هل تكون تعز أول مدينة تتعايش رسمياً مع كورونا؟

تحركات للسلطة المحلية وعداد الإصابات لا يتوقف
محمد الكمالي
June 11, 2020

هل تكون تعز أول مدينة تتعايش رسمياً مع كورونا؟

تحركات للسلطة المحلية وعداد الإصابات لا يتوقف
محمد الكمالي
June 11, 2020
البراء منصور

ع مرور أكثر من شهر على ظهور أول حالة إصابة بفيروس كورونا في مدينة تعز في 1 مايو/ أيار 2020، تبدو خيارات أهالي المدينة في العيش وتفقد مصالحهم اليومية مختلفة قليلاً عن السابق، لكنها ما زالت تُمارس بذات الكيفية، ووفق ضوابط وقائية إلى حد ما.

لجنة الطوارئ في محافظة تعز كانت أقرت خلال اجتماع، عددًا من الإجراءات الجديدة لمواجهة خطر تفشي فيروس كورونا المستجد، وهو ما نشرته الصفحة الرسمية لمكتب إعلام المحافظة على فيسبوك في 29 مايو/ أيار 2020.

خطوة متأخرة

يرى مراقبون في المجتمع المدني تأخر مثل هذه الإجراءات الإلزامية وفق مضمونها، لكنهم مع ذلك، يتفقون أنها “خير من أن لا تأتِ” حسب تعبير كثيرين، بينما يتحدث آخرون عن أن هذه الإجراءات جاءت لتنظم التعايش مع الوباء لا أكثر.

أبرز تلك الإجراءات تلك المتعلقة بتوعد المخالفين بغرامات مالية، بهدف منع التجمعات، سيما في أسواق “القات”، إلى أن يتم إيجاد خطة تستغرق ثلاثة أيام، بحسب القرار، لتوزيع الباعة على أزقة المدينة، كما تفرض إغلاقًا جزئيًا للمطاعم والمقاهي، مع تشجيع البيع مباشرة إلى المنازل.

عبدالله باحكيم، وهو مالك مطعم وسط المدينة، قال إنه اضطر إلى دفع مبلغ 50 ألف ريال يمني، نظير مخالفة إدخال زبائن لتناول وجبة الغداء بصورة جماعية بعد يوم واحد من قرار لجنة الطوارئ.

وعبّر لـ”خيوط “بشكل حذر، عن جدية هذه الإجراءات التي تتخذ معها السلطات الأمنية تشديداً يؤكد وجود كورونا.

الدكتورة ألفت الدبعي، أستاذة علم الاجتماع في جامعة تعز، تحدثت لـ”خيوط”، عن متابعتها الأولية لتنفيذ تلك الإجراءات، مشيرة إلى صعوبة تقبّل المواطنين لها، “نظراً للحالة الاقتصادية المتدهورة” للأهالي، الذين يعمل معظمهم في القطاع الخاص، وتتطلب طبيعة أعمالهم خروج يومي. كما ترى أن هناك قصوراً من قبل الأجهزة الأمنية والجيش في تنفيذ صارم للتعليمات.

وتدعو الدبعي إلى التفكير باتجاهين متوازيين، أولهما التعايش مع الوباء شريطة الالتزام بقواعد الوقاية. والآخر يتمثل في إنتاج حلول لرفع كفاءة السلطة المحلية والقطاع الصحي لمواجهة الأوبئة والكوارث.

تحرك محلي

يتساءل أغلبية سكان مدينة تعز بشكل ناقد عن دور السلطة المحلية في إيجاد الحلول وإدارة الأزمات، التي يعد فيروس كورونا أصعبها في الوقت الراهن.

وعقد محافظ المحافظة نبيل شمسان لقاءً موسعاً بقطاعات السلطة في المدينة ومكوناتها الحزبية، أعلن فيه قرار إنشاء (صندوق دعم تعز) في 1 يونيو/ حزيران 2020.

وبحسب بيان نشرته الصفحة الرسمية لإعلام ديوان المحافظة، فإن القرار “يأتي لحشد الجهود، وسد الفجوة التمويلية لمواجهة الأوبئة المنتشرة”، وأن “على رؤوس الأموال المنتمية لمدينة تعز استشعار المسؤولية”.

