بينما تفقد السلطات الرسمية بوصلة التدابير

مبادرات شبابية للتوعية في مواجهة فيروس كورونا
صامد السامعي
June 9, 2020

بينما تفقد السلطات الرسمية بوصلة التدابير

مبادرات شبابية للتوعية في مواجهة فيروس كورونا
صامد السامعي
June 9, 2020

يمارس محمود الراجحي التصوير منذ أربعسنوات. قبلها كان يحلم أن يصبح مصوراً وأن يمتلك كاميرا ومعدات خاصة به، فالتصوير-كمايقول لـ"خيوط"- شغفه الدائم والحلم الذي ظل يراوده لسنوات. ومنذ أنامتلك معدات التصوير، خصص جزءاً من وقته لخدمة القضايا المجتمعية، ومؤخراً نشط، بشكللافت، في التوعية بمخاطر فيروس كورونا.

لم يكن الراجحي (23 سنة) وحده من سلكهذا الدرب. فمع ظهور فيروس كورونا وانتشاره عالمياً، تداعى كثير من الشباب اليمني للمبادرةفي التوعية بأهمية اتخاذ الإجراءات الوقائية، وكيفية التعامل مع المصابين، ونشرالمعلومات والتحديثات التي تصدرها منظمة الصحة العالمية، مستخدمين المنصاتالمتاحة. وقد اتخذت هذه الجهود أشكالاً عديدة، كالمسابقات، والحملات الميدانية، وحملاتالإعلان التوعوية عبر وسائل الإعلام والإنترنت، كما أنشئت مجموعات للتوعية فيوسائل التواصل الاجتماعي.

مؤخراً فاز الراجحي بالمركز الأول فيمسابقة للفيديوهات التوعوية القصيرة أطلقتها منظمة شبابية بغرض التوعية بفيروسكورونا. حمل الفيديو الفائز عنوان "هدية بابا" ومدته دقيقتان. تطرق فيهلقضية تهريب المسافرين من الحجر الصحي والكارثة التي كانت متوقعة الحدوث بسبب ذلكالفعل غير المسؤول.

  لاقت الفيديوهات التوعويةصدىً واسعاً حيث وصلت إلى أكثر من 80 ألف شخص بحسب إحصائيات فيسبوك.

 

أكثر من 100 فيديو توعويخلال 20 يوماً

مطلع أبريل/ نيسان 2020، دعت منظمة "أجيالبلا قات للتوعية والتنمية"، عبر صفحتها في "فيسبوك"، الشباب ممنلديهم إمكانية إنتاج فيديوهات للمشاركة في مسابقة للتوعية بفيروس كورونا، وخصصت مبلغاًيصل إلى 2000 دولار، كجوائز للفيديوهات التي ستفوز بالمراكز الأربعة الأولى. بعد20 يوماً، هي مدة المسابقة، كان لدى المنظمة 112 فيديو، نسبة 70% منها صالحةللنشر.

تفاجأت المنظمة من التفاعل الواسعللشباب مع المسابقة حسبما أفاد لـ"خيوط" مديرها التنفيذي فواز الخليدي. وأضاف:"دفعتنا الجهود المبذولة من قبل الشباب إلى استحداث مسابقة أخرى تشجيعيةبقيمة 1000 دولار لـ15 فيديو آخر من التي استقبلناها في نفس الفترة". غير أنالمنظمة سوف تقسم الفيديوهات الـ15 إلى مجموعات، وتتيح لمتابعي صفحتها على"فيسبوك" المشاركة في التقييم واختيار الفيديو الفائز من كل مجموعة.

وأطلقت "أجيال بلا قات" المسابقة"ضمن استراتيجية للدفع بالنشطاء والشباب من أصحاب المواهب للمشاركة فيالتوعية وإيصال أفكارهم، وتقديم توعية قريبة للناس"، بحسب الخليدي.

وشارك في المسابقة شباب من 17 محافظة(عدد المحافظات اليمنية 22) بما فيها الجوف وريمة وصعدة، وهي محافظات معروفةبافتقارها للخدمات، وبرداءة خدمة الإنترنت فيها.

