"الثور" و"العارة" في الحكمة الشعبية في اليمن

أمثال بلهجة ذات خصائص صوتية لم تدون من قبل
عبده منصور المحمودي
November 13, 2020

"الثور" و"العارة" في الحكمة الشعبية في اليمن

أمثال بلهجة ذات خصائص صوتية لم تدون من قبل
عبده منصور المحمودي
November 13, 2020
© محمد المخلافي - خيوط

  حينما أدرك مسعد، أنّ ابنَ جاره الذي استعان به لتغطية غيابه قد أغلق المحل أكثر من مرة، لم يجد للتعليق على الموقف تعبيرًا يضاهي المثل الشعبي: "الثورْ أعَّارةْ ما قِخَرّجشْ أَوَّبَلْ!!". وحينما ظهر على نظراته إعجابٌ بحيويةِ العمل في محلٍّ قُبالته يعمل فيه ابنُ صاحب المحل ذاته، لم يجد مُحَدِّثُهُ -الذي لاحظ عليه نظراته تلك- تعقيبًا مناسبًا يستوعب فكرتَهُ سوى استحضارهِ مثلًا شعبيًّا آخر: "لَـ انْتَ تشتي تِثَوِّرْ بَقِّرْ".


  • "الثورْ أَعَّارَةْ ما قِخَرِّجْشْ أَوَّبَلْ":

    يتردد هذه المثل بهذه الميزات الصوتية المُجَسِّدَةِ سماتٍ من خصائص واحدٍ من مستويات المحكية، وهو المستوى السائد في محكية المديريتين المتجاورتين: "ماوية" التابعة لمحافظة تعز، و"الحُشاء" التابعة لمحافظة الضالع، والسائد بنسبٍ متفاوتة في أجزاءٍ من مديرياتٍ على تماسٍ متداخلٍ مع هاتين المديريتين: كما في أجزاءٍ من مديرية "خَدِيْر" التابعة لمحافظة تعز، وأجزاء من مديرية "السَّبْرَة" التابعة لمحافظة إب، ومثلها مناطق من مديرية "الأزارق" التابعة لمحافظة الضالع.

    الميزات الصوتية التي اتسم بها هذا المثل متسِقةٌ مع خصائص مستوى المحكية في جغرافيةِ تداوله الشفاهي تلك؛ حيث كان فيه الوقف بــ(السكون) على آخر الكلمات مطردًا، مغايرًا بذلك الناموس الصوتي الفصيح القائم على ظهور الحركات الإعرابية في أواخر الكلمات: فكان الصوت الأخير من كل كلمةٍ من كلمات هذا المثل ساكنًا: (الراء) من "الثورْ"، و(التاء المربوطة) من "العارةْ"، و(الشين) من "قِخَرِّجْشْ"، و(اللام) من "أوَّبَلْ".

   كما تجلت بعضُ تلك الخصائص الصوتية في حذف صوت (اللام) من (أل التعريف القمرية)، في اللفظين: (أعّارة/العارة)، و(أَوّبلْ/الوبل)، مع ملاحظة أن نسق المستوى المحكي بعد حذف (لام التعريف) اقتضى الانتقالَ بصوتِ (همزة الوصل) في (أل التعريف) من صفتها (همزة وصل) إلى صفتها (همزة قطع)، ولكلٍّ من همزتي: (الوصل/ والقطع) مواضعهما في الفصحى، وهمزة (أل التعريف) منتظمةٌ في مواضع (همزة الوصل) لا في مواضع (همزة القطع) التي انتظمتْ فيها (همزة أل التعريف) بعد أن سرى عليها هذا النظام الصوتي الذي يقومُ عليه المستوى اللغوي لهذه المحكية من اللهجات اليمنية.

