الحافر على الحافر

تعليقاً على تخاطر الأفكار بشأن مقال "اليمن = الجنوب"
أحمد صالح الجبلي
June 7, 2020

الحافر على الحافر

تعليقاً على تخاطر الأفكار بشأن مقال "اليمن = الجنوب"
أحمد صالح الجبلي
June 7, 2020

هذا رد، أو بالأصح محاولة الرد على سَبَقي في نشر الفرضية المذكورة في المقال “اليمن= الجنوب .. لماذا؟”.  

 هي فرضية عقلية منطقية لا أستطيع إثباتها. وحسب قراءتي التي لا أدعي أنها تغطي كل –والعياذ بالله – ما كتب في هذا الصدد، أستطيع أن أزعم أنني أنا أول من يعلنها. وبالطبع، ليس مستبعداً أن يكون غيري قد فكر في هذا الموضوع وأنتج تفكيره نفس هذه الفرضية. والحقيقة أنني سأكون سعيداً للغاية إذا ما اكتشفت أن أحداً غيري قد سبقني إلى نشر هذه الفرضية، لأن ذلك دليل على أنني لم أبتعد عن التفكير المنطقي السليم. أو بالأصح –وبدون أن أصادر على المطلوب أنني في المكان الصحيح– أن ثمة من يشاركني في تفكيري، سليماً كان أم مغلوطاً، أي أن “حافري وقع على حافره”.  أما قصب السبق، فلا أحفل به، لأن الفرضيات في عالمنا، وفي شتى المجالات، “على ظهر من يشيل”. أما تكرار البعض لأقوال من سبقهم، شعراً ونثراً، ومنذ القديم، سواء أكانت سرقات مقصودة أو تكراراَ دون علم بمن سبقه، فقد أُلفت في ذلك المجلدات. ألم يقلها، وبأدب جم، أحد الشعراء، وأحسبه الشاعر الشهير زهير بن أبي سلمى:  

ما ترانا نقول إلا معاراً       أو معاداً من قولنا مكرورا

 هنا يحضرني ما قرأته منذ زمن بعيد لأحد الكتاب الذي لم أعد أذكره مع الأسف –وأعتذر للقارئ شديد الاعتذار على هذا التقصير– وهو يورد تعبيراً مدهشاً: “القصد غير المتعمد” أو “العمد غير المقصود”. ولأنه تعبير شدّني إليه وبلا رحمة، فقد ظل متربصاً –وأخشى أن يكون تربصه عن “غير قصد متعمد” – في ركن أو في عطفة لفة من تلافيف الدماغ. وذات لحظة وأنا أقرأ في رواية “الأبْله” للروائي الروسي ذائع الصيت دوستويفسكي، وقعت على تعبير “مصادفة تشبه العمد” (ص 34)، ثم تكرر هذا التعبير: “مصادفة بما يشبه العمد” (ص 185).

 وحتى لا أطيل على القارئ، أكتفي بالإشارة إلى القرابة الشديدة بين التعبيرين. وهنا بيت القصيد: أهو اقتباس، سرقة، أم أن الحقيقة في مكان آخر؟ كل الاحتمالات مفتوحة، وأحدها، وهو ما يهمنا هنا، أن “الحافر وقع على الحافر”، أي أن هذا الشبه الشديد إلى حد التماثل واقع بصورة مستقلة، بدون أن يطّلع هذا على ما كتبه ذاك. وفي حياتنا العملية اليومية، نجد الكثير من ذلك، نسميه أحياناً “توارد الخواطر”. أما كيف يجري ذلك، فلا أستطيع أن أفتي القارئ فيه، ولكن مع لفت الانتباه إلى أن الدماغ البشري أمر عجب!

قد يتخيل الكثير منا أن حرمان توريث المرأة اقتصر على القبيلة العربية، لكن بالإضافة إلى احتمال وجوده لدى شعوب أخرى، يفاجئنا العالم الأمريكي الشهير وِيل ديورانت بأن هذا الحرمان كان سارياً أيضاً لدى بعض الفرنجة

 ومع ذلك، ثمة بعض التفسيرات العلمية التي تحاول أن تسلط ضوءها على موضوعة “وقوع الحافر على الحافر”، منها ما يقوله العالم الفيزيائي الألماني الشهير ماكس بلانك (1858-1947) بما معناه، أنه لو عُرفت الطريقة التي اتبعها للوصول إلى نظريته الفيزيائية، لأمكن لغيره أن يتوصل إلى نفس النتيجة التي انتهى إليها.

 إذن، الطريقة، المنهج، المدخل، المقاربة.. ذلك ما يسهم بفعالية حاسمة في التقاء الأفكار والمواقف، ومن ثم يسهم في تفسير ما يتوصل إليه أشخاص، وهم في مناطق نائية عن بعضهم البعض، من نظريات وفرضيات وأفكار ومواقف علمية. أي أن يقع حافر كل منهم على حافر الآخر.

 أنتهي هنا إلى أن ما أوردته من فرضية أن السبب في تسمية الجهة الجنوبية بـ”اليمن”، أمر يمكن أن يتوصل إليه أي كان، وأكون سعيداً لو أُبلغت بأن أحدهم في هذا الكوكب قد سبقني في نشر ما أزعم أنني أنا صاحب قصب السبق في نشر هذه الفرضية. أما أن يكون هذا أو ذاك قد توصل إلى هذه الفرضية، إلا أنه لم ينشرها علناً، فهذا لا يعتدّ به.  

 للإبداع، عموماً، شرطان متلازمان: قدر كافٍ من المعرفة مع قدر كافٍ من الشجاعة.  

 كل ما ذكرته أعلاه يأتي في سياق وقوع الحافر الفردي على الحافر الفردي للآخر. ولكن ما رأي القارئ عندما يقع حافر شعب على حافر شعب آخر، آخر تماماً، يقع هذا الحافر بشأن حرمان توريث المرأة في القبيلة العربية، والذي قد يتخيل الكثير منا، إن لم يكن ذلك هو التصور العام لدينا، أن أحداً في هذا العالم لا يتبع هذا التقليد أو العرف، بل هو مقصور على العرب فقط. فبالإضافة إلى احتمال وجوده لدى شعوب أخرى مع جهلنا، أو بالأصح مع جهلي أنا بذلك، يفاجئنا العالم الأمريكي الشهير وِيل ديورانت بشأن حرمان النساء من الإرث، بأن هذا الحرمان كان سارياً أيضاً لدى بعض الفرنجة، فيقول إنه في قانون الفرنجة الساليين نصت أهم مادة على أنه: “لا يجوز أن ترث امرأة شيئاً من الأراضي السالية”. واعتمدت فرنسا على هذه المادة في القرن الرابع عشر، فرفضت ادّعاء الملك إدوارد الثالث ملك إنجلترا حقه في عرش فرنسا الذي يرثه عن طريق أمه إيزابيل، وأدى هذا الرفض إلى حروب السنين المائة. وكانت هذه المادة مقصورة على الأملاك الثابتة (العقار)، التي يفترض أنها تحتاج في حمايتها إلى قوة الرجال العسكرية. ومن أراد الاطمئنان على صحة هذه المعلومة، فما عليه إلا أن يقرأ ذلك لدى ويل ديورانت في “قصة الحضارة”، الجزء الأول/ المجلد الرابع، ص 183).

 ليس ثمة –بتقديري– إلا تفسير واحد وحيد لحرمان المرأة من التوريث في الشعبين: طريقة التعامل الواحدة أو المتشابهة مع المرأة، تقود إلى ذات النتائج المتشابهة، إن لم تكن الواحدة.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English