فكــرة الدولـة في تجــربة حركــة 13 يـونيــو 1974

دراسة في مفهوم الدولة وتحديات بنائها في اليمن
أروى محمد ثابت
June 14, 2020

فكــرة الدولـة في تجــربة حركــة 13 يـونيــو 1974

دراسة في مفهوم الدولة وتحديات بنائها في اليمن
أروى محمد ثابت
June 14, 2020

ملخص:

تناول البحث مشروع فكرة بناء الدولة لليمن الحديث والمعاصر في حركة الثالث عشر من يونيو، 1974، في ضوء ما مر به اليمن عبر محطاته التاريخية الهامة، والتي تمثلت في ثورتي سبتمبر وأكتوبر، وهي محطات كان ينبغي فيها قيام الدولة في اليمن، إلّا أن عوامل متعددة داخلية وخارجية حالت دون تمكين المجتمع اليمني من بناء دولته المحققة لطموحه المشروع نحو التقدم، علاوةً عن كونها ستعيد تفاعله الوطني مع أهداف ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962.

فتجلى هذا الطموح لدى قادة حركة الثالث عشر من يونيو 1974، ورمزها الرئيس الشهيد إبراهيم محمد صالح الحمدي ورفاقه، من وضع تصورات ورؤى نحو بناء دولة اليمن الحديث لمختلف جوانب الحياة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

وتمَّ استعراض فكرة بناء الدولة في تجربة الثالث عشر من يونيو، 1974، وآليات تنفيذها، وبيان أهدافها السياسية.

مقدمة:

لقد عانى شمال اليمن مُنذ قيام الثورة في عام 1962 وحتى1967، من تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية، وتوترات في الصراعات الداخلية نتيجة التدخل المصري وسيطرة القوى الإقليمية الرجعية والإمبريالية، ويرجع ذلك إلى كون النظام في الشمال خرج من منظومة حكم بسيط على عهد الإمامة لم يُهيأ له بناء دولة حديثة، فضلاً عن سيطرة القبيلة واستحواذها على السلطة السياسية بدعم ومساندة القوى الإقليمية، إلاِّ أنَّ فترة المصالحة عام 1970، ربما كانت أقدر على تثبيت دعائم الدولة الحديثة لا سيما وأن الأوضاع كانت مستقرة نسبياً، لكنها لمْ تَبْنِ تلك الدولة، ولعل ذلك كان من بين الأسباب التي أقنعت مجموعة الإرياني ومراكز القِوى المشيخية بالانتقال السلمي للسلطة.

فجاءت حركة الـ13 من يونيو، 1974، بقيادة الرئيس الشهيد إبراهيم محمد صالح الحمدي ورفاقه من شرفاء القوات المسلحة في تقويم الوضع السابق للحركة حسب ما ورد في وثائق قرارات التصحيح المالي والإداري، وبرنامج مشروع العمل الوطني بتضافر الجهود الوطنية في دراسة البرنامج والخروج بتصورات ورؤى نحو بناء دولة اليمن الحديث لمختلف الجوانب، ووثيقة رسم المسار السياسي العام للدولة في الداخل والخارج بما فيها وثيقة المسار السياسي الخاص بوحدة الشمال والجنوب، والخط السياسي العام في الخارج من تبني سياسة عدم الانحياز وسياسة الانفتاح والاعتدال، إضافة إلى وثيقة إنشاء التنظيم السياسي الواحد، وتحريم الحزبية في صفوف الجيش والأمن، وعدم التشدد في تطبيق قانون تحريم النشاط الحزبي في القطاعات المدنية إذا لم تتحول إلى نشاط تخريبي هدّام وتكون أداة لدول خارجية تتحول إلى جزء من الصراع على السلطة، وتبنّت الحركة الخطط الاقتصادية الإنمائية، مما يعني جدية الحركة في الدخول بالبلاد مرحلة التنمية الحقيقية، علاوةً على التنمية الاجتماعية الشاملة.

أمام كل ما سبق ذكره فقد واجهت حركة 13يونيو، 1974، التحديات والمعوقات في طريق بناء الدولة (تحديات محلية وإقليمية ودولية)، إلاِّ أنَّ الحركة استطاعت عبر قائدها الرئيس الحمدي أن تحدد ملامح الدولة في ركيزتين أساسيتين هما:

الأولى: التغيير الجذري للأوضاع السياسية السائدة.

الثانية: البناء الشامل للدولة الحديثة والمعاصرة.

واستطاع الرئيس الحمدي أن يثبت للشعب أنه يتطلّع مثل أي مواطن شريف إلى رؤية اليمن وشعبه متحضراً شامخاً معافى يُضاهي بقية الشعوب المتحضرة من حوله، وأن يعيد الاعتبار لأهداف الثورة اليمنية السبتمبرية إلى مسارها الطبيعي.

أهمية البحث: تأتي من حيث تناول قضية مهمة تشغل فكر العديد من النخب السياسية والوطنية، باعتبارها أهم قضية يواجهها المجتمع اليمني في الوقت الراهن، والتي طرحت نفسها بقوة في فترة الاحتجاجات عام 2011، وتوافق عليها اليمنيون في الحوار الوطني لقيامها. ولعل تجربة حركة الـ13 يونيو، 1974، في بناء الدولة الحديثة تعدّ نموذجاً في كيفية التغلب على الإشكالات الموروثة والمتراكمة والتحديات الإقليمية والدولية للفترة التي سبقت الحركة.

أهداف البحث:

1/ إيضاح وتسليط الضوء على أهم التحديات الداخلية والخارجية -الإقليمية والدولية- في اليمن للفترة التي سبقت حركة الـ13 يونيو، 1974.

2/ استعراض أهداف وآليات مشروع بناء الدولة في تجربة حركة الـ13يونيو، 1974.

3/ استخلاص أهم مزايا تجربة حركة الـ13 يونيو، في بناء الدولة من خلال الوقوف على محددات تخلف الدولة الحديثة للمراحل التي سبقت قيام الحركة.