    ومما يظهر في هذا المثل من تلك الخصائص الصوتية، الميزات التي اتسم بها الفعل (قِخَرِّجْشْ)، الذي يقابله في الفصحى الفعل (يُخْرِجُ): فنجد أن هذا الفعل في المحكية قد استبدل صوت (ياء المضارعة)، بصوت (القاف) مع استبداله حركته (الضمة) في الفصحى بحركة (الكسرة) في طريقة النطق باللهجة. وحلّ فيه فتحُ صوت (الخاء) محل تسكينه، كما حلّ تضعيفُ صوت (الراء) محل تخفيفه. وزاد على الفصحى بصوت (الشين) الذي انتهى به، مع تحويرٍ لحركة (الضمة) في صوت (الجيم) إلى (السكون). وآخر سمةٍ صوتية في هذا الفعل تظهر في كيفية النطق بصوت (الجيم)؛ والتي جاءت على صيغة (الجيم القاهرية)، وهي (جيمٌ) غير مُعَطّشة، مغايرةٌ بذلك خاصية تعطيشها في الفصحى.

    "الوَبل"، نوعٌ من الحشائش الضارة التي تمتد جذورها في التربة متشابكةً مع جذور الزرع فتعيق نموه. ومعنى المثل على ضوء هذه الدلالة: أن الثور المستعار ليس باستطاعته اقتلاع "الوَبَل" من جذوره الضاربة في التراب.

© محمد المخلافي

   يُعَدُّ الثور مكونًا مهمًّا من مكونات حياة الإنسان في الريف اليمني؛ كون الزراعة مهنته الرئيسة، و(الثور) كائنه المخلص في حراثةِ مزارعه. لكن ليس كلُّ مزارعٍ قادرًا على امتلاك (ثور)، فهناك من لا تسمح له إمكانياته بذلك، لا سيما في الأزمنة التي سبقت ظهور "التراكتور" (الحرّاثة)؛ فيكون ملاذه الاستعانة بثورِ جاره أو ثورِ مزارعٍ آخر، وفقًا لضمنيةٍ عُرفيةٍ تكافليةٍ فيما بين المزارعين، امتدادًا لحضورها بين أفراد المجتمع الريفي بوجهٍ عام، اعتادوا التعبير عنها بوصفها نوعًا من الاستعارة ويسمونها بــ"العَارةْ"، ولفظ "العارة" لا يقتصر على استعارة الثور للفلاحة، بل يشمل كل ما يُستعار من احتياجات الحياة، وقد جاءتْ صيغتُها المحكية تحويرًا لصيغتها الفصحى (العارية).

     يُقَدِّمُ هذا المثلُ (الثورَ المستعار) من خلال أهم سمةٍ فيه، وهي أن الحراثة التي يُسْتعان به عليها تفتقر للإنجاز المتقن، وأبرز تجليات الاتقان هو اقتلاع (الوَبَل) من جذوره ذات الخاصية التشابكية والقوة النسيجية والتجذر الضارب في أعماقٍ من الأرض الزراعية المعيق لنمو الزرع. وبذلك فلا يحقق هذا المستوى من الإتقان إلا منْ يمتلك ثورًا خاصًّا به، لا المستعير ثورَ غيره، خاصة إذا ما عرفنا أن من يقوم بالحراثة على الثور "العارة" هو مالكه وليس مالك المزرعة.

    يتجاوز المثل حقله الدلالي، فيتردد في مواقف كثيرةٍ؛ لحيويته الحِكَمِيَّةِ في التحفيز على امتلاك الشخص للأشياء والأدوات المرتبطة بأنشطته وأعماله، فيصبح كلُّ شيءٍ مستعارٍ ميدانًا لهذه الدلالة الحكمية.

    ولا يقف التنامي في دلالته هذه على خاصية التحرر من سلوك الاستعارة للأشياء والأدوات، إذ تمتد حيويته لتشمل استعارةَ الإنسان للإنسانِ في إنجازِ ما يريد، فيكون مستوى الإنجاز موسومًا بالضعف، إن لم يكن الفشل هو النتيجة.

