نَبْش الموروث القديم هرباً من كورونا

مجموعة فيسبوكية تكتظ بحكايات المعتقدات اليمنية القديمة
علي الضبيبي
June 3, 2020

نَبْش الموروث القديم هرباً من كورونا

مجموعة فيسبوكية تكتظ بحكايات المعتقدات اليمنية القديمة
علي الضبيبي
June 3, 2020
الصورة لامرأة يمنية تقف أمام أعمدة أثرية في محافظة الجوف-تصوير: عبدالرحمن الغابري

يلوذ آلاف اليمنيين، في هذه الأيام الحزينة، إلى نبش موروثاتهم الاجتماعية، على صفحات “فيسبوك”. هذا الحال، في مسعاه التلقائي الفريد، تعبير عن حالة جماعية نفسية (اضطرارية)، هرباً من التعازي وأخبار الموت وصور وفيات أحبائهم، التي تتصدر واجهات المواقع.

قفز هذا الاهتمام بالموروث الثقافي والاجتماعي إلى صدارة نقاشات الشباب اليمني، عندما أطلق الناشط محمد علي، والشاعر والباحث أحمد الطرس العرامي، مجموعة تحمل اسم: “معتقدات وتقاليد يمنية قديمة”، على “فيسبوك”، ليلة عيد الفطر، ليفاجأ أصحاب الفكرة بانصراف آلاف الناشطين عن “كورونا” ومآسيها، إلى هذا “المجموعة”.

المجموعة التي أُنشئت بشكل عفوي، لاقت رواجاً وإقبالاً ومشاركات غير متوقعة، كما يقول الشاعر العرامي، الذي ربما استلهم هو وأصدقاؤه هذه الفكرة من كتاب له، صدر قبل 3 أعوام في القاهرة، بعنوان: “ديانة اليمنيين السرية”.

شبان وشابات، من مختلف مناطق اليمن، بينهم مثقفون وصحفيون وأدباء وأكاديميون، انصرفوا عن أخبار الموت، عندما وجدوا أنفسهم عاجزين أمام هذا الوباء الذي يحصد الأرواح، بشكل غير مسبوق، ليلوذوا بحكايات وقصص وأساطير الأمهات والجدات والأجداد، وكيف كانوا يعمدون إلى تدابير علاجية من خلال طقوس، يقومون بها لدفع الشرور عن أحبائهم أو لجلب البركة والسعادة إلى بيوتهم.

خلال أسبوع واحد تلقّى المشرفون على “القروب” آلاف المشاركات المرسلة إليهم، حيث تجاوز عدد أعضائها 20 ألف شخص.

موروث يمني واحد

الملاحظ تشابه المعتقدات الاجتماعية لدى عموم اليمنيين، وغزارة حكايات مجتمع الريف اليمني، التي تعكس طبيعة الفلاح اليمني البسيطة، وبراءة قلوب الناس. هذه الغزارة الحافلة بالتقاليد والطقوس، وبالذات ذلك الكم الهائل من الحِكم والتدابير الاجتماعية (وبينها ما هو غريب) والأساطير، التي توارثها الإنسان اليمني من أزمنة سحيقة، لا تفصح فقط، عن عراقة أصيلة لهذا الموروث، وإنما تقشع الغطاء عن مصادر وعيون ومنابع لروافد ثقافية مختلفة، وأديان.

حكاية جناح “الخُفّاش”

المصادفة العجيبة، أن “الخفاش”،  كطير بات على لائحة الاتهام عالمياً، بتصدير وباء “كورونا”، كان جناحاه في بعض المناطق اليمنية، محل اعتقاد. حيث نشر أحد المشاركين، أن الأمهات كنّ إلى وقتٍ قريب، يذهبن بأطفالهن حديثي الولادة إلى الوادي بداية الليل (وقت الغسق)، يبحثن داخل الكهوف أو وسط الأشجار الكثيفة عن خفاش، لتسقي الأم ولدها من الماء الذي تسكبه على جناح الخفاش “كي يكتسب طفلها الذكاء”. (لم يعد هذا الاعتقاد، على ندرته وغرابته، سائداً اليوم).

