشار اللواء 35 مدرع، في الحُجَرية- جنوب غرب مدينة تعز.

مسرح جديد للصراع

  تعد الحجرية، المنطقة الأكبر مساحة في محافظة تعز، إذ تضم بين سلسلة جبالها وسهولها المنبسطة، تسع مديريات على امتداد الريف الجنوبي والجنوبي الغربي لمدينة تعز، وطالما عرفت المنطقة بكونها مسقط رأس كثير من أبرز القادة السياسيين والعسكريين والمثقفين والكتاب ورجال الأعمال، على مستوى اليمن عموماً.

حسب التقسيم الإداري السابق للوحدة اليمنية عام 1990، كانت المنطقة تسمى "قضاء الحجرية"، وكانت مدينة "التُّربة" مركز الحكم فيها. وتعد التربة نسخة مصغرة من مدينة تعز الحديثة، حيث توجد فيها البنوك والجامعات، بالإضافة إلى أسواق مزدهرة تجارياً، كما تحيط بها مساحات شاسعة لمزارع الجوافة والمانجو وغيرها.

ومع تصاعد مستجدات الحرب الدائرة في البلاد، شهدت الحجرية مؤخراً مجموعة مكثفة من الأنشطة العسكرية، خاصة بعد اغتيال العميد عدنان الحمادي، قائد اللواء 35 مدرع. وخلافاً لتمركز قوات اللواء35 مدرع في المنطقة منذ أكثر من أربع سنوات على بدء الحرب في اليمن، مثّلَ تأسيس معسكر "يَفْرُس" في جبل حبشي أواخر العام 2019، من قبل القيادي فيما كان يعرف بـ"المقاومة الشعبية" حمود سعيد المخلافي، عاملاً آخر قد يسهم في تأجيج الصراع.
ويرى مراقبون، أن تلقي اللواء35 مدرع دعماً من دولة الإمارات، إضافة لوجود قوات طارق صالح، الحليف الأول للإمارات في الساحل الغربي، وتمسك التنظيم الوحدوي الناصري باللواء 35، جميعها عوامل دفعت حزب التجمع اليمني للإصلاح، للاستعانة بحليفه الإقليمي- دولة قطر، المعادية للسعودية والإمارات منذ العام 2017، والتي يعتقد أنها الداعم الرئيس لـ"معسكر يفرس".

الكاتب والناشط، وسام محمد، قال في حديث لـ"خيوط"، إنه "يحق للدولة بسط نفوذها على المناطق المحررة، لكن كافة هذه المظاهر والتعقيدات تضعف فكرتها لتجعلها تتصرف على طريق العصابات".
وأضاف أن "فكرة إنشاء معسكر "يَفْرُس" هدفها بث رسائل عسكرية للواء 35 مدرع مفادها الاستعداد لاقتحام الحجرية والسيطرة عليها في أية لحظة". وفي حين وصف إنشاء هذا المعسكر بـ"غير القانوني"، أشار إلى أن فكرة إنشائه ربما "تستند لمخاوف حزب الإصلاح من تهديد قوات طارق صالح والإمارات، كما حدث مع كتائب "أبي العباس" لكن بدرجة أكبر".

تكمن أهمية الحجرية، ومدينة التربة تحديداً، باعتبارها ممراً استراتيجياً لخط إمداد رئيسي بين مدينة تعز ومحافظة عدن والساحل الغربي