مشـكلة البحث:

يسعى البحث للإجابة على السؤال الرئيسي، ماهي الفكـرة المستوحاة لحركة الـ 13 من يونيو، 1974، في بناء دولة اليمن الحديث؟

وهذا التساؤل يترتب عليه مجموعة من الأسئلة الفرعية:

1/ كيف تعاملت حركة 13يونيو، مع الإشكاليات والأزمات السياسية التي أعاقت قيام دولة اليمن الحديث للفترة التي سبقتها؟

2/ ماهي أهداف مشروع دولة اليمن الحديث لحركة الـ13يونيو، 1974؟

3/ ما آليات تنفيذ مشروع دولة اليمن الحديث لحركة الـ 13يونيو، 1974؟

منهـج البحث: اعتمد البحث على المنهج التاريخي القائم على تحليل ونقد المصادر. كما اعتمد على الوثائق والمصادر والمقابلات الشخصية عبر التواصل الاجتماعي، أيضاً المواقع الإلكترونية.

تقسيـم البحث: اقتضت مادة البحث تقسيمه إلى ثلاثة محاور، ومقدمة، وخاتمة، وقائمة للمصادر بحسب مقتضى سياق التناول. حيث تناولت المقدمة أهمية البحث، ومشكلته، وأهدافه، ومنهجه.

المحور الأول: مفهوم مصطلح الدولة في اليمن.

المحور الثاني: التحديات الداخلية والخارجية -الإقليمية والدولية- لحركة الثالث عشر من يونيو 1974.

المحور الثالث: بناء دولة اليمن الحديث في حركة الثالث عشر من يونيو1974.

…………………………………………………………….

المحور الأول- مفهوم مصطلح الدولة في اليمن:

مفهوم الدولة:

هي التي تتكون من أربعة عناصر: شعب، أرض، حكومة، سيادة. وفقدان أي ركن منها يلغي وجودها.

ارتبط المفهوم السابق في تشكّله التاريخي بتعميم عبارة الدولة سواء الإمارة، المملكة، الإمبراطورية، وعلى ضوء المحددات للمفاهيم ستتحول جغرافيا الأرض في ظل وجودها إلى وطن، والأفراد إلى مواطنين تمثلهم حكومة مركزية، ومنه يتحقق لهم الاستقرار، لكن بالرغم من تلك المحددات نجد بعض المجتمعات ترفض تلك الدولة، بل تطالب بإقامة دولة. فهل هي مطالب واقعية في ضوء توفر المحددات السابقة؟

وللإجابة على التساؤل السابق، فقد ركز البحث على طرح لآراء حول تلك الإشكالية الجدلية لمفهوم الدولة في الفكر الإنساني، فمنهم من يرى أن الدولة فكرة واقعية على الصعيد الفكري وهي أكثر نظريات العلوم الإنسانية التي انتقلت بحذافيرها من النظرية إلى التطبيق، وعلى صعيد التداول الشعبي منذ ثورة سبتمبر وأكتوبر ارتبط مفهوم الدولة ذهنياً في وعي اليمنيين وبات المطالبة بها واقعياً ونداء مستمر لا سيما وأن تلك المطالبة قد تعاظمت منذ اغتيال الرئيس الحمدي.

ورأي آخر يطرح أولاً تسمية حركة الـ13يونيو “الجمهورية الثانية في اليمن”، ويوضح أن من الأساسيات أو البديهيات لوصف الدولة أنه يتوجب وجود أربعة أسس رئيسية تقوم عليها الدولة الناجحة وهي الأرض والشعب والسلطة (الحكومة) والقوانين (السيادة)، وفي حال ضعف جانب من هذه الجوانب الأربعة تبدأ الدولة بالاتجاه نحو ما يسمى بالدولة الفاشلة. وهو ما كانت اليمن قد وصلت إليه قبل اندلاع أحداث 2011، ثم أصبحت بعد ذلك تشكل الدولة الفاشلة بمفهومها الكامل حيث غابت الحكومة وتقسمت الأرض والشعب وضاع القانون والسيادة وحلّت الفوضى في كل مكان. ويضيف.. أن المطالبة بإقامة الدولة اليمنية أمر غير واقعي، ويرى أن إقامة دولة يمنية أمر ممكن في حال وجد تنظيم ثوري يسعى إلى ذلك، وهذا الأمر قد حدث بالفعل في اليمن في فترتين الفترة الأولى لقيام الدولة اليمنية الحديثة في 26 سبتمبر/ أيلول، 1962، حين تبنى تنظيم الضباط الأحرار ذلك الأمر، ونجح في إقامة الدولة بمقوماتها الأربع ولمدة خمس سنوات، ضعفت بعدها الدولة منذ انقلاب 5 نوفمبر/ تشرين الثاني، 1967، وتأكد فقد الدولة في أحداث أغسطس/ آب، 1968.

ثم كانت المرحلة الثانية للدولة اليمنية الحديثة هي المرحلة الممتدة من 13يونيو/ حزيران 1974 إلى 1978، وهي فترة الحركة التصحيحية الناصرية والتي تولى فيها الحكم الرئيس إبراهيم الحمدي. لذلك يظل أمر المطالبة بإقامة دولة يمنية مكتملة الأركان أمراً حتمياً وضرورياً، وإقامة هذه الدولة ليس بالأمر الصعب لأنه كما رأينا فقد سبق وأن تأسست دولة يمنية في فترتين زمنيتين خلال الخمسين سنة الأخيرة.

من أهم أهداف حركة 13 يونيو/ حزيران، الالتزام بأهداف ومبادئ ثورة الـ26 من سبتمبر 1962، أي بناء الدولة الحديثة التي أعاقت قيامها الظروف السياسية الداخلية والخارجية.

في ذات السياق يطرح رأي ثالث أن مفهوم الدولة قد تشكل على مدار العصور منذ أن تشكلت (الظاهرة السياسية) الناتجة عن الاختلاف والتنوع بين البشر والندرة للموارد، الأمر الذي جعل الناس يتكتلون على مستوى “دولة” أو على مستوى تحالفات بين الدول.