ورغم انتقاد بعض المعلقين لهذا الاعتقاد، إلا أن مشاركين آخرين، من مناطق أخرى بعيدة، ساقوا بعض أقوال القدامى العجيبة، لتدعيم حقيقة وجود مثل هذه الاعتقادات القديمة، ذات الطابع الخرافي، التي كانت سائدة ومتداولة في مناطقهم، على ألسنة كبار السن، ومنها: “أن من لحس جناح الخفاش يصبح رامياً جيداً وماهراً في القنص”. وقال آخر: “من لحس جناح الخفاش يصبح شاعراً”. وفي مناطق أخرى كانوا يقولون لأهل الطفل المتأخر في الكلام: “اسقوه من جناح الخفاش”، كما أضاف ثالث.

الطيور كرموز للحظ الجيد أو الشؤم

وتستمر آلاف المرويات والحكايات، التي لا تخلو بعضها من الغرابة، فهناك طيور محل شؤم وأخرى محل سعد وفأل. مثلاً يُجمع اليمنيون على التشاؤم من رؤية “الغُراب”، وهي طيور ذكية وحقودة ومتضامنة مع بعضها، وهي  نظرة تشاؤمية نجدها لدى كل العرب، وربما على العموم، لا تزال هذه الصورة السلبية سائدة في عموم الشرق، تجاه هذا الطائر الأسود العنيف.

تتمتع “الهدهديات”، بالقداسة والإجلال في مصر القديمة، وهي رمز للفضيلة في فارس والعراق وبلاد الشام، وفي اليمن يعتبر “الهدهد”، رسول الخير والوفرة، بينما في أوروبا يعتبرون الهدهد لصّ ونذير شؤم

تتشابه الثقافات أحياناً، وهل هي صدفة، عندما نجد الفيلسوف الصيني العظيم وخبيرها العسكري “سون تزو”، قد وثق ضمن كتابه الشهير “فن الحرب”، بأن على القائد العسكري أن ينتبه بأن هناك مكيدة في طريق الجيش، إذا ما سمع “نعيق الغراب”، أما إذا رأى النسور تلوح في سماء منطقة ما داخل نطاق جغرافيا المعارك، فهي تشير إلى أن هناك جُثثاً نافقة، أو إلى كثير من القتلى في صفوف العدو. وهذا ليس اعتقاداً متوارثاً من “تزو” فحسب، وإنما يندرج ضمن ذكاء وحنكة ذلك القائد، وخبرته بطبائع الطيور. وهناك مثلٌ سائد في اليمن يقول: “النسور لا تلوح إلا على جيفة”.

استلهمت المجتمعات الإنسانية في أحايين كثيرة من الطيور بعض أفكارها، واستخدمت الطيور في التسلية وفي الحرب وفي إيصال الرسائل، لتدخل ضمن معتقدات الإنسان عبر العصور. ولا غرابة أن نجدها ضمن موروثاتنا الثقافية والأساطير، المؤسسة على أفعال ورموز واعتقادات موغلة في القِدم.

عبر العصور، ظهرت بعض الطيور في سائر المجتمعات الإنسانية كرموز جالبة للحظ السعيد أو السيئ، وبعضها بلغت مستوى القداسة. وفي اليمن نلاحظ تراكم المعتقدات الغنية بهذه الترميزات تجاه الطيور والحيوانات، وجنس الطيور تحديداً.

مثلاً  تتمتع “الهدهديات”، بالقداسة والإجلال في مصر القديمة، وهي رمز للفضيلة في فارس والعراق وبلاد الشام، وفي اليمن يستبشر الفلاح برؤية “الهدهد”، إذ يعتبره رسول الخير والوفرة، بينما في أوروبا نجد النظرة مختلفة: الهدهد لصّ. وفي النرويج والسويد وسائر اسكندنافيا: هذا الطائر نذير شؤم.

خذوها من أفواه الصِبْيَة والمجانين

ليست الطيور فقط ما تعامل معها اليمنيون كرموز. بل أيضاً هذيانات “المجانين” (مرضى الحالات النفسية المزمنة)، وتركيز الأطفال في كلامهم على أمرٍ ما من خلال التكرار، تستوقف الكثير، وكانت محل انتباه واهتمام البعض، إذ يقولون: “خذوها من أفواه الأطفال والمجانين”.

البعض يستبشر، إذا رفّ جفن عينه اليمني، حيث تعتبر إشارة انفراج للهموم، ولكن هناك مناطق من اليمن تعتبر رفّة الجفن الأيسر إشارة إيجابية، حيث يعلقون بقولهم: “إشارة يُسر إن شاء الله”.