يقول محمود الراجحي لـ"خيوط"،إن "إنتاج الفيديوهات وخاصة التوعوية ليس أمراً سهلاً، لأنه يجب عليك أن تأتيبفكرة تكون قادرة على جذب اهتمام الناس حتى يصلهم كل ما تريد أن تقوله"، ويضيف:"لكنني بمجرد أن قرأت إعلان المسابقة قلت: حسناً.. هذه فرصتي ولن أفوتها، ولحسنحظي كانت الفكرة جاهزة".

بعد الانتشار السريع لفيروس كوروناووصوله إلى دول مجاورة، بدأت السلطات في اليمن باتخاذ بعض الإجراءات من أجل محاولةمنع الفيروس من الدخول للبلد، من ضمنها إغلاق المطارات والمنافذ البرية والبحرية، ووضعالعائدين من خارج البلاد في حجر صحي لمدة 14 يوماً.

"بمجرد سماعنا عن الحجر الصحيللعائدين من الخارج، بدأنا نسمع قصص تهريب المسافرين من الحجر، ودفع مبالغ ماليةمقابل ذلك، حينها كان ذلك الفعل هو الخطر الحقيقي على البلد"، قال محمود واصفاًكيف خطرت له فكرة الفيديو، مشيراً إلى أن الفكرة كانت أن يصنع فيديو عن هذهالمخالفات الكارثية، التي سيتضرر منها المجتمع، بدءاً من أسرة الشخص نفسه وصولاً إلىالمجتمع كله.

قبل أن يشارك الراجحي في المسابقة أو يعرف عنها، كان اتخذ القرار بإنتاج فيديوتوعوي عن هذه القضية. يقول: "كنت فقط أشعر بقليل من الإحباط عندما أفكر بأن الفيديولن يصل إلى عدد كبير، فقد كنت أنوي نشره في حساباتي على منصات التواصل الاجتماعي، وبقيتأفكر بطريقة تجعله يصل إلى أكبر عدد ممكن من المهتمين حتى تصل الرسالة".

علم محمود عن المسابقة من صديق له عبرتطبيق الواتساب، ومن فوره بدأ الاشتغال على الفكرة، وقد ساعده في إنجاز الفيديو أصدقاءآخرون. وفي اليوم التالي أخذ أدوات التصوير وبدأ بإعداد الفيديو، الذي فاز بالمركزالأول.

فازت 3 فيديوهات أخرى في المسابقة،وجاء في المركز الثاني فيديو "أنيميشن" توعوي عن أهمية الحجر الصحي وضرورةاتخاذ إجراءات الوقاية، وفي المركز الثالث، فيديو عن شخص مشهور على منصات التواصلالاجتماعي ينشر فيديوهات يومية يستهتر فيها بالإجراءات الوقائية، ثم يصاببالفيروس، ليعود بعدها للاعتذار والتحذير ويطلب من الناس عدم الاستهتار، وفيالمركز الرابع، فاز فيديو "موشن جرافيك" لثلاثة شباب قدموا فيه نصائح منأجل استغلال الوقت أثناء الجلوس في المنزل خلال فترة الحجر.

المسؤولية مشتركة

"مع استمرار الحرب منذ أكثر من 5سنوات، لم يعد لهذا الشعب غير أبنائه"، يقول لـ"خيوط" أيمن الهتاريالفائز بالمركز الثاني في المسابقة ذاتها. ويضيف: "بتكاتف الجميع نستطيعتجاوز هذه الفترة العصيبة بأقل الأضرار الممكنة، فكل الجهود تحدث فارقاً مهما كانتصغيرة، والتوعية مهمة كوننا نستطيع تجنب الإصابة بفيروس كورونا أو نقله، بالتزامنابالإجراءات الوقائية".

يعمل أيمن الهتاري (35 سنة)، فيصناعة الأفلام وفيديوهات الأنيميشن (الرسوم المتحركة)، ويحاول استغلال إمكانياتهمن أجل التوعية بفيروس كورونا.

ويرى الهتاري أن المسؤولية ينبغي أن تكون مشتركة: "فهذا البلد بلدناجميعاً، ويجب أن ننجو من هذه الفترة العصيبة معاً".

وقبل دخول فيروس كورونا إلى اليمن، كانت البلاد تعاني بالفعل من أسوأ أزمةإنسانية حول العالم. انتشرت أمراض وأوبئة خطيرة وفتاكة مثل الكوليرا والدفتيرياوحمى الضنك، أدت إلى وفاة الآلاف خلال السنوات الخمس الماضية، فيما تشير إحصائياتصادرة عن الأمم المتحدة في 2019، إلى أن الحرب أدت إلى نزوح أكثر من أربعة ملايينيمني.