أحداث "التُّربة"
الأجواء المشحونة إعلامياً في الحجرية، وما يصاحبها من احتكاكات متكررة على الأرض، بين تلك التشكيلات العسكرية، يجعل مدينة التربة، وهي مركز مديرية الشمايتين، مكاناً رئيساً لاحتمالية تفجر الأوضاع عسكرياً.
ومع حالة التوتر التي تغلي بها المنطقة، حرصت "خيوط" على التواجد ميدانياً في ريف تعز الجنوبي لأخذ إفادات بعض الأهالي هناك.
يقول عبدالقوي محمد، مالك مركز للآيسكريم، إن ارتباط اسم المنطقة بالصراعات الراهنة، وبما هو متوقع، يقلل من فرص الاستثمار على نحو تفر منه رؤوس الأموال.
وكانت قوات تابعة للشرطة العسكرية قدّرها شهود عيان في المنطقة، بنحو 20 طقماً (عربة) عسكرياً، وصلت إلى مدينة التربة في 4 يوليو/ تموز 2020. وحدثت اشتباكات بين الشرطة العسكرية وبين جنود من اللواء 35 مدرع حينها، فيما قالت قيادة الشرطة العسكرية في صفحتها الرسمية على "فيسبوك"، بأن الاشتباكات كانت بهدف "إلقاء القبض على مطلوبين أمنيًا".
غير أن مصدراً محلياً قال لـ"خيوط"، إن الاشتباكات التي جرت في الرابع من يوليو/ تموز، بين قوات الشرطة العسكرية و"بعض قيادات اللواء 35 مدرع"، كانت لأجل السيطرة على معسكر "جبل صبران" الاستراتيجي، وهو ماراح ضحيته أكثر من 5 أشخاص.
وبعد يوم واحد من تلك المواجهات، صدر إعلان رسمي من قبل السلطة المحلية بالمحافظة، بأن محافظ المحافظة نبيل شمسان، توصل لاتفاق تهدئة بين الطرفين، قضى بعودة قوات الشرطة العسكرية إلى مدينة تعز.
ويصف الصحفي بلال المريري هذه التطورات، بـ""المؤسفة"، وبأنه "كان من المهم جداً أن تلتقي أطراف النزاع في تعز على كلمة واحدة لتجنيب المدينة والريف مساوئ هذا الصراع الأكثر كلفة ودماراً".
واعتبر المريري، أن هذه المعارك "لا علاقة لها بالوطن أو مصالح اليمنيين"، وأنها لا تعدو عن كونها "حرب بالوكالة يخطط ويمول لإشعالها أطراف دولية تهدف لاستنزاف الكيانات اليمنية المنظمة لجعل البلاد وكر عصابات"- حسب تعبيره.

 وفي حين لا يزال التوتر "سيد الموقف" في مدينة التربة، قال المريري إنه لا يبدو في الأفق وجود "بوادر أو مؤشرات لتغليب صوت العقل، وإنما هناك تأجيل للمعركة"، متوقعاً أن يتكرر ما حدث في أبريل/ نيسان 2019، في المدينة القديمة وسط تعز، في حال لم يتم احتواء التوتر.
وتكمن أهمية الحجرية، ومدينة التربة تحديداً، حسب المريري، باعتبارها ممراً استراتيجياً لخط إمداد رئيسي بين مدينة تعز ومحافظة عدن والساحل الغربي، وأن "هناك من يخشى إحتمالية السيطرة على هذا المنفذ المهم وخنق مدينة تعز".

ضباط وجنود في اللواء 35 مدرع، أصدروا بياناً ناشدوا فيه هادي لإلغاء قرار تعيين القائد الجديد، واعتبروا التحشيد العسكري إلى المنطقة "غير مبرر واستعراضاً مفرطاً للقوة في أماكن ظلت ومازالت آمنة

 قرار ذو حدين
  عقب كل هذه الأحداث الأخيرة الملتهبة، أثار القرار الذي أصدره الرئيس هادي، المعترف به دوليًا، بتعيين قائد جديد للواء 35 مدرع في ريف مدينة تعز في 10 يوليو/ تموز 2020، ردود أفعال متباينة. 

