هجرات اليمنيين الصامتة

كيف أنقذ 2000 عاملٍ يمنيٍّ مصانعَ سيارات "فورد" من الإفلاس؟
علي الضبيبي
June 1, 2020

هجرات اليمنيين الصامتة

كيف أنقذ 2000 عاملٍ يمنيٍّ مصانعَ سيارات "فورد" من الإفلاس؟
علي الضبيبي
June 1, 2020
بحارة يمنيون في ديترويت- مصدر الصورة- موقع راديو ميتشغان

في أواخر عشرينيات القرن العشرين، كان هائل سعيد أنعم يعمل بَحّاراً، قبل أن يصبح تاجراً ذائع الشهرة، بعد ربع قرن. بدأ مؤسس الإمبراطورية التجارية الأكبر في اليمن أولى خطواته بَحّاراً بين مارسيليا والصومال.

وبموازاة الزمن نفسه، مطلع الثلاثينيات، كان ألفا عاملٍ يمنيٍّ يعبرون البِحار باتجاه الشمال الأمريكي، لإنقاذ مصانع “هنري فورد” العملاقة من الإفلاس.

تعرضتْ مصانعُ السيارات الأمريكية العملاقة للخطر، عندما نفّذ عمالٌ أمريكيون (من ذوي الأصول الأوروبية المُسيَّسة) إضراباتٍ داخل مصانع سيارات “فورد” الشهيرة، فانخفضت مبيعاتُها بشكلٍ حادٍّ، في ظل زيادة حِدة المنافسين لها. ومع تزايد احتجاجات الحركة العمالية في ديترويت (عاصمة ولاية ميتشغن) وضاحيتها “ديربورن”، اضطر هنري فورد، أن يغلق بعضاً من مصانعه الضخمة، وأن يخفّض رواتب بعض العّمال. وبالعكس، لم تحُد تلك الإجراءات من تفاقم الأزمة وتعاظمها.

كان كبارُ المصنّعين في الولايات المتحدة يواجهون تحدياً حقيقياً في كل مصانع ومؤسسات الإنتاج والعمل الأمريكية، وتعرضت الرأسمالية، يومها، لما بات يعرف بـ”الكساد العظيم”.

عمالٌ بمواصفات “فورد”

وصلت الاحتجاجات ذروتها، عندما هاجمَ حشدٌ من العمال الغاضبين أحد أكبر مصانع “فورد” في مدينة “ديربورن”، وتمكنوا من اختراق السياج؛ الأمر الذي استوجب تدخل الشرطة التي هرعت مستخدمةً الأسلحة لتفريق الناس. طلب هنري فورد، لحظتها، من كبار مستشاريه البحث فوراً عن عمالٍ بصفاتٍ وخصائصَ وسيكولوجياتٍ مختلفةٍ. وأسمعهم رؤيته الجديدة: نظاماً جديداً لإعادة تشكيل القوة العاملة وسياسات جديدة في ضبط العمل وإدارته، وفكراً وسيكولوجيةً جديدةً؛ وهو ما علّق عليه ديفيد هارفي في كتابه “عالَمُ مابعد الحداثة”: “نوعاً جديداً من المجتمع العقلاني والديمقراطي والحداثي والشعبوي”.

ووفقاً لرواية مغتربين يمنيين في ولاية ميتشغن، فقد طلب فورد، أيضاً، من معاونيه “البحث عن أكثر شعوب الأرض تحملاً لمشاقّ العمل؛ عمّال لم يتعرفوا بعد على فكرة العمل النقابي والإضرابات”. وبعد أيام، تناول فورد من مستشاريه تقريراً مفصلاً ينصحونه فيه بعمالٍ من اليمن، تنطبق عليهم مواصفاتُ واشتراطاتُ رئيس مجلس الإدارة (فورد)، ومن لبنان أيضاً. وبالفعل، من يذهب إلى ميتشغن، يجد أن الجاليتين اليمنية واللبنانية هما الأقدم والأكثر عدداً، بين جميع المهاجرين في الولاية.