الدكتورة ألفت الدبعي، وهي عضو سابق في مؤتمر الحوار الوطني، وحالياً في لجنة صياغة الدستور، قالت إنها من أوائل من دعموا قرار إنشاء هذا الصندوق، “الذي سيسهم كثيراً في رفع معاناة مدينة تعز من كافة الجوانب”، داعية “جميع أصحاب رؤوس الأموال للتبرع”، وهو ما قالت إنها بادرت إليه أولاً عبر تبرعها براتب شهر.

وأضافت الدبعي: “تمت مناقشة هذا القرار في منتصف شهر رمضان مع نخب تعز الاجتماعية والسياسية بغية رفد اقتصاد المدينة الهش، والذي لم يغطِّ دعم الحكومة والمنظمات الدولية احتياجاته بالشكل الكامل، في ظل شحة الموارد المحلية للمدينة”.

وترى الدبعي أن نجاح هذا الصندوق مرهون باختيار القيادات النزيهة التي سوف تديره على مستوى شفافية عالٍ يضمن بقاءه، وأنه “بغير توفير هذه المعايير فإن الفشل مصير هذا الصندوق من الآن”.

وجاء الإعلان عن تأسيس “صندوق دعم تعز”، قبل يوم من انطلاق مؤتمر المانحين لليمن في 2 يونيو/ حزيران 2020، على الإنترنت، بدعوة من السعودية وبالشراكة مع الأمم المتحدة، حيث بلغت التعهدات 1.35 مليار$.

مسؤول صحي في تعز: هناك حالات كثيرة تعمل على عزل وتطبيب نفسها ذاتياً داخل المنازل، ونسبة كبيرة منها ينتهي بها المطاف إلى الوفاة بشكل مؤسف

الأكثر انتشاراً

مع الأخذ بالاعتبار كونها المدينة الأكثر كثافة سكانية في اليمن، فإن طبيعة مدينة تعز الجغرافية والسكانية وفي ظل حصار يستمر للعام السادس، تفرض على ساكنيها تقارباً اجتماعيا، بما يسهم أكثر في إمكانية انتشار الوباء.

وكانت لجنة الطوارئ في تعز أعلنت عبر الصفحة الرسمية لمكتب الصحة على موقع التواصل “فيسبوك”، أن عدد المصابين بفيروس كورونا في المحافظة بلغ 131 حالة إصابة مثبتة، منها 31 حالة وفاة، وعشر حالات شفاء حتى 8 يوليو / حزيران 2020.

وأدلى حينها مدير مكتب الصحة في المحافظة بتصريح، خلال اجتماع موسع للسلطة المحلية، أكد فيه أن الوباء منتشر في كل مديريات مدينة تعز، وخصوصاً مديرتي المظفر والقاهرة.

وتواصلت “خيوط” بمدير مكتب الصحة بمديرية القاهرة رشاد المخلافي، الذي فسّر سبب هذا التفشي الكبير للفيروس في المديرية، بتأخر تشخيص الحالات، لافتاً إلى أن كثير من المصابين يرفضون تبليغ الجهات الصحية، وينكرون الإصابة رغم ظهور الأعراض واضحة.

ويقول المخلافي إن “هناك حالات كثيرة الآن تعمل على عزل وتطبيب نفسها ذاتياً داخل المنازل، ونسبة كبيرة منها ينتهي بها المطاف إلى الوفاة بشكل مؤسف”.

ويُرجع أطباء نفسيون هذا التخوف إلى وصمة العار المجتمعية والتخلي اللذين يتوقعهما المصاب بالفيروس إذا ما علم الناس بإصابته، إضافة إلى عدم الثقة بمستوى الرعاية الطبية.

ولا يخفي المخلافي حقيقة انعدام الإمكانيات الصحية اللازمة لاستعياب كافة المصابين، خصوصاً أن مركز العزل الحكومي الوحيد في مدينة تعز “في حالة يرثى لها مع دخولنا المرحلة الثالثة لمعالجة الوباء”، حسب تعبيره.

وأضاف أن “دول عظمى انهارت أمام فيروس كورونا الذي لا علاج له اليوم سوى الوقاية، وفرض استراتيجية التباعد الاجتماعي كأولوية الحلول وأنجحها”.

مقابر ممتلئة

من خلال مطالعة صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، يلحظ المتصفح حجم الوفيات خلال هذه الفترة، بصورة غير مسبوقة على مستوى البلاد بأكملها.

