موسم تدفق التين الشوكي يبدأ في اليمن

من ملاذ للعاطلين عن العمل إلى فرص للاستثمار
محفوظ الشامي
July 15, 2020

موسم تدفق التين الشوكي يبدأ في اليمن

من ملاذ للعاطلين عن العمل إلى فرص للاستثمار
محفوظ الشامي
July 15, 2020

مثلما للتين الشوكي فوائد صحية كثيرة، فهو يحظى باهتمام متزايد في اليمن، حيث يتناول ثمرته الصغار والكبار، كما يحظى برواج دفع بالكثير من العمال إلى المتاجرة به. وعلاوة على وجود أشجار التين في مناطق جبلية كثيرة، أقدم مزارعون ومستثمرون خلال السنوات الأخيرة، على إنشاء مزارع خاصة بالتين الشوكي، كما في مناطق خولان وسنحان وبني بهلول، التابعة لمحافظة صنعاء.


فؤاد الجرادي (35 سنة) من هؤلاء الذين جذبهم العمل في بيع "التين الشوكي"، وتفرغ له كمصدر دخل رئيسي. توجه فؤاد لهذه المهنة بعد أن عجز عن إكمال تعليمه الثانوي، والتزامه بمسؤولية الإنفاق على والديه وما زال في عمر مبكر.

على امتداد الشارع الذي يبيع فيه فؤاد التين الشوكي بصنعاء، تربكك نظراته التي لن تجد لها تفسيرًا؛ لا تدري هل هو في فسحة من أمره، أم أن حاله مثل محيط عربته الذي لا يتجاوز المتر مربع. هكذا تقودك هواجس الحساب مرة أخرى إلى السؤال عن "كم" فحسب، وكم هو منفّر هذا السؤال إن هو لم يجعل لسؤال: "كيف"، قدرًا كافيًا من الاحترام.

يسمى التين الشوكي في اليمن بـ"البَلَس"، ويبدأ موسم بيعه من شهر يوليو/ تموز، إلى سبتمبر/ أيلول، ثم يبدأ بالتراجع. هذه الفترة هي الأهم بالنسبة لفؤاد، الذي يقيم في صنعاء منذ عدة سنوات، بعد أن قدم إليها من منطقة عُتْمة في محافظة ذمار، شمال اليمن.


يقول فؤاد لـ"خيوط"، إن بيع التين ليس خياره الوحيد فحسب، بل هو قدره الذي تشكل مع مرور الزمن، وتردي ظروفه المعيشية التي دفعت به للكفاح من أجل توفير لقمة العيش لعائلته المكونة من ثلاثة أفراد. هذا ليس معناه، وفق حديثه، أنه لم يكن يحلم مثلاً، أن يصير موظفًا حكوميًا في يوم مّا، لكن هذا الحلم، الذي طالما كان هدفاً رئيسياً لكثير من الشباب اليمني في العقود السابقة، لن يغري فؤاد في الوقت الراهن، مع انقطاع مرتبات الموظفين الحكوميين، ولجوء الكثيرين منهم إلى مهن شبيهة بمهنته، وأقل منها دخلاً أحياناً.

  منذ ما قبل سنوات الحرب المستمرة حالياً في البلاد، كان سعر ثمرة التين الشوكي زهيداً؛ كانت أرخص فاكهة في اليمن، لكنها الآن صارت أعلى سعراً من التفاح والبرتقال، خاصة في الشتاء والربيع. كما أن سعرها يعتمد على حجم الثمرة ومذاقها الطبيعي، إذ يصل سعر الثمار الكبيرة منها إلى 300 ريال (ما يعادل 50 سنتاً).

  • بالرغم من قلة الاهتمام بالتين الشوكي كمصدر دخل، إلا أن شجرته كانت تحظى بالرعاية في حال نبتت في محيط منازل سكان الأرياف. أما الآن، فقد امتدت زراعتها إلى السهول والأراضي المنبسطة

  تستقطب هذه الفاكهة باعة من مختلف الأعمار، يفضلون التجول بها في الأسواق والحارات، حيث تحظى بإقبال كبير من المستهلكين، خاصة في موسمها المعتاد كل سنة؛ الصيف. في هذا الموسم، تبدأ هذه الفاكهة بالتدفق إلى الأسواق بكميات تزداد وفرة أسبوعاً بعد آخر. ونتيجة لرواجها وعوائدها المالية، مقارنة بكلفة إنتاجها، أصبحت تجتذب اهتمام كثير من المزارعين، خاصة مع مؤشرات قابليتها للتصدير إلى أسواق خارج اليمن.