وقد ظهر مفهوم الدولة بأنه: كيان سياسي وقانوني منظم يتمثل في مجموعة من الأفراد الذين يقيمون داخل حدود معينة، وتنظم شؤونهم سلطة تتمتع بحق استخدام القوة. ومع وجود ما يربو على أكثر من مائة وخمسة وأربعين مفهوماً للدولة، إلا أن معظم هذه المفاهيم ركزت على معنى (ممارسة حق الإكراه) الذي تتمتع به الدولة. ويرى كثير من علماء السياسة أن الدولة لها أربعة عناصر رئيسة وهي: الشعب، الإقليم، الحكومة، السيادة، ويضيف البعض (الاعتراف).

وقد خلط البعض بين مفاهيم الدولة ومفاهيم أخرى تبعية كالسيادة والسلطة والقوة، لكن من خلال النظر نجد أن مفاهيم الدولة منضبطة بمكوناتها المذكورة آنفا، بينما رأى عدد من علماء السياسة أن السلطة والقوة واحدة، وفرق بينهما البعض، ويعود سبب ذلك إلى أن السلطة (القوة) لها وجهان الوجه الأول قانوني يخوله ذلك التشريع، والثاني غير قانوني وهو الجزء المعنوي الذي يمنحه لك مستوى الرضا العام والقبول والتأييد الذي تناله عند ممارسة السلطة، فمهما تكون متسلطاً أو قوياً ليس شرطاً أن تكون مقبولاً. ويمثل هذا الخلط إشكالية فكرية وتطبيقية في نظرية الحكم، إذ أن الخلط بين الدولة من ناحية وبين السلطة (القوة) قد يؤدي إلى الاستبداد الذي يجعل من الدولة أداة لممارسة القوة بيد الحاكم فقط، لذا سارعت العديد من الدول في الوقت الحاضر إلى الفصل بين السلطات وتوزيع القوى (داخل الدولة) بين مؤسسات يصعب معها تطبيق الاستبداد بأي صورة كانت، أو الانفراد بالحكم نظرياً وتطبيقياً.

وعليه فإن المطالبة بالدولة عند العامة لا يُحمل معناه على توفير عناصرها السابقة، ولكن يقصد به طبعاً توفر أدوات الدولة وهي السلطة والقوة وتنفيذ القوانين وإقامة العدل وتوفير الرفاهية، وهذه المهام الجسام لا تضطلع بها إلا الدولة، ويعد إطلاق لفظهم (نريد دولة) مما يمكن تسميته في الدلالة المجازية بدلالة الكل على الجزء. وهذه المطالبة حق مشروع بل وفطري يتمناه كل إنسان واعٍ. ولكن قد يواجه مفهوم الدولة عدة مؤثرات قد تساعده أو لا تساعده على التشكل الواقعي، وهذه العوامل هي:

– طبيعة القيادة.

– الوضع الإقليمي والدولي للدولة.

– طبيعة التشريعات والأنظمة وعلاقتها ببعضها.

– سيكولوجية وثقافة الجماهير.

-دينامية البقاء (طريقة التبادل السلس للسلطة).

وقد شهدت اليمن بعد السادس والعشرين من سبتمبر وحتى الوقت الراهن تشكلاً نظرياً وواقعياً للدولة الحديثة اتّجهت بعض التجارب للنجاح، بينما أخفقت بعض التجارب باتجاهها نحو ممارسة السلطة أكثر منها لإدارة الدولة، وأهم تجربة جديرة بالدراسة هي تجربة الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي.

ويبدو من وجهة النظر الأخيرة، أنها تقودنا إلى السؤال الذي يطرح نفسه، ما هو الفرق بين مفهوم السلطة ومفهوم الدولة؟ فهناك من يرى أن السلطة هي المتغير، والدولة هي الثابت الذي ينبغي الحفاظ عليه، وهناك من يرى أن الدولة تعبير شامل للأرض والشعب والسلطة، ولكن ما يحدد قوة هذه الدولة أو ضعفها هو السلطة حيث أن قوة السلطة تظهر من خلال قوة السلطات الثلاث (تنفيذية، تشريعية، قضائية) وفرض القانون لصالح الشعب الموجود على تلك الأرض، وحماية سيادة تلك الأرض والدفاع عنها من أي قوى عدوانية خارجية. وقد رأينا في الحركة التصحيحية الناصرية عملية إنعاش للدولة اليمنية المترهلة وعملية إفاقة لها من خلال قوة السلطة القائمة في تلك الفترة، كما رأينا بسط السيادة لحماية الأرض من أي تدخل خارجي عبر بعض القوى القبلية المتنفذة المرتبطة بالخارج.

مما تقدم يتبين أن تجربة الدولة في حركة ال13يونيو، 1974، حققت مفهوم أن السلطة هي الدولة لكونها أمسكت بزمام جميع محددات الدولة، مما يعني أن أي قصور في إحدى المحددات معناه لا وجود لدولة أو سلطة، فإذاً ما هو المصطلح المناسب للدولة في حركة 13 يونيو؟ فإذا اعتبرناه مصطلح دولة اليمن الحديث فهذا مصطلح أطلق على الدولة اليمنية الحديثة بعد قيام ثورة الـ26 سبتمبر 1962، بالرغم من أن بناء الدولة الحديثة ظهرت معالمه في حركة 13يونيو؟

يتم تسمية هاتين الفترتين بنفس التسمية، لأن حركة 26 سبتمبر نقلت اليمن من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة، ثم توقف هذا الانتقال مع انقلابي 5 نوفمبر، 1967، وأغسطس 1968، ليعود اليمن مرة أخرى إلى المسار الصحيح أو مسار اليمن الحديث مع حركة 13 يونيو، 1974. وكانت العودة مرة أخرى إلى مسار الدولة الحديثة بمثابة ثورة أخرى مشابهة لثورة 26سبتمبر، وهو ما يمكن أن نطلق عليها مجازاً الجمهورية الثانية، ويتفق رأي آخر من أن هذه المصطلحات خاضعة لتراكم التجارب البشرية وتبقى مجرد مسميات مالم تتمثل واقع الناس ويجني ثمارها الشعب، لأنه لولا ثورة سبتمبر، 1962، ما كانت حركة الـ13يونيو التصحيحية، فهو فعل تراكمي يفترض أنه في حال تطور دائم وفقاً لتفاعل البشر ببعضهم ومقتضيات الظروف السياسية.

