مواقع التواصل في ميزان حرية الرأي والتعبير

مدى التزامها في مواجهة الحكومات المستبدة
أسامة الفقيه
June 23, 2020

مواقع التواصل في ميزان حرية الرأي والتعبير

مدى التزامها في مواجهة الحكومات المستبدة
أسامة الفقيه
June 23, 2020

انتشر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير مع ثورات الربيع العربي في المنطقة عام 2011، وكانت هذه المنصات متنفساً لحرية الرأي والتعبير. من أبرز هذه الوسائل فيس بوك، تويتر، يوتيوب، حيث استخدمها الشباب المحتجّون من أجل التعبير عن آرائهم، أو نقل أحداث ومستجدّات، أو للتحشيد. وعلى الرغم من أن وسائل التواصل الاجتماعي مثلت بشكل عام نقطة فارقة في مجال التواصل وفتح آفاق أوسع نحو حرية الرأي والتعبير، إلا أن الحكومات العربية وجدت فيها وسيلة لتتبع معارضيها أو لتتبع الصحفيين والنشطاء.

فإلى جانب رغبتها في فرض رقابة على المحتوى، ومحاولة اختراق حسابات مستخدمين، وتتبعهم وتتبع نشاطاتهم، قامت هذه الحكومات باستخدام هذه المنصات لأغراض متعددة أبرزها تعزيز خطابها، أو التبرير لممارساتها، أو لشنّ حملات إلكترونية وهجمات على من يكون لديهم صوت مختلف عنها.

ليس من الضروري أن يلحق بك الأذى جراء كتابة في صحيفة أو تعبير في ندوة، فمنشور على الفيسبوك أو تغريدة على تويتر أو مدونة فيديو على اليوتيوب، قد تكون كفيلة بأن تلقي بك في غيابات الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري. فإلى أي مدى تتواطأ إدارات وسائل التواصل الاجتماعي مع الحكومات العربية القمعية؟

بدأ المدون والصحفي المصري وائل عباس نشاطه قبل ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011، وتعرضت حساباته على تويتر وياهو ويوتيوب إلى الإغلاق في 2007 و2017. في 2007، أغلق حساب عباس على اليوتيوب، ولم تعد المواد التي رفعها في قناته متاحة.

وكانت هذه المواد تشمل عنف جهاز الشرطة المصري وتلاعب في الانتخابات ومظاهرات مناهضة لحكومة الرئيس الأسبق الراحل محمد حسني مبارك.

وذكر عباس في مقابلة مع رويترز، أن رسالة وصلته من يوتيوب تبلغه عن إيقاف حسابه بسبب كثرة الشكاوى من المحتوى، خصوصاً المتعلق منها بالتعذيب. وفي ديسمبر/ كانون الأول 2017، أوقف تويتر حساب عباس بحجة مخالفة قواعد المنصة، ولم يبين موقع تويتر ماهية هذه القواعد، وما إذا كان وقف الحساب مؤقتاً أم دائماً.

في 2017؛ برز اسم سعود القحطاني في حملة الاعتقالات التي طالت أمراء ومثقفين في السعودية، وفي إطار الأزمة الدبلوماسية مع قطر. كما ارتبط اسمه بوقائع انتهاكات ضد الناشطات الحقوقيات في السعودية، وتقارير تذكر أنه أشرف شخصياً على تعذيب عدد منهن، لا سيما لجين الهذلول.

في العام 2008، أصبحَ القحطاني مسؤولاً عن مراقبة وسائل الإعلام في الديوان الملكي. إلى جانبِ ذلك؛ عملَ القحطاني على نطاق واسع مع “هاكينج تيم” لأغراض التجسس والقرصنة. وعين القحطاني رسمياً كمستشارٍ للديوان الملكي في العام 2012، وكانَ يرأس -أيضاً- الاتحاد السعودي للأمن السيبراني.

مع بدايات الأزمة الدبلوماسية مع قطر، دعا القحطاني في أغسطس/ آب 2017، في تغريدة على تويتر، إلى الإبلاغ عن الداعمين أو المتعاطفين مع قطر باستخدام هاشتاج “القائمة السوداء”.

وتباهى بأنه لا يتصرف من تلقاء نفسه وأنه موظف ومنفذ لأوامر الملك وولي العهد. وفي 10 سبتمبر/ أيلول 2017، اعتُقل الداعية سلمان العودة لرفضه الانصياع لأوامر السلطات السعودية بالتغريد دعماً للموقف السعودي ضد قطر.