التقى فورد، ذات مرةٍ، بحاراً يمنياً يعمل في الميناء، وأخبره عن وظائف مصنع السيارات التي تدفع خمسة دولارات في اليوم. ومن ساعتها، نشر البحار الكلمة؛ مما أدى إلى سلسلة هجرات من اليمن وأجزاءٍ أخرى من الشرق الأوسط

وبحسب الرواية المتداولة في أوساط اليمنيين في أمريكا، فإن عاملاً يمنياً “مخْلصاً “كان يعمل مع “فورد”، أشار عليه يومها باستجلاب عَمالة يمنية. وهذه المروية تكتسب قيمتها، عندما نجدها متطابقةً مع توصية فريق الخبراء، الذين نصحوا هنري فورد باستقدام عمالٍ من الشرق الأوسط، وتحديداً من اليمن أو لبنان. وعلى الفور، أحال الرجل هذه التوصيةَ للتنفيذ. وعبر ميناء عدن، أبحرت إحدى السفن الكبيرة، وعلى متنها 2000 عاملٍ من اليمن، باتجاه ولاية ميتشغن، عاصمة صناعة السيارات الأمريكية، لهذه المهمة التاريخية.

“راديو ميتشغن” تناول هذه القصة في مقال بعنوان “التاريخ غير المحكي للبحارة اليمنيين في البحيرات العظمى”؛ ولكن بشكل لا يخلو من تعالي المجتمعات الصناعية الثرية.

أورد موقع راديو ميتشغن على الانترنت، كيف أن “أسطورة هنري فورد تسببت في إثارة الحماسة، عندما التقى فورد، ذات مرةٍ، بحاراً يمنياً يعمل في الميناء، وأخبره عن وظائف مصنع السيارات التي تدفع خمسة دولارات في اليوم. ومن ساعتها، نشر البحار الكلمة؛ مما أدى إلى سلسلة هجرات من اليمن وأجزاءٍ أخرى من الشرق الأوسط”.

كما نشر موقع “تاريخ ميتشغن” أن فورد طلب من بحّارٍ يمنيٍّ أن ينشر إعلاناً عن وظائفَ في مصانع السيارات، ثم إن هذا البحار جَلَب على سفينته هذا العدد من العمال اليمنيين. (إذن، هل كان القبطان يمنياً -قبطان السفينة التي أبحرت من عدن بالعمال اليمنيين مطلع الثلاثينات؟ ربما. هكذا تقول الرواية الأمريكية!).

تدعم هاتان الروايتان صدق حيثيات الرواية اليمنية، التي سجلناها من ألسنة عمالٍ يمنيين مغتربين في أمريكا؛ رغم أن رواية “راديو ميتشغن” تجتزئ القصة من سياقها الموضوعي، وكأنْ لا علاقةَ لهذا العدد الكبير من العمال بالأزمة الرأسمالية والإضرابات التي شلّت حركة العمل في مصانع السيارات الأمريكية. والحقيقة الثابتة هي ما سمعتُها أنا، كاتب هذا التقرير، في ولاية ميتشغن، عند زيارتي للولايات الأمريكية، عام 2013؛ حيث سمعت هذه التفاصيل ترويها، بتطابقٍ، ألسنةُ أحفاد ذلك الجيل العظيم: الجيل الأول من المهاجرين اليمنيين إلى أمريكا.

يومها (مطلع الثلاثينيات)، اتهمت الصحافة الأمريكية فورد باستخدام سياسةٍ عنصريةٍ ضد اليهود، الذين اتهمهم بإثارة الاحتجاجات وتحريض العمّال من ذوي البشرة البيضاء على الإضرابات في مصانعه. واتُّهم فورد أيضاً بالعنصرية ضد “السود”، مواطني مدينة ديترويت، عندما كان يرفض قبولهم للعمل في مصانعه. ولم تتأخر طويلاً أنباءُ السفينة القادمة من عدن. وعندما وصلتْ، وشاهد فورد وجوهَ وعيونَ العمال اليمنيين، القادمين لتوهم من عدن، تَبْرق حماساً وبراءةً، قال مبتسماً:”وداعاً للإضراب”. لقد وجد ضالّته بالفعل.

يقال إن فورد كان صديقاً لأدولف هتلر، زعيم الظاهرة النازية في ألمانيا (حزب العمال القومي الاشتراكي الألماني)، وإنه وفّر له الدعم المالي، وإن أموال شركات صناعة السيارات الأمريكية أيضاً هي التي موّلتْ هتلر للوصول إلى السلطة. وقد لاحظَت الصحفية الأمريكية آنيت إنتون، عندما ابتعثتْها صحيفة ديترويت نيوز إلى ألمانيا لإجراء مقابلة مع أدولف هتلر، أواخر العشرينيات، لاحظت وجود صورة لهنري فورد على طاولة الزعيم النازي، الذي لم يجد حرجاً في الإعلان: “أنا اعتبر هنري فورد شخصيةً ملهمةً لي”.