ورأي آخر يرى مصطلح دولة التحديث المؤسسي كونها حدّثت المؤسسات من خلال التصحيح المالي والإداري، ورأي آخر يرى مصطلح دولة النظام والقانون، ومن كل الآراء السابقة نتفق مع مصطلح دولة اليمن الحديث في تجربة حركة الـ13 يونيو، 1974، وذلك لأن من أهم أهداف الحركة الالتزام بأهداف ومبادئ ثورة الـ26 من سبتمبر 1962، أي بناء الدولة الحديثة التي أعاقتها الظروف السياسية الداخلية والخارجية من قيامها.

لماذا أُعلنت جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية ولم يتم توحيد الشطرين؟ وما سبب قيام الانقلاب السياسي في5 نوفمبر/ تشرين ثاني 1967، المتزامن مع جلاء الاستعمار البريطاني من الجنوب؟

المحور الثاني- التحديات الداخلية والخارجية-الإقليمية والدولية- لحركة الثالث عشر من يونيو 1974.

أولاً: التحديات الداخلية

احتدم الصراع على السلطة والثروة بين مراكز القوى والنافذين منذ فجر ثورة سبتمبر، 1962، والذي تمثل بوضوح بين الجيش من جهة (المدعومة بالقوات المسلحة المصرية سابقاً)، وبين القوى الملكية ومراكز القوى من مشايخ ووجاهات مجتمعية نافذة ومهيمنة من جانب آخر. وبمجيء الرئيس الإرياني إلى السلطة في أواخر العام 1967، تحول الصراع شكلياً بين دعاة المدنية والجيش من جهة، وبين كلٍ من الجيش والمدنية والقوى المشيخية والجهوية من جهةٍ أخرى، أي ثلاثة أطراف تتصارع من أجل السلطة والثروة، مما أدى إلى وصول مجمل الأوضاع السياسية الاقتصادية والاجتماعية إلى وضع حرج، وانسداد في الأفق أمام أي إصلاح أو الخروج من الأزمة وهددت كيان الدولة اليمنية، فعصفت بهيبة الدولة، وصار القرار السيادي منزوع التأثير، تتلاعب به جماعات الضغط التي هيمنت على مفاصل الدولة من مشيخات ومراكز قوى نافذة وكبار قيادات المؤسستين المدنية والعسكرية، وزادت التدخلات الخارجية في التوجيه والتأثير على السياسة الداخلية. وهنا نرى من الضرورة ذكر عوامل تخلف الدولة للمراحل السابقة للحركة وبصورة موجزة سيركز البحث على العامل السياسي على النحو الآتي:

العامل السياسي.. والمتمثل في:

ا) بروز التيارات السياسية والاجتماعية المختلفة والتي تمثلت بما يلي:

تيار القبيلة: وهي السلطة الأقوى التي تُشَكَّل كيانات أشبه ما تكون بدولة بسيطة لكونها لا تمتلك منظومة الحكم الإداري وتعتبر نفسها صاحبة صناعة القرار السياسي، نظراً لما أثبتته المؤتمرات التي عُقِدت وبرهنت على دورها في التأثير بسياسية الدولة، لِذَا فهي تناهض قيام دولة حديثة والمتمثلة على وجه الخصوص بأكبر قبائل اليمن حاشد وبكيل وباقي قبائل اليمن، وتمثل التكتل اليميني المحافظ الذي يتألف من رجال الإقطاعيين وكبار المُلَاك وبعض من ضباط الجيش بالإضافة إلى بقايا الاتحاد اليمني، وتنضوي في إطاره أيديولوجيات سياسية اجتماعية متعددة الرؤى، مما يدل على كونها لا تملك برنامجاً سياسياً واضحاً، حيث يقتصر هدفها بكيفية الوصول إلى المواقع الهامة للسلطة السياسية، وقد مثل تيارين.

الأول: التيار الديني التقليدي: وهم “الإخوان المسلمون” الداعون إلى الاعتماد على المملكة العربية السعودية وبدورها الأخيرة تقدم لهم الدعم، وتُعدّ قبيلة حاشد أبرز من دعمت هذا التيار وذلك من أجل توطيد النفوذ السعودي في اليمن.

الثاني: تيار حزب البعث القبلي: كانت قبيلة بكيل خلال الستينيات والسبعينيات تدعم حزب البعث، لكن بالرغم من ذلك لم تكن على اقتناع أيديولوجي، بل كان انضواؤها في حزب البعث على الرغم من أيديولوجيته القومية تسعى لانضمام شيوخ القبائل والحصول على دعمهم، مما يعني أن المشائخ المنضمين لحزب البعث لا ينتظمون في البُنِيَة التنظيمية للحزب، بل كانت علاقتهم بالسفارة العراقية أكثر من علاقتهم بالحزب كتنظيم.

كما يمكن القول أن تلك المليشيات القبلية برز دورها نتيجة استعانة القيادة العربية المصرية بهم في مساندة قواتهم لدعم الثورة اليمنية مما أدى إلى عدم تطور الجيش اليمني، حيث بلغت ميزانية شؤون القبائل التي أسستها القيادة العربية لشراء ولاء القبائل في العام 1963، ما يقدر بحوالي ستين مليون جنيه إسترليني، وبهذا تكون قد ساهمت بتأسيس الدور السياسي للقبيلة.