كان العودة قد غرّد في تويتر عدداً من التغريدات في 9 سبتمبر/ أيلول 2017، وكانت أولها في ذلك اليوم “ربنا لك الحمد لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك.. اللهم ألّف بين قلوبهم لما فيه خير شعوبهم”. يواجه العودة الآن عقوبة الإعدام.

تستخدم دول وحكومات، كما هو حال بعض الدول العربية، الذباب الإلكتروني من أجل التأثير على الرأي العام وتلميع صورة الأنظمة، إلى جانب ترهيب وتهديد من قد يختلفون عنها. وقد تستخدم أيضاً في الهجوم على شخصيات وحكومات أخرى.

ويُعرف الذباب الإلكتروني بـ”مجموعة من الحسابات الآلية المبرمجة على نشر منشور أو تغريدة مُعيّنة وذلك بهدف التأثير في الرأي العام أو جلب الانتباه والنظر إلى فكرة ما مُقابل تهميش أخرى”.

وتستخدم هذه الحسابات أسماء وهمية، وتضع صور شخصيات من الدول “الممولة” لها إن جاز التعبير. وقد عمل القحطاني على نطاق واسع في أنشطة تجسس وقرصنة. موقع بيلنغكات للصحافة الاستقصائية، كان قد أصدر تحقيقاً في هذا الشأن بعنوان “سيد الذباب: تحقيق مفتوح حول سعود القحطاني” فصّل عدداً من تلك الأنشطة.

من جانبه، ذكر الناشط إياد البغدادي، المقيم في النرويج، من خلال برنامج بي بي سي إكسترا، أن وتيرة هجوم الذباب الإلكتروني قد تزايدت عليه في تويتر لا سيما بعد مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في أكتوبر/ تشرين الأول 2018. وفي نفس البرنامج أشارت الصحفية السعودية إيمان الحمود المقيمة في فرنسا تعرضها للهجوم أيضاً، وقد وصفها المهاجمون بـ”الخائنة”.  

كما برز اسم سعود القحطاني أيضاً، بعد واقعة مقتل خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول، باعتباره واحداً من الأسماء البارزة المتورطة في عملية قتل الصحفي المعارض.

وكان خاشقجي يعمل على مشروع باسم “جيش النحل” بمعيّة الناشط السعودي المقيم في كندا عمر عبد العزيز. ويهدف المشروع بحسب ما تسرّب من مراسلات بين الناشطين الاثنين إلى تشجيع السعوديين والسعوديات للتعبير عن الرأي على تويتر بطريقة لا تتيح تتبعهم، من خلال ربط الحسابات بأرقام أجنبية.

كما هدف المشروع إلى تخفيف حضور الذباب الإلكتروني على تويتر. فهل كان مقتل خاشقجي محفّزاً رئيسياً في تفاعل تويتر السريع في مواجهة الذباب الإلكتروني؟

في 20 سبتمبر/ أيلول 2019، أعلنت شركة تويتر أنها أوقفت عدداً من الحسابات على المنصة مرتبطة بدول منها مصر، الإمارات، السعودية، إسبانيا، الإكوادور والصين/ هونغ كونغ.

وذكرت الشركة أنها أوقفت 271 حساباً منشؤها الإمارات ومصر كانت تستهدف دولاً كقطر وإيران وتنشر رسائل داعمة للنظام السعودي. كما أوقفت 4248 حساباً كان يعمل من الإمارات، ويتناول قضايا إقليمية بينها الحرب في اليمن وحركة أنصار الله (الحوثيين).

وذكرت الشركة في نفس البيان أنها أوقفت ستة حسابات ذات صلة بجهات إعلامية تديرها الحكومة السعودية، وكانت تقدم نفسها كمنصات إعلامية مستقلة، وتغرد بروايات مواتية للخطاب السعودي. وأشارت أيضاً إلى إيقاف حساب سعود القحطاني بصورة دائمة لانتهاك سياسات متعلقة بالتلاعب بالمنصة.

وفي أغسطس/ آب 2019، أصدرت شركة فيسبوك بياناً قالت فيه إنها أزالت عدداً من الحسابات والمجموعات والصفحات منشؤها السعودية والإمارات ومصر، كانت تقوم بـ”سلوك زائف ومنسق” على الفيسبوك وإنستغرام.