لاتزال هذه الإشارات اللطيفة الجالبة للحظ أو التعاسة، في وعي البسطاء، سائدة في عموم اليمن. وعندما يحكّ أحدهم كفّه اليمنى، يستبشر ويقبّل يده. بل إن بعضهم يعزي نفسه، عقب انخلاع ضرسه في رؤيا منامية، حيث يعتبر ذلك نبأً استباقياً حزيناً، تفسيره: وفاة أخ أو قريب من الدرجة الأولى أو الثانية.

“الفأس” و”المِحواشْ” عند قصف الرعود

في “إب” و”تعز”، عندما تسمع الأمهات قصف الرعود وتتابع الصواعق، يهرعن إلى “الديمة” (المطبخ) ويقذفن “مِحواش العصيد” إلى الخارج على عجل، لاعتقادهن بأنه يصرف الشياطين المصاحبة للبروق والرعود. (والمحواش: هو عود خشبي أملس وقصير يستخدم لتحضير وجبة العصيد الشعبية في اليمن: طحين الذرة التي يتم خلطها مع جرعات مقننة من الماء الفائر، أثناء تحريكه دائرياً بالمحواش فوق نار هادئة حتى ينضج، ثم يقدم للأكل بعد إضافة اللبن أو المرق المخلوط بالبسباس المسحوق إلى الوسط، أو بإضافة العسل فقط).

وفي البيضاء، تمنع الأم أبناءها أثناء الأكل، من لعق لبَن العصيد الملتصق على “المحواش”، مشفوعات باعتقاد قديم، أن الذي يفعل ذلك “سيبيع أرضه عندما يكبر”.

وفي مناطق أخرى، عندما ينهمر المطر بغزارة مصحوباً بـ”البَرَد”، يرمي الأب فأساً أو معزقاً إلى الخارج، أمام الباب.

البعض، يثبت عموداً من الحديد، عند إحدى زوايا سطوح البيت، لتصرف خطر البروق عنهم. ليس من منطلق المعرفة العلمية بأن تلك إحدى الطرق الحديثة لمنع الصواعق، بل اعتقاداً بأن الحديد والخشب يجتذب الأرواح الشريرة ويصرفها بعيداً.

في “ريمة” و”ذمار” و”حراز” و”وصابين” ، يهرع الآباء لإغلاق نوافذ البيت عند سماع الرعود. ونسمع الأمهات وهن يحذرن أبناءهن في لحظات المطر المصحوب بالبروق، سيما إذا كانت قوية وكثيفة، من الجلوس أمام النافذة المفتوحة أو أمام الباب.

وفي رازح وصعدة، وهي عادة سائدة، تقريباً في معظم مناطق البلاد الجبلية، يرفعون الأذان عند المطر الغزير المصحوب بندف الثلج “البَرَد”، وقصف الرعود والصواعق. وأثناء المطر: ممنوع أن تفتح كتاباً أو تشرب اللبن أو حتى  ترفع الغطاء عنه. ويتفق اليمنيون: ممنوع الغناء أيضاً ساعة المطر، لأنها لحظة مكللة بالجلال والرهبة والخشوع، حيث تنتظرها أرواحهم طوال السنة.

الجِن ساعة “المغرب”

وفي عموم اليمن، يستحسن أن لا تباشر بعض أنشطتك الاعتيادية، وقت “المغرب”، وهي اللحظة الفاصلة بين نهاية النهار وحلول الليل. على سبيل المثال: لا تخرج من البيت في هذا الوقت (وقت المغرب)، ولا تكنس البيت ساعتها. كما أنه لا ينبغي الصراخ في وجه أولادك بغضب في تلك اللحظة، ويجب على البنت أن لا تذهب لجلب الماء ساعة المغرب، أيضاً. وفي هذه الساعة: يفضل أن لا يغتسل أحد ولا يتطيّب لأنها ساعة مرور “الشياطين”. وفي هذه الساعة أيضاً تطلب الأم من أبنائها التوقف عن اللعب، وتمنع الصبي من التحديق في المرآة ومن التقاط الصور. وهنا تجدهن/هم يسوقون مبررات لطيفة وهم يطلقون صيحات التحذير والزجر: “أُعذبْ الشيطان، مغرب”. أو: “ساعة مغرب” أو: “مغارب”. أو: “مغرب، الشيطان جازع”. أو: “جزعة شيطان”. وفي الحجرية يصيحون: “خيبة.. مغاريب/ مغرب”.