  هذا الإقبال شجّع على تطوير زراعة التين الشوكي بعد أن كانت مجرد شجرة برية تنمو تلقائياً في المناطق الجبلية. وبالرغم من أنه لم يكن أحد يهتم بزراعتها، إلا أنها كانت تحظى ببعض الرعاية في حال نبتت في محيط أملاك سكان الأرياف أو منازلهم. أما الآن، فقد امتدت زراعتها إلى السهول والأراضي المنبسطة.

وحسب بيانات صادرة عن الإحصاء الزراعي في صنعاء، فإن إنتاج اليمن من ثمار التين الشوكي، تصل إلى نحو 4.8 آلاف طن من مساحة زراعية تقدر بنحو 485 هكتاراً، في حين توفر هذه الثمرة ما يزيد عن 13 ألف فرصة عمل موسمية للعاملين في بيع وتسويق الثمار. 

يعلق فؤاد على مسألة تصدير التين بالقول": "لو أنه يبقى كله هنا (في اليمن) لتوسعت أعمالنا". ويضيف: "أنا أتاجر به في الموسم فقط، أما في غير الموسم، فيكون سعره باهظًا ما يضطرني لبيع الذرة الشامية أو أي شيء آخر، حتى يتجدد الموسم فأعود للتين". كما يؤكد أن مهنته الرئيسية هي "بيع البلس"، لأنها مربحة ومريحة، مقارنة بالذرة الشامية ومحاصيل أخرى.

  لطالما حلم فؤاد بحياة رغيدة وبتعليم مكتمل، لكن المسؤولية المبكرة التي ألقيت على عاتقه، أجبرته على الخروج من دائرة الأحلام، وإن كانت مجانية، إلى واقع أشبه بالجحيم، حسب تعبيره. ذلك أن عجز والده الطاعن في السنّ، وفقدانه حاسة السمع، لم يترك له خياراً سوى العمل لكسب المال الذي ينفقه لإعالة والديه.

انتقل فؤاد في عمر السابعة عشرة إلى صنعاء، بعد أن أكمل المرحلة الأساسية من تعليمه (الاعدادية) في مديرية عتمة- محافظة ذمار. درس الصف الأول من مرحلة الثانوية في مدرسة جمال عبدالناصر للمتفوقين، وكانت خطته أن يعمل ويكمل دراسته في نفس الوقت. غير أن الحياة لم تفرش دربه بالورد، بل بشوك التين. كان بعض إخوته سبقوه إلى صنعاء وامتهنوا بيع التين الشوكي، وعندما تعذر عليه التوفيق بين العمل والدراسة، اضطر لممارسة ذات العمل.

يقول خالد (42 سنة) شقيق فؤاد لـ"خيوط"، إن وضع الباعة المتجولين، كان أفضل قبل العام 2014. وقبل أن تندلع الحرب بين الحكومة المعترف بها دولياً وجماعة أنصار الله (الحوثيين)، كانت "نقابة الباعة المتجولين"، الواقعة أمام المحكمة الغربية بشارع العدل في صنعاء، تحميهم، وتتبنى الدفاع عن حقوقهم ضد من سمّاهم "المتهبّشين"؛ وهؤلاء عادة ما يكونوا موظفين تابعين لمكتب بلدية العاصمة. ويضيف خالد أن هذه النقابة كانت تدير "جمعيات" لأعضائها (مدخرات جماعية بمبلغ معين يستلمها كل شهر أحد الأعضاء حسب القرعة أو أولوية ظروفهم). كانت هذه المدخرات، بحسب خالد، تُحسّن من مستوى دخل الباعة، وتساعدهم في تسيير شؤون حياتهم بصورة جيدة. غير أن دور النقابة حالياً، اقتصر على تنظيم شراء التين من المزارعين وتوزيعه على الباعة في المدينة.

  • تحرير "خيوط"


•••
محفوظ الشامي

إقـــراء المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English