وذكرت الشركة أن الأشخاص الذين يقفون خلف هذه الشبكة استخدموا حسابات مزيفة، ومن بين ما هدفوا إليه تعزيز المحتوى المتعلق بالإمارات. كما نشروا بشكل متكرر أخباراً متعلقة بالدعم المزعوم للجماعات الإرهابية من قبل قطر وتركيا، والنشاط الإيراني في اليمن، والصراع في ليبيا، ونجاحات التحالف بقيادة السعودية في اليمن، واستقلال أرض الصومال.  

وجدير بالذكر أنه قبل صدور بيان تويتر بحوالي شهر (أوائل أغسطس/ آب 2019) كانت قد دارت اشتباكات بين قوات المجلس الانتقالي الجنوبي (المدعوم إماراتياً) من جهة، وقوات الرئيس المعترف به دولياً عبدربه منصور هادي من جهة أخرى. كانت نتيجتها سيطرة المجلس الانتقالي على مدينة عدن وعلى مرافقها الحيوية.

في تلك الأثناء ظهرت العديد من الحسابات “الذباب الإلكتروني” على تويتر تستخدم أسماء شخصيات إماراتية وعلم الإمارات، وكانت تقوم بمهاجمة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، والتحدث بازدراء عن اليمن واليمنيين عموماً.

وكردة فعل على ذلك، قام ناشطون يمنيون على وسائل التواصل الاجتماعي باستخدام هاشتاج “الجيش الإلكتروني اليمني” وذلك لما أسموه “فضح الدور الإماراتي” من خلال استخدام “الذباب الإلكتروني” بهدف تشويه صورة اليمن والحكومة اليمنية، وأن هدفهم هو الوقوف أمام كل التغريدات المسيئة لليمن واليمنيين. ومن الأهمية بمكان التفريق بين استخدام هذا الهاشتاج في 2019، وبين مجموعة القراصنة التي أطلقت على نفسها “الجيش اليمني الإلكتروني”، والتي تبنت في مايو/ أيار 2015 عملية اختراقشبكة وزارة الخارجية السعودية وبريد سفاراتها وقنصلياتها في العالم.

ويستخدم أنصار الله (الحوثيون( في النزاع المسلح الجاري بعض الأدوات على وسائل التواصل الاجتماعي، من بين هذه الطرق الحملات على تويتر من خلال نشر عدد كبير جداً من التغريدات المعدّة مسبقاً للتركيز على موضوع محدد في اليوم.

وأتاحت شركة تويتر، في أوائل أبريل/ نيسان 2020، علناً الوصول إلى الأرشيف الخاص بالحسابات والتغريدات والمواد الإعلامية التي تم تعليقها منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2018 (وهو الشهر الذي قُتل فيه خاشقجي) وحتى أبريل/ نيسان 2020، والتي حددت الشركة ارتباطها بخمس دول: مصر، هندوراس، إندونيسيا، السعودية، وصربيا. وقد بلغ عدد الحسابات المزيفة الموقوفة حوالي 20000 حساب.

وعلى الرغم من إعلان شركات التواصل الاجتماعي في عدة مناسبات أنها تسعى لتطوير أدواتها للحد من أنشطة الذباب الإلكتروني في منصتها، إلا أن سؤالاً يطرح نفسه: ما مدى استقلالية هذه المنصات في اتخاذ القرار خصوصاً وأن مكاتبها الإقليمية في دبي؟ والإمارات دولة غنية عن التعريف في سجلها المتعلق بحقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير على وجه الخصوص.

في موضوع آخر، ومن خلال متابعتي لكثير من النشطاء والفاعلين على تويتر، هناك العديد من الحسابات (لشخصيات يمنية أو خليجية) تتحدث عن الشأن اليمني، خصوصاً بعد سيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين) على العاصمة صنعاء في سبتمبر/ أيلول 2014، وتفاقم النزاع المسلح بعد تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات في مارس/ آذار 2015.

حصلت هذه الحسابات من تويتر على إشارة التحقق الزرقاء، ولكن عند تقييم أدائها خلال سنوات، فإنه لا يختلف كثيراً عن أداء الذباب الإلكتروني من حيث نشر الأخبار الملفقة، والهجوم على شخصيات، والتحريض ونشر خطاب الكراهية.

وعند مراجعة سياسات النشر لموقع تويتر، فإنها تشير إلى احتفاظ الموقع بالحق في إزالة إشارة التحقق الزرقاء في عدة حالات، منها ترويج الحساب للكراهية و/ أو العنف ضد أشخاص آخرين أو مهاجمتهم أو تهديدهم بشكل مباشر، أو التحريض أو الانخراط في مضايقة الآخرين.