تيار القوى الوطنية: وهي القوى المرتبطة بالأحزاب ذات الميول البعثية والقومية المناهضة للارتباط بالعربية السعودية لتلك الفترة، ويمثله الطبقة الوسطى العسكرية والمدنية وطبقة المثقفين، كما أنها تختلف في أيديولوجياتها نظراً لكونها تمثل ارتجاعاً وصدى لأنظمة عربية أو إقليمية أو دولية، ويتجه نحو بناء دولة عصرية، إلا أن حظرها بدأ من قول الرئيس السلال “لا مكان للحزبية في اليمن وإصدار القانون رقم [7] للعام1963، والذي يحظر تكوين الأحزاب”، ثم قول الرئيس القاضي الإرياني “الحزبية تبدأ بالتأثر وتنتهي بالعمالة”، والنص الصريح للدستور الدائم في المادة [37] لعام1970، بحظر الحزبية بصورة عامة. فوجدت الأحزاب نفسها مضطرة إلى العمل تحت ستار الخفاء باسم منظمات غير حكومية علنية تسمى بالنقابات لممارسة نشاطها السياسي، إلا أنَّ التاريخ المشرف لهذا التيار في تثبيت النظام الجمهوري في حصار السبعين يوماً في 8 فبراير، 1968، زاد من نقمة النظام السعودي والقيادات السياسية الحاكمة لتلك الفترة أدى إلى تدبير أحداث أغسطس، 1968، والتخلص من القيادات العسكرية إما بالتصفية أو بفصل الضباط ذوي الاتجاهات اليسارية من الجيش، وهذا يدلل على وجود صراع سياسي داخل القوات المسلحة كانعكاس لواقع الصراع السياسي بين القوى المتباينة أيديولوجياً، حيث ذهبت قوى للتحالف مع الجبهة اليسارية في اليمن الجنوبي، بينما ذهبت قوى أخرى نحو المصالحة الداخلية والخارجية عام 1970، مبررة الأخيرة رغبتها في تحقيق السلام.

ب) الوحدة اليمنية:

بعد قيام ثورة اليمن (سبتمبر وأكتوبر)،عادت المحاولات في مرحلة الترسيخ للنظام الجمهوري في شمال اليمن والنضال للجبهة القومية في جنوبه، وتم بينهما مناقشة إقرار الميثاق الذي نص على وحدة الشطرين لكنه لم ينجح، وعلى إثر قيام حركة 5نوفمبر، 1967، التي تزامنت مع فترة الجلاء للمستعمر البريطاني من جنوب اليمن منذ الاستقلال وحتى يونيو، 1969، كان الصراع بين الجبهة القومية وجبهة التحرير واستلام الأولى للسلطة ونزوح أفراد جبهة التحرير إلى شمال اليمن، زاد مخاوف النظام الإقطاعي في الشمال ومخاوفه أيضاً من نظام الجبهة القومية في الجنوب، وإشهار القوى المناهضة للجبهة في الشمال ضد النظام في الجنوب ونتج تصدع في العلاقات بين الشطرين وحدوث الاقتتال بينهما، والذي اشتد في 28 سبتمبر، 1972، حتى أعلنت لجنة المصالحة العربية وقف إطلاق النار، وترتب عليه تشكيل لجان وحدوية وتوقيع بيان طرابلس، إلا أنَّ البنود التي صاغتها الجامعة العربية واقتنعت بها الأطراف اليمنية بقبولها لم تلقَ قبولاً في أجهزة السلطة الحاكمة في شمال اليمن، لكون حكومة الرئيس القاضي الإرياني عجزت عن تنفيذ الإصلاحات في مختلف أجهزة الدولة.

وفي سياق ما سبق من تناول للمساعي في محاولات إعادة توحيد اليمن إبان فترة ثورة سبتمبر62 وحتى استقلال الجنوب67، يقودنا إلى طرح عدة تساؤلات، لماذا أعلنت جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية ولم يتم توحيد الشطرين؟ وما سبب قيام الانقلاب السياسي في5 نوفمبر، 1967، المتزامن مع جلاء الاستعمار البريطاني من الجنوب؟

كان مرشحو المجلس التشريعي أو ممثلوهم، يطوفون في الأحياء والحارات أو في القرى والعزل، لجمع التوقيعات من المواطنين لتزكية المرشح الذي يكون غالباً الشيخ في القبيلة أو أحد علماء الدين أو الوجهاء في المدينة

ويبدو أن السبب يرجع إلى عدة مسائل داخلية وخارجية، حيث أن نظام الحكم بعد5 نوفمبر، 1967، ركز على مشاركته الحكم، فضلاً عن تمثيل الطبقة شبه الإقطاعية وضياع الحركة الوطنية للسلطة. أما الجنوب فقد كانت السلطة الحاكمة بعد الاستقلال وحتى 22 يونيو، 1969، قد زايدت في مسألة الوحدة على أسس اشتراكية على الرغم من كُفرَهَا بها.

ومنه.. تتجلى التناقضات الأيديولوجية بين النظامين، فضلاً عن أن النظام في الجنوب بدأ يتخلص تدريجياً من عادات اجتماعية يميل الشمال إلى التمسك بها، ففي الوقت الذي كانت القبيلة تمثل في الشمال عائقاً في وجه أشكال التطور لا سيما الاقتتال بين القبائل مما سبب الجمود في النشاط التجاري، كان الاقطاع في الجنوب موجوداً في حدود ضيقة.

أما على المستوى الإقليمي، مما لا شك فيه في تنفيذ المؤامرات لتعثر وحدة الشطرين لا سيما بقيام نظامين جمهوريين في الجزيرة العربية مغايراً للأنظمة الإقليمية الجامدة في محيطه الجغرافي والاستراتيجي، الأمر الذي جعل الخطوات الإجرائية للوحدة لتلك الفترة تبدو من كونها “إسمية” ولا تعدو من التفخيم لها “كلامياً” بينما تبقى حبراً على ورق.

فالوحدة لا تصنعها اللقاءات ولا تولد في مكاتب اللجان، مما دفع الجماهير إلى الإشارة بأصابع الاتهام إلى المزايدات والمناورين بتهمة التواني عن الوحدة، وربما يرجع إلى سياسة القوى الإقليمية الرجعية والإمبريالية بغرض تفريغ الشحنة الوحدوية عند الجماهير، لا سيما بعد رحيل الزعيم جمال عبدالناصر، بما يخدم مصالحها ومخططاتها، ولعل أيضاً غياب النية الصادقة الوطنية لدى قيادات الشطرين لم تكن حقيقية تجاه تحقيقها.