واعتمدت مدينة تعز منذ زمن طويل على مقبرة “كلابة”، شرق المدينة، بالإضافة إلى مقبرة “الأجينات” باتجاه الغرب، لكنهما كانتا منذ مارس/ آذار 2015، تحت سيطرة نارية لجماعة أنصار الله (الحوثيين) تمنع الناس من دخولهما. الأمر الذي دفع القوات التابعة للحكومة المعترف بها دوليًا، إلى إيجاد بديل لدفن موتى المدينة، ليقع الاختيار وقتها على “مقبرة السعيد” بتسميتها الحالية، والتي عرفت سابقاً بمزارع عصيفرة التابعة لمديرية التعزية، حيث تتبع ملكيتها أوقاف الدولة.

وطوال خمس سنوات مضت امتلأت مقبرة السعيد بضحايا الحرب، حتى باتت فرص العثور على مساحة قبر اليوم منعدمة، وبأبهض الأثمان إن توفرت.

وأُثير جدل من قبل سكان مدينة تعز مؤخراً، بشأن امرأة سمراء أشيع أنها دفنت جثةً مجهولة لمصاب بفيروس كورونا، بعد أن رمت سيارة إسعاف حكومية الجثة أمام مقبرة السعيد ثم انصرفت يوم الأربعاء 3 يونيو/ حزيران 2020.

تواصلت “خيوط” مع مدير مكتب الصحة في مدينة تعز، الذي قال إنه تم”التحقيق في ذلك منذ معرفة هذا الخبر الغريب”. وأضاف أنه “اتضح أن الجثة لم تكن لمصاب بفيروس كورونا، بل كانت حالة وفاة طبيعية إثر “توقف مفاجئ للقلب”، لرجل في السبعينات من العمر”، مشيراً إلى أن سيارة إسعاف نقلت جثته من مستشفى الجمهوري رفقة أقاربه إلى مقبرة السعيد، ثم انصرفت، وأن لديه شهادة وفاة رسمية- اطلعت “خيوط” على نسخة منها لدى إدارة المستشفى.

يقول رياض، وهو أحد أقارب المتوفى، لـ”خيوط”، إنه كان برفقة جثة عمه والد زوجته منذ وصولها وحتى انتهاء عملية الدفن، موضحاً أن سبب تركها للحظات أمام بوابة المقبرة، كان متعلقاً بعدم توفر ثمن القبر حينها، والذي بلغ سعره 50 ألف ريال يمني.

وأضاف: “أوصلتنا سيارة الإسعاف، وكانت لدينا معلومات بأن القبور متوفرة بشكل مجاني، لكننا فوجئنا بغير ذلك، فتأخرنا قليلاً لجمع المال المطلوب لشراء مساحة القبر، ولا أدري من أين جاءت قصة المرأة السمراء”.

الجهات الأمنية كان لها تعليق لـ”خيوط”، إذ يقول النقيب معاذ مارش مدير قسم شرطة منطقة عصيفرة، إنه حضر مراسم دفن الجثة المشار إليها بنفسه، وأنه “لا صحة لأي أنباء عن كون امرأة هي من تولت ذلك”.

ويضيف مارش، بأن عائلة المتوفى وبعد التأكد أكثر تبين بأنها تقيم في صنعاء، ليتولى جيرانه وأبناء عمومته كل شيء تعلق به منذ أن كان في المستشفى.

شخص آخر تحدث لـ”خيوط” مؤكداً ما ذكره أحد أقارب المتوفى، حيث قال إنه يشرف على حفر القبور في مقبرة السعيد، أن عملية الحفر شاقة ولا يمكن أبداً أن تكون مجانية. وهي إفادة تتعارض مع صور كان تداولها ناشطون على نطاق واسع الأسبوع الماضي، تظهر قرابة “مائة قبر” قالوا إن السلطة المحلية جهزتها لتستوعب ضحايا فايروس كورونا.

توجد في اليمن ستة مصانع أدوية، خمسة منها في صنعاء وواحد في حضرموت، فهل ستركز السلطات الرسمية المنقسمة على إنتاج الدواء محلياً لتجاوز أزمة انعدامه واحتكاره في الأسواق؟

دواء محتكر

وتزداد شكاوى المواطنين في زمن وباء كورونا، من غياب بعض الأصناف الدوائية المتعلقة بالحميات (باراسيتامول- فيتامين سي)، بالإضافة إلى ارتفاع كبير في أسعار الكمامات ومستلزمات الوقاية، ما يضع علامات استفهام حول دور السلطات الرسمية في المدينة.