من المعلوم، تاريخياً، الكره الشديد الذي كان يكنّه هنري فورد تجاه اليهود؛ حيث ألّف كتاباً في العشرينيات بعنوان “اليهودي العالمي”، انتقد فيه طبائع اليهود والتصرفات التي يقومون بها. ونقلتْ تقاريرُ صحفيةٌ عدةٌ كيف حرّكتْ مضامينُ هذا الكتاب “الدوافع الشريرة لهتلر” تجاه اليهود في ألمانيا. وقد أثار ذلك الكتاب ضجةً واسعةً في أمريكا وأوروبا، واتهمت الصحافة الأمريكية فورد بأنه متعاطفٌ مع النازيين؛ وهو ما كان وظل فورد ينكره ويرفضه بشدةٍ طوال حياته! وقد أورد مترجم كتاب “اليهودي العالمي” كيف أنه (الكتاب) أثار ضجةً كبيرةً، ثم صودر وأُحرِقتْ نُسَخُه، واختفى من الأسواق. ونقل المترجم، عن أقارب فورد، أنه دائماً كان يرفض الاعتذار عن هذا الكتاب؛ ولكن، وبسبب الضغوط عليه، فقد سمح لأحد معاونيه أن يعتذر نيابةً عنه، بل ويزور توقيعه على الاعتذار.

قصة الكتاب بدأت كمقالاتٍ، طوال العشرينيات، كان يكتبها فورد لصحيفة ديربورن التي يملكها، ويقال أيضاً أن كتاباً آخرين كانوا يكتبونها بتكليف من فورد نفسه، بدون أسمائهم. ثم جُمعت هذه المقالات لاحقاً في كتاب بعنوان “اليهودي العالمي”؛ الأمر الذي تسبب وأثار ردود فعلٍ وسخطاً لدى جماعاتٍ يهوديةٍ في أنحاء العالم، ولدى فئاتٍ واسعةٍ داخل المجتمع الأمريكي، الذين اتهموا فورد بمعاداة السامية. ثم قادت ردود الفعل تلك ومهّدت لموجاتٍ متتابعةٍ من الاحتجاجات العمالية داخل مصانع فورد، بتحريضٍ وإيعازٍ من اليهود. كل تلك الأحداث قادت، وترافقت بشكلٍ أو بآخر مع سياقاتٍ تاريخيةٍ واقتصاديةٍ وثقافيةٍ، إلى مرحلة “الكساد العظيم”، وصولاً إلى استقدام عمال من اليمن “بدائيين” لإنقاذ المصانع الكبرى.

وفّر هنري فورد، في ضاحية ديربورن، مساكنَ لائقةً لليمنيين، وخصّص لهم نوادي، وبنى في المكان مسجداً كبيراً.

عمال يمنيون في مصانع فورد
كانت روح الحماس الجديدة هي السر وراء افتتان هنري فورد بالعمال اليمنيين، الذين أشار إليهم في مذكراته، باعتبارهم واحداً من أعظم مرتكزات إنجازاته الرئيسية.

عندما قال عمال اليمن لفورد: “أبشر”

لابد أن فورد تحدّث إلى اليمنيين، القادمين لتوهم من بلاد بعيدة، قائلاً: “الحماس أساس التقدم.. الحماس أساس التقدم”؛ وهي واحدةٌ من عبارات هنري فورد الشهيرة، التي حفظها أولاده وأحفاده من بعده كـ”وصية”.

عاش هنري فورد، مطلع الثلاثينيات، وهو كبير المصنعين الأمريكيين، أياماً صعبة. وعندما تحدث إلى عماله الجدد، شدّد عليهم بضرورة نقل سيارة “فورد” إلى آفاقٍ جديدةٍ، وسحْقِ كل منافسيه. كانت مبيعات سيارة “فورد” تراجعت عن موقع الصدارة المعتاد إلى الوراء، أمام منافسيه، خصوصاً أمام”جنرال موتورز”، بسبب إضرابات العمال.

كان فورد يشعر بمرارة التراجع، وخاطب العمال الجدد، مطلِقاً عبارة التحدي الشهيرة: “أريد أن أرى وجهه لحظة الخسارة”؛ يقصد وجه أحد خصومه المنافسين.

يقول أحد اليمنيين، على سبيل الفخر بأمجاد أجداده اليمنيين ومآثرهم في ميتشغن، إن فورد كان في ضائقةٍ شديدةٍ، عندما كان يتحدث إلى الفوج الأول من اليمنيين بألمٍ، كما سمع من قدامى العمال. وكان اليمنيون يتعاطفون معه، وربما ردوا عليه بحماسٍ قويٍّ، وتلك طبيعة اليمني: “ابشر.. شُدّ حزامَك”.