ج) دور العوامل القانونية: والمتمثل في:

1) السلطة التشريعية: مثلت في مجلس الشورى المنتخب الأول (1971- 1975)، ولقد كانت الكيفية التي تمت بها العملية الانتخابية، هي أقرب إلى مفهوم (التزكية) منها إلى (الانتخاب) حيث كان المرشحون أو ممثلوهم من المدن أو المناطق، يطوفون في الأحياء والحارات أو في القرى والعزل، لجمع التوقيعات من المواطنين لتزكية المرشح الذي يكون غالباً الشيخ في القبيلة أو أحد علماء الدين أو الوجهاء في المدينة.

2) السلطة القضائية: كانت تخضع لأهواء أشخاص ذوي وجاهة ومحسوبية، علاوةً على افتقارها للقوانين التي تساهم في تقويم مسار الأجهزة في الدولة.

التحديات الخارجية:

اليمن بموقعه الجغرافي والاستراتيجي الهام على المستوى الإقليمي والدولي مبعث اهتمام وأطماع وقلق لدول الإقليم ودول العالم في الشرق والغرب، وقد تم الإشارة إلى التداخلات الإقليمية -المملكة العربية السعودية – في شؤون اليمن الداخلية، لحماية مصالح عروشها في عدم إتاحة فرصة الاستقرار والتقدم والوحدة. في نفس الوقت الوضع غير المستقر في إقليم القرن الإفريقي بين إثيوبيا والصومال واستقلال إرتيريا من إثيوبيا بعدما كانت صنعاء تمثل منطقة تجمع للقادة الإريتيريين، وتزايد النفوذ السوفيتي والأمريكي في المنطقة ضمن صراع تقاسم النفوذ في المنطقة.

أدرك الرئيس الحمدي أن فرض هيبة الدولة تحتاج الأولوية لتنفيذ كل ما تناولته وثيقة القوات المسلحة للتصحيح المالي والإداري، وأن اتخاذ الإجراءات التصحيحية الحازمة بفعل قوة النظام والقانون هي السبيل للحد من تعدد الولاءات ومراكز القوى في الدولة والمجتمع

المحور الثالث: بناء دولة اليمن الحديث في حركة الثالث عشر يونيو 1974

-أهداف مشروع بناء دولة اليمن الحديث

حدد الرئيس إبراهيم محمد صالح الحمدي قائد حركة الـ13يونيو التصحيحية74، الأهداف في البيان السياسي بـ15يونيو، 74 الموجه إلى الشعب، والذي يعتبره المراقبون أنه بمثابة تقديم أوراق اعتماده للشعب حيث جاء فيه:

“أيها الأخوة المواطنون: إن الوطن وكرامته وسيادته واستقلاله فوق كل اعتبار، وإن النظام الجمهوري هو أول بل وأضخم مكسب لنا، أغلى ما نحرص عليه ونفتديه بالمال والروح، وإن التمسك بالوحدة اليمنية من أهم الأهداف التي سنعمل من أجل تحقيقها. وإن الحرص على السلام والاستقرار والانصراف إلى بناء الوطن وتنمية اقتصاده واستغلال ثرواته لمصلحة الشعب وتطوير حياته وتحقيق رخائه وبناء حضارته هو ما نعاهد الله ونعاهدكم على الحفاظ عليه والعمل على تحقيقه”.

ومن البيان السابق تتحدد أهداف الحركة وهي:

1) الالتزام بأهداف ومبادئ ثورة الـ26سبتمبر، 1962.

2) التغيير الجذري للأوضاع السياسية السائدة.

3) البناء الشامل للدولة الحديثة والمعاصرة.

وعلى ضوء تللك الأهداف المعلنة، انطلق الرئيس الحمدي في رسم المسار السياسي العام للدولة في الداخل والخارج والذي مثل أبرز خطوط السير فيه كما يأتي:

1.بناء دولة اليمن الحديث المعاصر بمعالمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأطرها القيادية ابتداءً بالقمة وانتهاءً بالقاعدة.

2.اتخاذ الإجراءات الفعالة والمدروسة بعناية في عدة مجالات كالآتي:

-تطوير الجيش والأمن وتحويلهما إلى مؤسسات وطنية.

-إعادة النظر في المحافظات والمحافظين كجزء من بناء دولة اليمن القوية.

-معالجة الحساسيات الطائفية والمناطقية مهما كانت ومن أي شكل كان بطريقة حكيمة ليسود اليمن الخير والعدالة.

-الحد من وطأة الغلاء واتخاذ التدابير الملائمة والفعالة.

-الاهتمام بالثروة المعدنية.

-الوحدة اليمنية.

في نفس الوقت حدد الرئيس الحمدي ورقة مرحلية خاصة بوحدة الشمال والجنوب، لتشمل كل عوامل الخوف وفقدان الثقة بين شطري الوطن الواحد.

كما حدد الرئيس الحمدي مسار الخط السياسي في الخارج، وأشار إليه بوضوح تام في البيان السياسي الذي قال فيه: “رأينا أن يكون سيرنا على طريق وطني واضح المعالم، فسياسة الانفتاح على جميع الدول العربية الشقيقة وجميع الدول في العالم هي السياسة الحكيمة التي يجب إنتاجها لمصلحة بلادنا وللمصالح المشتركة بيننا وبين الأشقاء والأصدقاء وكذلك سياسة عدم الانحياز الدولية. وسنعمل على تطويرها وكذا احترام الاتفاقات المعقودة بين الأشقاء والأصدقاء والمؤسسات الاقتصادية العربية والدولية هو ما نلتزم به”.

الآليات التنفيذية في تجربة حركة الـ13يونيو في بناء الدولة.

أ- القرارات والقوانين:

أدرك الرئيس الحمدي أن فرض هيبة الدولة تحتاج الأولوية لتنفيذ كل ما تناولته وثيقة القوات المسلحة للتصحيح المالي والإداري، وأن اتخاذ الإجراءات التصحيحية الحازمة بفعل قوة النظام والقانون هي السبيل للحد من تعدد الولاءات ومراكز القوى في الدولة والمجتمع، وأبرز تلك القرارات التي أصدرها الرئيس الحمدي في اليوم التالي لقيام الحركة دفعة واحدة هي:

-قرار رقم (4) بتجميد مجلس الشورى، وتعليق الدستور الدائم.