  جاء هذا القرار بعد أكثر من ثمانية أشهر على الاغتيال الغامض لقائده السابق العميد عدنان الحمادي في 2 ديسمبر/ كانون الأول 2019. وبحسب معطيات عديدة على الساحة المحلية، فإن هذا القرار قد يمهد لنشوب معركة قادمة بدأت تلوح في الأفق.
  في أول رد فعل لضباط وصفّ اللواء 35 مدرع، عبر بيان نشر في الصفحة الرسمية للواء 35، على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، قالوا إنهم يأسفون "للتحشيد العسكري غير المبرر والاستعراض المفرط للقوة في أماكن ظلت ومازالت آمنة".
وناشد الضباط والجنود في بيانهم الرئيس المعترف به دولياً- عبدربه منصور هادي، إعادة النظر في قرار التعيين الجديد للواء، في إشارة واضحة لرفضهم تعيين العميد عبدالرحمن الشمساني قائداً للواء. ووصف البيان قرار تعيين الشمساني بـ"المخيب للآمال"، نظراً لأن التحقيقات في قضية اغتيال قائد اللواء السابق عدنان الحمادي، لم تستكمل بعد. كما نفي البيان معلومات كانت تحدثت عن تعرض العميد الشمساني لمحاولة اغتيال من قبل قيادات تتبع اللواء 35 مدرع.
وبشأن نفاذ القرار الجمهوري بتعيين الشمساني، قال قائد الشرطة العسكرية بتعز، العميد محمد الخولاني، إن "هناك لجنة مشكلة من وزير الدفاع، برئاسة محافظ محافظة تعز وقائد المحور، من أجل القيام بإجراء دور الاستلام والتسليم للقائد الجديد" المعين بقرار رئاسي.
وأضاف العميد الخولاني في حديث لـ"خيوط"، أن "دور الاستلام والتسليم" لقيادة اللواء، لم يتم بشكل نهائي حتى الآن، نظراً لاستحداث حواجز عسكرية في منطقة "النّشَمة"، الواقعة على الطريق الرئيس الرابط بين مدينة تعز ومدينة التُّربة، من قبل أفراد ينتمون للواء 35 مدرع، وهو ما أعاق وصول القائد المعين بقرار رئاسي إلى مقر اللواء.
ووصف الخولاني استحداث الحواجز العسكرية من قبل أفراد من اللواء 35، بـ"التمرد"، مؤكداً ما تداوله من أخبار عن إيقاف محافظ المحافظة نبيل شمسان لحملة أمنية للشرطة العسكرية كانت متوجهة لإنهاء ما وصفه بالتمرد. وهو الإجراء الذي اعتبره الخولاني "خطوة لحقن الدماء"، لافتاً إلى أن المحافظ شمسان "تعهد" بإتمام عملية الاستلام والتسليم للقائد الجديد، وأن الشرطة العسكرية ستقوم "بتنفيذ أوامر القيادة في أية لحظة."
ومع تسارع حدة التوترات وحرب التحشيد والتصريحات، خرج "بلاغ صحفي" تم تداوله على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، ويمثل ما قيل إنه "مجلس تنسيق الحراك الشعبي"، والذي يضم بعض الأحزاب السياسية في ريف تعز الجنوبي، بالإضافة إلى شخصيات اجتماعية وقبلية .
ودعا هذا البلاغ في مجمله إلى "مسيرة جماهيرية حاشدة" يوم السبت 18 يوليو/ تموز 2020، لتجنيب منطقة الحجرية ويلات الاحتراب.
وكانت "وكالة 2 ديسمبر" التابعة لحزب المؤتمر الشعبي العام، نشرت بياناً مشتركاً تحت مسمى "الكتلة البرلمانية للمؤتمر، وكتلة التنظيم الناصري بمحافظة تعز". ووصف البيان الأحداث الأخيرة في منطقة الحجرية بـ"الصراعات العسكرية المفتعلة"، كما تضمن مطالبة الكتلتين البرلمانيتين لحزب المؤتمر والتنظيم الوحدوي الناصري، للرئيس المعترف به دوليًا، بإصدار قرار آخر يكون فيه القائد المعين من منتسبي اللواء.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English