البقرة عند اليمنيين محل تبجيل ويطلقون عليها تسمية “أُمّ”، حيث لا يجوز امتطاء ظهرها لدى بعض المناطق، لأن الذي يركب ظهر البقرة سيصاب بالخرَس أو التقزم.

بعض الحيوانات في الوعي العام

اليمن مجتمع زراعة ورعي، ولذلك صارت بعض الحيوانات جزءًا أصيلاً من حياة الناس في الريف. بل إن البقرة والثور والحمار والديك والكلب يعتبرون جزءًا أساسياً من عائلة الفلاح اليمني.

 “آمنة يحيى” عجوز في الثمانين من عمرها، تروي قصة لها مع أبيها، وهو فلاح شهير في مناطق اليمن الوسطى، المتوفى قبل 20 عاماً. تقول آمنة:”لم يضربني أبي يوماً، إلاّ مرة واحدة عندما نشّني (خبطني) الثور بذيله على وجهي، فلعنته، فباشرني أبي بضربتين على ظهري بحبل أخضر كان في يده. فقد كان واقفاً بالجوار يطعم الثور، وقال لي محذراً بصوتٍ غاضب: “حرام لعن الثور”، فتوسلت إليه أن تكون هذه آخر مرة ألعن فيها الثور”.

 ويرتبط تبجيل الثور بتبجيل البقرة التي هي في الموروث اليمني بمثابة أُمّ، وطالما حرصت الأمهات على تلقين أولادهن بأن “البقرة أُمّ”. كما أنه لا يجوز امتطاء ظهرها لدى بعض المناطق في اليمن، لأن الذي يمتطي ظهر البقرة سيصاب بالخرَس. وفي بعض المناطق يعتقدون بأن الذي يمتطي ظهر البقرة سيصاب بـ”التقزُّم”، والبعض يخشى من عقاب أليم من الله، لكون ذلك أيضاً سوء معاملة لحيوان يتسم بالعطاء والخير.

صياح “الديك”، هو أيضاً محل اعتقاد في الموروث اليمني القديم، حيث يعتبر جالبٌ للبركة.

وفي تهامة، يجب أن تطعم الكلب قبل أن تقدم صحن الأكل للراعي. كما أن الجدي (التيس)، ذو الجلد الأسود الداكن، من التيوس النادرة التي يبحث عنها الناس، ليذبحوها فداءً على مولود، أو دفعاً لبلاء أو مرض مزمن، بحسب ما كانوا يعتقدون.

وإذا أردت أن تحصل على كلب ضارٍ، ذكي وشجاع، فعليك أن تترصد المولود البكر لكلبتك، وأن “تبتك” (تقطع) قليلاً من طرف أذني ذلك الجرو، ثم تطلق عليه اسم: حِلتِيتْ أو كبريت، مثلاً.

خطوة العروس ليلة الدُخلة

من العادات والتقاليد اليمنية الجميلة، تلك المتعلقة بوصول العروس إلى بيت العريس، حيث يضعون في مدينة صنعاء، “جنبية” (الخنجر التقليدي اليمني)، خلف أو أمام عتبة باب الغرفة لتخطو العروس من فوقه، خطوة واسعة. وفي المناطق الوسطى يمددون “كبشاً” عند الباب الخارجي ليخطو العروس والعريس معاً من فوقه، وفي مناطق خولان ومأرب وحضرموت يضعون سيفاً أو بندقية في طريق العريسين، أو شالاً على الأقل. لذلك، فإن على العريسين أن يمدا خطوتيهما تلك بالتزامن وبنفس المسافة، حتى لا تكون خطوة أحدهما أقصر من الآخر، لأن العروس ذات الخطوة الأوسع من خطوة العريس ستكون كلمتها أمضى عليه.

وفي مناطق أخرى من اليمن، تكسر أم  العريس بيضة في طريق العروس، ثم تقوم إحدى النساء بغسل أقدام العريسين، لحظة الوصول، في طستٍ واحد بماء الورد عندما يجلسان على السرير، وسط أجواء من الزغاريد والفرح العارم.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English