وعلى الرغم من أن عدداً كبيراً من هذه الحسابات قد تنطبق عليها بعض من هذه الشروط (إن لم تنطبق على جميعها)، إلا أنها ما زالت فاعلة ومستمرة في نشاطها على تويتر، وما زالت محتفظة بإشارة التحقق الزرقاء. ليبقى السؤال المطروح هنا أيضاً: لماذا لم تتخذ تويتر إجراءات في هذا الشأن؟

وفي المقابل، لا يزال من غير المفهوم أداء تويتر فيما يتعلق بحسابات عدد من الصحفيين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان، كما هو الحال مع حساب وائل عباس الذي تم إيقافه في ديسمبر/ كانون الأول 2017 كما أشرت سلفاً.

في العام 2019، قام تويتر بإيقاف حسابي لعدة أسابيع وتحديداً بعد دقائق من مشاركتي لرابط تحقيق مواطنة لحقوق الإنسان عن هجوم التحالف على سجن يقع تحت سيطرة أنصار الله (الحوثيين) في محافظة ذمار اليمنية. وعند استعادة الحساب، وصلتني رسالة عبر البريد الإلكتروني من تويتر تعتذر عن ذلك، وتشير الرسالة إلى أن حسابي قد تم فرزه بين الحسابات غير المرغوبة spam “عن طريق الخطأ”.

مؤخراً في شهر مايو/ أيار 2020، نشب نزاع بين تويتر والرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد وضع تويتر تحذيراً على تغريدة له في 26 مايو/ أيار، تتعلق بالاقتراع بواسطة البريد بغرض التحقق من المعلومات الواردة فيها. وتأتي الخطوة التي قامت بها الشركة ضمن سياسة أقرّتها، خصوصاً مع انتشار وباء كوفيد-19، للحد من انتشار الأخبار الكاذبة والمضللة في منصتها.

وبعدها بأيام، وبعد مقتل جورج فلويد في 25 مايو/ أيار 2020 وانتشار احتجاجات واسعة النطاق في الولايات المتحدة، حجب تويترتغريدة أخرى لترامب قال إنها مخالفة لسياسة تويتر بـ”تمجيدها للعنف”. ومع ذلك، لا يزال بالإمكان الاطلاع على محتوى التغريدة، فبحسب تويتر “قد يكون من اهتمام الجمهور أن تظل التغريدة متاحة”.

وعلى خلفية هذا النزاع بين تويتر وترامب، أصدر الأخير قراراً تنفيذياً يستهدف شركات التواصل الاجتماعي تحت شعار “منع الرقابة على الإنترنت”. وقد استهجنت تويتر القرار واصفة إياه بالنهج الرجعي. من ناحية أخرى، احتج موظفون في فيسبوك على عدم اتخاذ مدير الشركة مارك زوكربرج أي فعل يتعلق بمنشورات ترامب المثيرة للجدل على المنصة.

ولا يقتصر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على الأفراد والشخصيات العامة والمؤسسات الحكومية والشركات فحسب، فالمجموعات المسلحة والإرهابية قد تعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي في إرسال رسائلها للجمهور، ومن ذلك نشر مقاطع فيديو عن عملياتها.

وقد تختلف الدوافع، حيث يمكن أن تكون وسيلة لنشر الإرهاب والخوف أو إرسال رسائل إلى حكومات معينة أو إلى المجتمع الدولي. ولكن استوقفتني واقعة مهمة في ليبيا، حيث ظهر محمود مصطفى بوسيف الورفلي، قائد “قوات الصاعقة” الموالية للمشير خليفة حفتر، في صور ومقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي لسبع وقائع، وهو ينفذ ويأمر بعمليات إعدام ميدانية بين عامي 2016 و2017 في بنغازي أو المناطق المجاورة لها، وواقعة ثامنة في 24 يناير/ كانون الثاني 2018.

وبما أن ليبيا قد دخلت ضمن ولاية المحكمة الجنائية الدولية بعد إحالة ملفها من مجلس الأمن في فبراير/ شباط 2011، فإن هذه الأدلة الرقمية عن وقائع الإعدام (التي قد ترقى إلى جرائم حرب) كانت كافية لأن تصدر المحكمة مذكرة باعتقال الورفلي في 15 أغسطس/ آب 2017، ومذكرة اعتقال أخرى في 4 يوليو/ تموز 2018.

•••
أسامة الفقيه

إقـــراء المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English