     كما تضَمَّنَ إحالةً على (المجانية) باعتبارها خاصيةً جوهريةً في الشيء المستعار، تُسْفرُ عنها الفائدة التي يجنيها المستعير مُستخدمًا أدوات غيره. وتتشعب الإحالةُ نحو نمطٍ من أنماطِ رؤيةِ الشخص المستعير في الاستعارةِ سلوكًا متذاكيًّا يستطيع من خلاله التوفير على نفسه تكلفة العمل. وفي هذا النمط تبزغ الإحالةُ موحيةً بجوهريةِ النسق الحكمي المفضي إلى العاقبة السلبية التي تداهم المستعير، سلبيةٌ تهيمن على إنجازه المبني على هذا النوع من التذاكي، فتفرغه من جودته، إن لم تكن سببًا مباشرًا في إجهاض جدواه.

     يكشف هذا المثل، بدلالاته وضمنياته الإحالية، نسقًا من أنسقة التفكير الناظم للذهنية الاجتماعية، نسقًا متبلورًا في فكرةٍ متحوصلةٍ من اشتراطات الجودة الإنجازية في أي نشاط، وامتلاك أدوات ذلك هي من أولويات تلك الاشتراطات؛ لاطراد الاحتياج إليها، فــ"إذا استعرتَ شيئًا أكثر من مرتين؛ فقمْ بشرائه"، على حد تعبير جاكسون براون.

  • "كُلْ عارَةْ مَكْتوْبْ بِهْ فضيحةْ":

   يتردد هذا المثل ـــ كالمثل السابق ـــ وفقًا للخصائص الصوتية للمستوى اللغوي ذاته في محكيته وجغرافيته، ويأتي في مقدمة هذه الخصائص الوقفُ بــ(السكون) على آخر صوتٍ من كل كلمة من كلماته: (اللام) من "كلْ"، و(التاء المربوطة) من "عارةْ"، و(الباء) من "مكتوبْ"، و(الهاء) من "بِهْ"، و(التاء المربوطة) من "فضيحةْ".

   ويعني المثل: أن كل شيءٍ مستعارٍ قَدَرُه أن يلحقه أذى. وقد تضمن تتويجًا حِكَمِيًّا وتبريريًّا للسياق الحِكَمي في المثل السابق وفي محوريته ذاتها الدائرة حول "العارةْ" وتداعياتها. فما تستعيره ـــ وبعفويةٍ غير محسوبةٍ ـــ لن يسلم من أذىً يلحق به، بل قد يصل الأذى إلى إعطاب الشيء المستعار. 

    ويلوح في الفضاء الدلالي لهذا المثل تراكمٌ للتجربة الاجتماعية مع هذا السلوك ومع الأذى الذي يلحق بــ (العارة/ المستعار)، ومن هذا التراكم تشَكَّلَ ما يشبه ناموسًا مقترِبًا من الثبات، فأصبح قَدَرُ كل شيءٍ مستعارٍ أن يلحقه أذى بمجرد استعارته، وهو ما تكتنز به دلالةُ اللفظ "مكتوب" في المحكية المتداولة.

    ويبلغ النسق الحكمي ذروته تحفيزًا على التخلي عن الاعتياد الاستعاري، والتوجه إلى امتلاك الشخص لاحتياجاته؛ درءًا لما يمكن أن يترتب على ذلك من أذىً فيما يستعيره. وقد هيمن هذا المعنى، فلم يستطع استيعابَه إلا اللفظُ "فضيحة"، المنتمي معجميًّا إلى حقلٍ أخلاقيٍّ قيميٍّ؛ تعبيرًا عمّا يطرأ على حقله من سلوكٍ ناشزٍ ممجوج. وإلى هذا المستوى من التوصيف وصلت الذهنيةُ الاجتماعية في تعاطيها مع فكرة الاتكالية على الآخر، كما وصلت بذلك إلى استثارةٍ ضمنيةٍ لقدرات الذات وما في مستطاعها إتقان إنجازه.

  • "لَـ انْتَ تِشْتيْ تْثَوِّرْ بَقِّرْ":

   خصائص المحكية في جغرافيةِ التداولِ لهذا المثل ـــ كما سبقت الإشارة إليها ـــ تظهرُ في: حذف صوت (الألف) من الأداة (لا) المتضمنة معنى الشرطية (إذا). كما تظهرُ في الانتقال بصوت (الهمزة) في الضمير المنفصل المخاطب (أنت)، من خاصية الهمزة فيه (كهمزة قطع)، إلى خاصيةٍ أخرى أصبحت فيها (همزة وصل). 