-قرار رقم (13) بإحياء مشروع قرارات التصحيح. إلا أن إحياء مشروع قرارات التصحيح لم يعزز من إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح تجاه الوضع السياسي والاقتصادي السابق، فبادر مجلس القيادة بإصدار القرار رقم (68) لعام 1975، بتشكيل لجنة عليا لمتابعة قرارات التصحيح.

-قرار رقم (54) بإنشاء الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، كنظام رقابي حيث رأى أن تقسيم السلطات لا يفي بالغرض دون وجود الرقيب والحسيب. ولتفعيل دور الجهاز أصدر قانون النيابة المالية والإدارية رقم (57) ثم قانون رقم (60) إنشاء المحكمة التأديبية بغرض إحالة المخالفين إلى المحاكم. كما قامت الحركة على تصحيح الجانب القضائي وضمان استقلاله، صدر قانون إنشاء مجلس أعلى للقضاء يشرف على جميع المحاكم، ويحدد النهج لاختيار القضاة في مَن تتوفر فيهم الكفاءة والنزاهة.

أراد الرئيس الحمدي تعديل قانون الانتخابات لإيجاد مجلس شورى أكثر تعبيراً عن إرادة الشعب، فاعترض على المادة رقم (45) لقانون الانتخاب لمجلس الشورى بالأغلبية النسبية، ورأى أن تعدل بالأغلبية المطلقة

يدلل صدور القوانين على عزم الرئيس الحمدي، وجدية الحركة في تثبيت ركائز دولة اليمن الحديث، وهي الفكرة التي استوحتها من التجارب السابقة –كما أشرنا سابقاً- في تجسيد السلطة السياسية في مؤسسات وليس في أفراد، وهذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ستمنح دولة المؤسسات السلطة السياسية القوة والاستمرار في تحقيق المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية كمقوم من مقومات الدولة العصرية.

ب – برنامج العمل الوطني:

حدد برنامج العمل الوطني غايته في الخروج بتصورات ورؤى نحو بناء دولة اليمن الحديث، فأصدر الرئيس الحمدي قرار رقم (86) لعام 1974، بإنشاء اللجنة المؤقتة المكونة من (39) شخصاً يرأسها الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر ومجموعة من الشخصيات والعناصر الوطنية ومن اللجنة المؤقتة يتم تشكيل اللجنة الفرعية التي تتألف من 10 أشخاص برئاسة الأستاذ أحمد جابر عفيف، على أن تقدم ما أنجزته للجنة المؤقتة. بغرض ترجمة مهام الثورة السبتمبرية ومناقشة الآتي:

-تجارب المرحلة السابقة بسلبياتها وإيجابياتها.

-ملامح بناء الدولة الحديثة.

نتائج الجلسات للبرنامج الوطني:

1ـ أن الأزمة السياسية للمراحل السابقة لم تكن أزمة أشخاص بل مرتبطة بعوامل داخلية وخارجية.

2- أن تكون الأفكار والممارسات نابعة من مصلحة اليمن وبعيدة عن الإملاءات الخارجية، وعن تطرف اليمين واليسار.

3- أن فترة المصالحة الوطنية 1970، بالرغم من استقرارها، إلا أن هناك شخصيات أعاقت بناء الدولة.

4- أن النظام الرئاسي أثبت فشله في المراحل السابقة ومن الضرورة التغيير إما إلى النظام البرلماني أو نظام الشورى، إلا حال وجود شخصية مثالية تدرس أسباب الفشل وتستخلص المعالجات.

5- إنشاء التنظيم السياسي الواحد، نظراً لما خلفته أوضاع المراحل السابقة الذي لا يسمح بالتعددية السياسية.

6- أن يعطي رئيس الجمهورية وفق المادة (46) بتعيين أعضاء مجلس الشورى بنسبة 20%.

7- أن يعطي رئيس الجمهورية صلاحياته الـ (24) مادة في دستور 1970.

8- تعديل قانون الانتخاب للمادة (28)، ليكون أكثر صلاحية في أعضاء مجلس الشورى.

9- تعميق التجربة الديمقراطية في إرساء قواعد الحكم الديمقراطي البرلماني السليم من خلال توجيه التعديلات الدستورية التي لا تتيح أي فرصة تسلب السلطات الثلاث بعض اختصاصها لحساب سلطة أخرى.

وتم الخروج من تلك الجلسات بـ”الميثاق الوطني” الذي يحدد الإطار العام لمفهوم الدولة، في نفس الوقت أراد الحمدي الخروج بتجربة أعضاء اللجنة الذين عملوا في تيسير النظاميين السابقين، فضلاً عن قرارته التي سيترتب عليها إزاحة الشخصيات السياسية المدنية والقبلية والعسكرية التي ساهمت في إفشال المراحل السابقة. وفي نفس الوقت أراد الرئيس الحمدي تعديل قانون الانتخابات لإيجاد مجلس شورى أكثر تعبيراً عن إرادة الشعب، فاعترض على المادة رقم (45) لقانون الانتخاب لمجلس الشورى بالأغلبية النسبية، ورأى أن تعدل بالأغلبية المطلقة، لكون الأخيرة يحصل فيها المرشح على نسبة (50%) وتجري الانتخابات على دورتين، في حال لم يستطع المرشح الحصول على تلك النسبة، الأمر الذي سينتج عنه صراع القبائل في مجال التنافس لكونها تمثل الأغلبية في مقاعد مجلس الشورى الـ 93 مقعداً من 159 مقعد، مما أدى إلى خلافات بين الرئيس الحمدي والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر انتهى باستمرار مجلس الشورى بالتعيين كما كان سابقاً لكن أفضل عن السابق لكون 20% من صلاحيات رئيس الجمهورية يتم اختيارهم لعناصر كفؤة.

ج- المؤتمر الشعبي العام – الفكرة والمسار:

صدر قرار مجلس القيادة في 8 فبراير، 1977، الدعوة لعقد المؤتمر الشعبي العام في مدينة الحديدة، ويمثل كل العناصر لمنظمات المجتمع المدني وهي: لجان التصحيح، النقابات، الأحزاب.