يقول عبد الرحمن الدروبي، مسؤول الرقابة بمكتب الصحة بتعز لـ”خيوط”، إن الارتفاع الكبير لأسعار الأدوية ليس بسبب مالكي الصيدليات، وإنما من تجار الجملة جراء الطلب المتزايد هذه الأيام.

ويتابع الدروبي: “أغلبية شركات الدواء في تعز كانت قد غادرتها مع اندلاع الحرب منذ مارس/ آذار 2015، وبسبب الحصار القائم على المدينة، ما يفسر جزءاً من الأزمة التي تعيشها”.

وطالت مثل هذه الأزمات دولاً كثيرة حول العالم مع بداية تفشي جائحة كورونا، حيث انعدمت الصادرات الخام للمستلزمات الطبية في ظل توقف إجباري لمعظم المصانع أيضاً.

مدير الهيئة العليا للأدوية والمستلزمات الطبية في محافظة تعز، محمد الصوفي، قال إن التركيز على الإنتاج المحلي بجودة عالية وأسعار مناسبة في غاية الأهمية الآن، مشيراً إلى وجود أكثر من 5 مصانع في العاصمة صنعاء، إضافة إلى مصنع واحد في مدينة حضرموت.

وتحدث الصوفي لـ”خيوط” عن أهمية “تنسيق الجهود بشكل دائم بين الجهات المعنية والأمنية من أجل ضبط المحتكرين”، مؤكداً أن الهيئة أنزلت تعميمات إلى سوق الدواء بضرورة التقيد والالتزام بالتعليمات الرسمية.

ودعا الصوفي المواطنين إلى “عدم الانجرار وراء كل ما ينشر في وسائل التواصل عن أدوية فعالة لفيروس كورونا”، وأن “الفيتامينات الطبيعية هي مصدر الأمان الأول ضد هذا الوباء”.

اختناق مركز العزل

يعاني مركز العزل الحكومي الوحيد في مدينة تعز من قلة الإمكانيات لمواجهة فيروس كورونا، والذي تكمن خطورته في مهاجمة الجهاز التنفسي للإنسان، غير أن أجهزة التنفس الموجودة في المركز تكاد لا تذكر مع تكرار الشكاوى من شحة توفر أسطوانات الأكسجين.

منظمة اليونسيف لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أعلنت على صفحتها الرسمية في “تويتر” إيصال 4 أجهزة تنفس صناعية إلى محافظة تعز لدعم جهود مواجهة الوباء في 2 يونيو/ حزيران 2020. وأكد مدير مركز العزل الحكومي بمستشفى الجمهوري عمر المليك تسلّمها، إلى جانب جهازين سابقين من منظمة الصحة العالمية، ليصبح مجموع أجهزة التنفس الصناعي الآن 6 أجهزة.

واستدرك المليك قوله لـ”خيوط” بأن هذه الأجهزة المقدمة من اليونسيف وصلت بدون منظمات للأكسجين، مبدياً استغرابه لذلك، حيث أن المنظم الواحد سيكلف مبلغ 300 ألف ريال يمني، وهو ما لا يستطيع المركز توفيره.

وعن الحالات التي تفارق الحياة اختناقاً في المركز جراء عدم توفر الأكسجين لإنقاذها بحسب شكاوى كثيرة متداولة، يقول المليك إن شحة الأكسجين سببه “عدم تعاون هيئة مستشفى الثورة العام بسرعة الإمداد، خصوصاً أن المركز يستخدم في اليوم الواحد قرابة 30 أسطوانة”.

وأضاف المليك: “استقبل المركز منذ افتتاحه 40 حالة من حالات الإصابة بفيروس كورونا، حالات الوفاة منها 18، ومجموع من يرقد اليوم 7 حالات، بينما تعافت 5 حالات، لتحال البقية إلى مركز العزل غير الحكومي “شفاك”.

رئيس هيئة مستشفى الثورة عبد الرحيم السامعي، علّق على الأمر قائلاً لـ”خيوط” إنه أرسل بمذكرة رسمية لمحافظ المحافظة نبيل شمسان يستنكر فيها مثل هذه التصريحات التي وصفها بـ”غير المسؤولة”، رافضاً الاتهام الموجه للهيئة بحجز أسطوانات الأكسجين المخصصة لمستشفى الجمهوري. وقال: “تقوم الهيئة (مستشفى الثورة) بتزويد مستشفى الجمهوري بشكل يومي ومجاني بحسب القدرة الإنتاجية لها”.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English