    ومن خصائص المحكية تلك، جاءت خاصية الوقف بــ(السكون) في آخر صوتٍ من الكلمتين: (تْثَوِّرْ/ بَقِّرْ). 

   ومنها ما ظهر في التحوير الحاصل في الفعل (تِشْتِيْ/ تشتهي) بمعنى (تشاء)، فحلّ كسرُ (تاء المضارعة) محل فتحه. وحُذِف صوتُ (الهاء) ومعه حُذِفتْ حركةُ (الكسرة) المناسبة لصوت (الياء) ـــ آخر أصوات الفعل ـــ فاستدعى هذا الحذف مجانسةَ صوتِ (التاء) لما بعده؛ فحلّتْ حركةُ (الكسرة) فيه محل حركة (الفتحة).

   وكذلك حضرت خاصيةٌ مغايرةٌ لقاعدة الفصحى التي لا تجيز الابتداء بالسكون، حيث جاء صوت (التاء) ـــ أول صوتٍ في اللفظ "تْثَوِّرْ" ـــ ساكنًا، متخليًّا عن حركة (الضمة) الملازمة له في هيئته الفصحى في مثل هذه الصياغة التعبيرية.

    يتضمن هذا المثل تفاصيلَ حِكَمِيَّةٍ متواشجةٍ مع المَثَل الأول، مستبدلًا محوريةَ الامتلاك بمحورية الاستعارة. ومِنْ كلمة "تْثَوِّرْ"، تُستَشفُ الدلالةُ على (ثورٍ) ذي مواصفاتٍ خاصةٍ تمنحه تميزًا على غيره من بني جنسه، كالقوة والشدة والحيوية. مواصفات فاعلةٌ في إنجازٍ مُتْقَنٍ: حرثًا للأرض، واقتلاعًا لجذور "الوَبَل". وثورٌ بهذه المواصفات، يستلزم بيئةً اعتنائية خاصة تبدأ من الحظيرة، فإن شئت امتلاك مثل هذه النوعية من الثيران، فلتكن لديك حظيرة، ولتكن لديك بقرةٌ محاطةٌ باعتنائك، ومنها سيأتيك ثورُك المأمولُ بعد مراحل نموٍّ مُشْبَعةٍ باحتياجاته.

    كما يحيل المثل إلى رؤيةٍ شعبيةٍ في المسار السليم الذي يمكن من خلاله الوصول إلى ما يضفي على العمل دقةً إنجازية، يُسْتَهلُّ هذا المسارُ بالحميمية مع كائناته، والبقرةُ هي الكائن المحوري فيه، والمُعَوّلُ عليه في تحقيق الغاية التي يحث عليها هذا المثل.

    وبما فيه من ثراءٍ حِكمي، يمتدُّ هذا المثل إلى مجالاتٍ متنوعةٍ في الحياة، متجاوزًا محيطه الحيواني إلى محيطه البشري، مترددًا في موضوعاتٍ اجتماعية، شاملًا بحكمته الإنسان؛ فلا غرابةَ أن تجد شخصًا يورده في سياقِ حديثٍ حولَ جمالِ فتاةٍ ما، فتلتقط منه ذهنياتُ المقام إحالتَهُ على جمال الأم، أو على طباعها وأخلاقها فيما لو كان الحديثُ الدائر حول ابنتها متعلقًا بقيمٍ تربويةٍ أو أخلاقية. ولا غرابةَ أن يكون مناسبًا للمقام حينما يرد على لسان المتحدث في سياقٍ متضمنٍ مقارنةً بين مستويين من حيوية العمل في اثنين من المحلات التجارية: أحدهما فيه النجاحُ ثمرةٌ لاعتماد صاحبه على ابنه عاملًا فيه. والثاني مستوى العمل فيه متدنٍ، مضمحلُ الإخلاص؛ كعاقبةٍ للاعتماد على الآخر في اتكاليةٍ متذاكيةٍ خائبة.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English