الفكرة: أراد الرئيس الحمدي إيجاد تنظيم سياسي خالص نابع من التربة اليمنية، لكونه يرى أن الأحزاب غير النابعة من اليمن تخلق الصراعات، الأمر الذي جعله يوجه الدعوة إلى الأحزاب بتقديم ورقة عمل لأدبياتها، ثم الأخذ بالأفكار التي تناسب الواقع اليمني.

التسمية: تعقد مؤتمرات شعبية في كل محافظة على حدة، ثم تنافس اللجان في كل محافظة القضايا التي تطرح من المواطنين وتتخذ حولها القرارات ثم ترفع إلى المؤتمر العام.

د- الوحدة اليمنية:

تم إجراء خطوات الوحدة بين الرئيس الحمدي، والرئيس سالم ربيع علي على قاعدة الوسطية والاعتدال، فاختارا الوحدة الفيدرالية لاقتناعهما أن الوحدة الاندماجية ستشكل صعوبة ترجع إلى أن الخطوات السريعة قد توقعهم في أخطاء، فضلاً عن الانطباع الذي ترسخ لدى الشمال بأن النظام الجنوبي شيوعي ملحد، بالمقابل النظام الجنوبي يرى أن الشمال متخلف كهنوتي.

ه/ الجانب العسكري والأمني:

1-الدمج للقوات المسلحة والمحلية لقوات العمالقة، الاحتياط العام الشرطة.

2-تأسيس الخزينة العسكرية.

3-منع الحزبية في صفوف القوات المسلحة، لخلاصة فكرة تبني الحمدي أن الضباط في المراحل السابقة كانوا وقود حطب للصراعات السياسية.

هـ- السياسة الخارجية:

علاقة اليمن بالدول العربية:

تبنت الحركة فكرة الانفتاح على العالم، واقامة علاقات تعاون وصداقة وعلاقة قومية عربية مع جميع الدول العربية، أما علاقة اليمن بالمملكة العربية السعودية فتميزت في مرحلتين:

-المرحلة الأولى (1974-1975): مثلت أزهى فترة للعلاقات الجيدة بين البلدين، وبمباركة سعودية للحركة ودعم مالي وسياسي، ويرجع ذلك للإعجاب المتبادل بين الرئيس الحمدي والملك فيصل بن عبدالعزيز.

-المرحلة الثانية (1976-1977): مثلت تدخلاً سافراً للمملكة في شؤون اليمن الداخلية عبر ملحقها العسكري صالح الهديان، والمساعدات الضئيلة جداً.

علاقات اليمن بالدول الأجنبية:

انتهجت الحركة سياسة متوازنة مع الجميع بما يلبي مصالح اليمن وتعمل بالدرجة الأولى على بنائه، لا سيما مع المعسكرين الأمريكي، والسوفيتي وباقي الدول الرأسمالية والاشتراكية وما أثبته الرئيس الحمدي من خلال زيارته للصين ثم فرنسا أن اليمن صديق للجميع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أولا: الوثائق غير المنشورة:

-ورقة عمل مرحلية لخطوط المسار السياسي الداخلي والخارجي للدولة.

-ورقة عمل مرحلية خاصة بوحدة الشمال والجنوب.

-أهداف برنامج العمل الوطني للجنة الدائمة المشكلة للقرار(86) 1974.

ثانياً: اللقاءات عبر مواقع التواصل الاجتماعي:

-أسامة المليكي، مدير مكتب قناة شباب – تركيا.

-الأستاذ الدكتور إسماعيل قحطان، أستاذ جامعي تاريخ حديث ومعاصر.

-علي بن ثابت، كاتب سياسي وعضو قيادة الحزب الاشتراكي اليمني سابقا- القاهرة.

-محمد المقبلي/ أمين عام مجلس شباب الثورة – تركيا.

-مختار الحمادي/ مدير قطاع المناهج بأمانة العاصمة.

ثالثاً: المصادر والمراجع:

– البردوني، عبدالله، اليمن الجمهوري، ط1، مطبعة الكاتب العربي، دمشق،1983.

– بن ثابت، علي، الوحدة اليمنية- قصاصات من التاريخ والمهام الراهنة، د. ط، الشارقة، 1988.

– ثابت، أروى محمد، إبراهيم الحمدي – حياته ودوره السياسي في اليمن، ط 1، مطابع العماد، صنعاء، 2018.

– ثابت، أروى محمد، ندوة بمناسبة الذكرى”41″ لاستشهاد الرئيس إبراهيم الحمدي، التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، صنعاء، 1/نوفمبر2018.

– الشرجبي، عادل وآخرون، القصر والديوان – الدور السياسي للقبيلة، د . ط، المرصد اليمني لقوق الانسان، صنعاء، 2009.

– العشملي، محمد أحمد، التاريخ السياسي للدولة اليمنية الحديثة- من الشتات والانغلاق إلى الوحدة والانفتاح (1838- 2001)، ط 1، مكتبة مدبولي – القاهرة، 2002.

-عيسى، حبيب، السقوط الأخير للإقليميين في الوطن العربي، ط 1، دار المسيرة، بيروت، 1971.

– القاسمي، خالد بن محمد، الوحدة اليمنية في مواجهة التحديات، ط 1، دمشق للطباعة والنشر، 1991.

– قحطان، اسماعيل، حركة القوميين العرب ودورها في ثورتي سبتمبر وأكتوبر في اليمن (1959 – 1967)،ط 1،مؤسسة يسطرون للنشر والتوزيع- القاهرة، 2020.

-المودع، عبدالناصر حسين، دليل المصطلحات السياسية، ط3، مركز التنمية المدنية- صنعاء، 2012.

– ناجي، سعيد عباس، الساطع في تاريخ قبائل الضالع، د .ط، د .ت.

– نعمان، أحمد محمد، (مذكرات) سيرة حياته الثقافية والسياسية، مراجعة وتحرير/علي محمد زيد، ط2، المعهد الفرنسي للآثار والعلوم الاجتماعية، صنعاء، 2004.

•••
أروى محمد ثابت

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English