هذا الحماس المتبادل، بين فورد وموظفيه، لم يسبق وأن صادفه أو رآه من قبل. ولذلك، ومن لحظتها، تعاظم لديه الشعور بالأمل. وكانت هذه الروح الجديدة هي السر وراء افتتان هنري فورد بالعمال اليمنيين، الذين أشار إليهم في مذكراته، باعتبارهم واحداً من أعظم مرتكزات إنجازاته الرئيسية.

وعلى هذا، ظلت مصانع “فورد” تستقدم دُفعاً جديدةً من اليمنيين إلى اليوم؛ حيث بلغ عدد اليمنيين المقيمين في ولاية ميتشغن حوالي 7000 نسمة، 78% منهم حصلوا على الجنسية الأمريكية. ومن يدخل متحف “فورد”، في مدينة ديربورن، ويشاهد صور العمال اليمنيين، وهم يعملون بمنتهى النشاط، يتأكد له مدى تمّيز هذا الإنسان ووفائه، وقدرته على إتقان أصعب المهارات.

 ومنذ تلك اللحظة تعامل فورد مع عماله بوجهٍ مختلف. وكان يقول لمساعديه ما بات يُعتبر إحدى قواعد العمل الصحيحة في الصناعات الكبرى: “إذا طلبتَ من شخصٍ ما إعطاءَ وقته وطاقته من أجل القضية، فتأكد أولاً من أنه لا يواجه صعوباتٍ ماليةً”.

وبالفعل، كان هذا النوع من العمال هم مبتغاه وضالّته المنشودة. و”حين بدأ هنري فورد بتقديم دولاراته الخمسة، مقابل ثمان ساعات عملٍ، كأجرٍ ثابتٍ للعامل في نظامٍ آليٍّ لتجميع السيارات”، كما يقول ديفيد هارفي، ساهم في إنقاذ الرأسمالية، بالقدر المتساوي نفسه لأفكار وإصلاحات عالم الاقتصاد البريطاني جون ماينارد كينز.

عصرٌ جديدٌ من الصناعة

 دشّن فورد، بهؤلاء العمال، عصراً جديداً في عالم صناعة السيارات. وطبّق، بواسطتهم، أحد أكبر إنجازاته العظيمة، وهي: إنشاء طريقة “التصنيع بالتجميع”. تتمثل هذه الطريقة في “عمل مسارات للتصنيع، الهدف منها تجميع هيكل السيارة خطوةً خطوة؛ بحيث إن العامل الواحد يبقى في مكانه ويقوم بعمل شيءٍ واحدٍ طوال الوقت. وبهذه الطريقة، أصبح العمل أسرعَ، والإنتاجُ أكثرَ غزارةً”. وتحولتْ هذه النظرية العملية إلى طريقةٍ عامةٍ في جميع مصانع السيارات في العالم؛ وهو ما أصبح يُعرف عالمياً بـ”السيارة في حالة فورد”.

تدرَّب العمالُ اليمنيون على العمل، وأتقنوا مهارات التصنيع في زمنٍ قياسيٍّ جعلهم يخوضون ميدان المنافسة مع آخرين كانوا يعملون في الفترة المسائية؛ بينما فضّل اليمنيون العمل صباحاً، وتفّوقوا عليهم. كل هذه الإنجازات دفعت فورد إلى شراء عشرات الكيلومترات من الأراضي الواسعة حول مصانعه، في ديربورن، ثم قام بتمليكها للعمال. ومن يذهبْ إلى مدينة ديربورن، يندهشْ كيف أن مئات اليمنيون يملكون بيوتاً فارهةً في قلب هذه المدينة المتميزة.

تعتبر السيارة “فورد” مصْدرَ فخر الدولة الأمريكية؛ لذلك، حازت شركة فورد، دون غيرها، امتيازَ صناعة سيارات الرؤساء الأمريكيين. وعندما يغادر أي رئيسٍ فترة رئاسته في البيت الأبيض، يقوم بتسليم سيارته رسمياً لمتحف “هنري فورد” في مدينة ديربورن، ثم يتسلم الرئيس الجديد سيارةً جديدةً، ربما تم تشكيلها بأيادٍ يمنية.