وكانت تقارير سابقة لمنظمة الصحة العالمية تحدثت عن انهيار النظام الصحي فياليمن، وخروج ما يقارب 60% من المنظومة الصحية اليمنية عن الخدمة بسبب استمرارالحرب، وتعرض عدد كبير من المرافق الصحية للقصف والتدمير.

 حملات التوعية تختلف عنالحملات الإعلانية التجارية، ذلك أنها تتطلب الاقتراب من المجتمع ومخاطبته بلغةيفهمها.

 

توعية قريبة من الناس

في رمضان الفائت، ظهرت في شوارعمدينة تعز لوحات إعلانية توعوية بلهجة محلية مقتبسة من أمثال شعبية مشهورة. أثارتهذه اللوحات جدلاً في الشارع، واستطاعت أن تجذب انتباه أهالي المدينة، حتى أنالجدل حولها امتدّ إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وتناولتها وسائل إعلام مقروءةومرئية.

في إحدى هذه اللافتات تظهر صورةلفتاة ترتدي كمامة وقفازات وهي تلوح بيدها كما لو أنها تريد إيقاف شيء ما، وإلىجانبها كُتبت عبارة مستوحاة من مثل شعبي تقول: "باب يجي منه كورونا، سدّوهوريحونا" في إشارة إلى ضرورة الالتزام بالإجراءات الوقائية.

وفي لافتة أخرى يظهر رجل وهو يرتدي كمامةوقفازات وبيده عصا خشبية (صَمِيل باللهجة المحلية)، وإلى جانبه عبارة مستوحاة منمثل شعبي أيضاً تقول: "كورونا، صَابِحُه قبل ما يُصابِحك"،وهو مثَل يتشابه في معناه مع المثل المعروف: "تغدّاه قبل أن يتعشّاك"، وعبارةأخرى تقول: "التزامك بطرق الوقاية من فيروس كورونا حماية لك وللمجتمع".

وعلى نفس النمط، انتشرت لوحات كتبعليها: "الوقاية العلاج كله"، مع صورة لطبيب يرتدي كمامةوقفازات، "الحذر ولا الشجاعة" مع صورة لرجل مسن يرتديكمامة وقفازات، "كورونا ما يرحمش" مع صورة لشابة ترتديزياً محلياً وتحاول ضبط الكمامة بالطريقة السليمة على وجهها، و"ابعد عنكورونا وغني له"، مع صورة لشاب يعزف على الجيتار ويرتدى الكمامة.

ويرى محمد المجيدي، مدير مؤسسة "تكوين"للخدمات الإعلانية في حديث لـ"خيوط"، أن حملات التوعية تختلف عن الحملاتالإعلانية التجارية، ذلك أنها تتطلب الاقتراب من المجتمع ومخاطبته بلغة يفهمها. ذلكأن فعل التوعية بمخاطر فيروس كورونا بالتحديد، يتطلب أن "تجعل الناس يتخذونفعلاً معيناً أو يتجنبون فعلاً آخر في أسرع وقت ممكن"، حسب المجيدي.

تشاركت في إطلاق هذه الحملة ثلاثجهات، قطاع خاص، مجتمع مدني، وجهة حكومية، حيث تكفلت مؤسسة "تكوين"للخدمات الإعلانية بتصميم المواد الدعائية، ومولت منظمة "أجيال بلا قات"تكاليف الطباعة والعمل الميداني، فيما تكفل مكتب الصحة العامة والسكان في تعز، باستخراجالتصريحات الرسمية وتوفير المساحات الإعلانية المناسبة.

وبينما يبدو من الواضح أن السلطاتالرسمية في اليمن، فقدت بوصلة التدابير المناسبة لمواجهة انتشار فيروس كورونا فيالداخل، ولم تستطع إدارة ملف الحجر الصحي للعائدين من الخارج رغم قلتهم مقارنةبدول أخرى، بالإضافة إلى تخبطها في إدارة الأزمة بشكل عام، خرج شباب كثر بمبادراتتوعوية مكثفة كخيار فعّال في المواجهة. غير أن السؤال يبقى: هل التوعية وحدهاكافية لمواجهة الوباء؟

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English