لم يقتصر عمل اليمنيين في بريطانيا على صناعات الحديد والصلب؛ ولكن أيضاً عمل بعضهم كـ”بحّارةٍ” ماهرين أكْفَاء، اضطرتْ بريطانيا إلى الاستعانة بهم في معاركها البحرية ضد الألمان، في الحرب العالمية الثانية

اليمنيون يفرشون أول “إسفلت”

قيل إن أول “إسفلت”، في مدينة ديربورن، فرَشَه عمّالٌ يمنيون. ووفقاً لأكثر من روايةٍ متطابقةٍ سمعتُها من يمنيين هناك، فإن هذا الطريق يمتد من مصنع “فورد”، إلى منزله القديم (منزل العائلة). وفي متحفه الواسع، تَظهر صورُ العمال اليمنيين، وبأيديهم أدوات العمل التقليدية (الكريكات والمجارف)، وهم يفرشون طبقة “الإسفلت” الحار. وعندما تشاهد الصور، تتبادر إلى الذهن “مَهاجل” الشغل الجماعي في اليمن:”هَلَا بالواردية.. وارد الماء واردية”. وأيضاً، كيف أن اليمنيين ربما كانوا يدوسون الإسفلت بأقدامهم، على الطريقة التي كانوا يدوسون بها الطين قبل رميه على شكل كرات لبناء أسطحَ بيوتهم في اليمن.

مات فورد، ومات الجيل الأول من اليمنيين الذين عاصروه، ومات أغلبُ عمال الجيل الثاني، ومن بقي منهم هم القليل؛ ولكنْ في سن التقاعد. أما الجيل الثالث، فلا يزال في جوهر العملية الصناعية، ليس فقط في معظم مصانع ومكاتب شركة “فورد” العملاقة حول العالم؛ ولكنْ أيضاً متواجدون في كل شركات صناعة السيارات داخل أمريكا وغيرها. واللافت أن شهادات التقدير من الأب المؤسس هنري فورد، الذي يُطلِق عليه الأمريكيون أبا السيارة الأمريكية، لا تزال معلقةً داخل بيوت اليمنيين هناك، في مدن ولاية ميتشغن: ديربورن وديترويت وهامتراميك.

وفي بريطانيا.. اليمنيون في مصانع الحديد والصلب

لم يتواجد العمال اليمنيون في تأريخ بدايات الصناعة الأمريكية فقط؛ ولكن يقول التاريخ أيضاً إن أول دفعةٍ من اليمنيين وصلت إلى المملكة المتحدة (بريطانيا) في زمن الملكة فيكتوريا. وتاريخ العمال اليمنيين هناك يرويه تاريخُ الحديد والصلب، وأحواض أفران كتل الحديد المنصهر، والسفن في أعالي البحار.

كانت الدُّفع الأولى من اليمنيين إلى بريطانيا يعملون بَحّارةً، ثم عملوا لاحقاً في مصانع مدن الوسط والشمال البريطاني الغنية، داخل مصانع الحديد والصلب؛ حيث ازدهر بفعل سواعدهم هذا النوع من الصناعة شديدة المخاطر. ويحكي تاريخ صناعة الحديد في بريطانيا قصصاً للعمال اليمنيين، وكيف تعاملوا مع الحديد وكيف شكّلوه وتعاملوا مع أفران الصهر فائقة الحرارة. كانوا يعملون بمنتهى الشجاعة والمخاطرة، لدرجة أن فقدَ العديدُ منهم نفسَه وذاب داخل أفران الحديد، بفعل خطأٍ بسيطٍ ارتكبه؛ وهي أعمالٌ كان العمال الإنجليز، مطلع العشرينيات، يرفضون العمل فيها، بسبب خطرها ومشقتها.

عمّال اليمن في الحرب العالمية الثانية

كما لم يقتصر عمل اليمنيين في بريطانيا على صناعات الحديد والصلب؛ ولكن أيضاً عمل بعضهم كـ”بحّارةٍ” ماهرين أكْفَاء، اضطرتْ بريطانيا إلى الاستعانة بهم في معاركها البحرية ضد الألمان، في الحرب العالمية الثانية. وفي مدينة ليفربول، يحتفظ تاريخُ البحرية الملكية بمئات الأسماء من الأبطال اليمنيين، الذين شاركوا ببسالةٍ منقطعةِ النظير في “معركة الأطلسي” البحرية الشهيرة، ضد قائد سلاح الغواصات الألماني الشهير كارل دونيتز؛ وهي المعركة البحرية التي تعدّ أطولَ وأكبر وأصعب المعارك البحرية في التاريخ، حيث ضحى البريطانيون بعشرات الآلاف من جنودهم فيها.

على امتداد قائمة النَّصْب التذكاري لشهداء معركة الأطلسي في ليفربول، وهم بالآلاف، تبرز مئاتُ الأسماء من اليمنيين ضمن هذه الملحمة الجبارة. فلقد قال رئيس الوزراء البريطاني، ونستون تشرشل، إن كل ما كان يخشاه في معارك الحرب العالمية الثانية هو: “أن تخسر بريطانيا معركة الأطلسي”.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English