صيادون يمنيون في شباك إريتريا

الحرب تلغم مناطق الاصطياد الغربية وسفن وبوارج تسحق الشعب المرجانية
وهب الدين العواضي
April 25, 2021

صيادون يمنيون في شباك إريتريا

الحرب تلغم مناطق الاصطياد الغربية وسفن وبوارج تسحق الشعب المرجانية
وهب الدين العواضي
April 25, 2021
Photo by: Shohdi Alsofi - Khuyut

حولت الحرب المستعرة في اليمن، منذ نحو ست سنوات، البلاد إلى ساحة معارك مفتوحة، مخلفة أوضاعًا إنسانيةً ومعيشيةً صعبة، إذ يكابد الصياد اليمني بسببها كثيرًا للبقاء على قيد الحياة، متمسكًا بمصدر دخله الوحيد في بلادٍ توصف بأنها غنيةٌ بالثروةِ السمكية، وتحيط بطرفيها بحارٌ وممراتٌ مائية عالمية.

في مديريات الساحل الغربي لمدينة تعز والمديريات الجنوبية لمدينة الحديدة، في المخا وذباب والخوخة، يتعرض الصيادون اليمنيون لانتهاكات متواصلة تشمل الاحتجازات والمطاردات ومصادرة لقواربهم من قبل قوات خفر السواحل الإريترية، بعد أن فجرت الحرب وما نتج عنها من تبعات كارثية وبوارج عسكرية وألغام بحرية، والتي ساهمت في تلغيم وتفخيخ المياه اليمنية، وتدمير وجرف مناطق الاصطياد، وهجرة الأسماك، وسحق الشعب المرجانية.

يتم ذلك عند اصطيادهم في المياه اليمنية بالبحر الأحمر، بحثًا عن صيدٍ يتقاضى فيه الصياد مبلغًا زهيدًا يوفر له قوت يومه على الأكثر، وفي غالب الأحيان قد لا ينجو بنفسه أو يخسر قاربه، كما يقول الصياد كمال القبسي.

يضيف هذا الصياد لـ"خيوط" بالقول: "نتعرض للمضايقات ومطاردات من قبل قوارب خفر السواحل الإريترية بشكل مستمر"، تعرض القبسي قبل فترة وجيزة للمطاردة وفقدانه لقاربه الذي يقتات منه رزقه، بعد أن استدان مبلغًا من المال لشرائه، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يبحر به للاصطياد.

تطلق قوات خفر السواحل الإريترية دورياتها بشكل واسعٍ في المياه الإقليمية التابعة لها؛ لمطاردة قوارب الصيادين اليمنيين، وتقوم بالقبض عليهم وإيداعهم في سجونها لفترات طويلة، واحتجاز قواربهم بحجة دخولهم المياه الأريترية، يصل الأمر بهذه القوات إلى مطاردتهم، متجاوزةً المياه الإقليمية اليمنية، يتابع القبسي: "قبل فترة قصيرة أبحرنا أنا وزميلي للاصطياد بالقرب من جزيرة حنيش اليمنية، لكن مجرد أن وصلنا إلى هناك، أطلقت علينا القوات الإريترية الرصاص، ولاحقونا ونجونا بأعجوبة، وكان قارب زميلي قد تضرر كثيرًا".

واتهمت الحكومة المعترف بها دوليًّا، أكثر من مرة، السلطات الأريترية القيام باعتداءات متكررة بحق الصيادين اليمنيين في المياه اليمنية، ودعتها إلى إطلاق سراح صيادين يمنيين يتم احتجازهم أثناء ممارستهم أعمال الاصطياد في المياه اليمنية والتوقف عن الاعتداءات عليهم.

تبعات كارثية للحرب على مناطق الاصطياد والإضرار بفئة كبيرة من الصيادين اليمنيين، إلى جانب ما تسببت به سابقًا سفن اصطياد عربية، ومؤخرًا بوارج التحالف العسكرية والألغام البحرية في سحق الشُّعب المُرجانية، وتدمير مناطق الاصطياد اليمنية

لكن رغم ذلك تستمر قوات خفر السواحل الإريترية في التضييق على الصيادين اليمنيين في مناطق الاصطياد على البحر الأحمر، تضاف مثل هذه الاعتداءات إلى مجموعة من المضايقات التي تتعرض لها فئة عمالية مهمة تعمل في مجال الاصطياد على سواحل اليمن الغربية، والناتجة عن تبعات الحرب والمعارك والصراع والتوترات الدائرة في هذه المناطق الحيوية منذ أكثر من ثلاث سنوات. إذ تعرضت قوارب الاصطياد أكثر من مرة لقصف طيران التحالف "السعودية والإمارات مع تحول سواحل اليمن الغربية إلى مناطق عسكرية خطيرة تنتشر فيها البوارج العسكرية والألغام البحرية؛ الأمر الذي جعلها مناطق بالغة الخطورة لممارسة أعمال الاصطياد.

الخيار الوحيد

يُجبر الصيادون من أبناء مديريات الشريط الساحلي الغربي للبلاد من مدينتي تعز والحديدة إلى الإبحار في المياه الإقليمية القريبة من المياه الإريترية، ويخاطرون بأنفسهم وقواربهم، وهم يدركون أنهم لربما قد يقعون فريسةً لدوريات خفر السواحل؛ لأن ذلك خيارهم الوحيد، لا سيما أن الصيد مصدر رزقهم، كما يقول القبسي، ويشير إلى السبب: "من وقت لآخر نبحر بعيدًا للاصطياد في المناطق المتوفر فيها الصيد؛ نتيجة ما ألحقته الحرب من تبعات أثرت على كثير من مناطق الاصطياد المعتادة في المياه اليمنية، لذا أحيانًا، وفق حديث هذا الصياد، يصلون إلى المياه الإقليمية الإريترية التي تتمركز بالقرب منها قوات خفر السواحل الإريترية، والتي تقوم بالتالي بمنعهم من الاصطياد.

في نفس الصدد، يرى عاقل الصيادين ورئيس جمعية الزيادي التعاونية السمكية في المخا، هاشم الرفاعي، أن السبب في عدم توفر الصيد في السواحل والمياه الإقليمية اليمنية، هو حالة الجرف الذي تعرضت له "الشعب المُرجانية" التي تغذي الأسماك في تلك السواحل والمياه؛ الأمر الذي يدفع بالصيادين للصيد في المياه الإقليمية الإريترية.

الرفاعي يشير في تصريحٍ لـ"خيوط"، إلى أن سفن عربية كالمصرية وغيرها، والتي سمحت لها وزارة الثروة السمكية بالاصطياد في تلك السواحل والمياه اليمنية خلال الفترة من 2004 إلى 2011، تسببت في سحق الشُّعب المُرجانية، وممارسة الصيد في عمق البحر بطريقة ضارة وغير قانونية على الإطلاق.

في نفس السياق، تؤكد مصادر ملاحية عديدة إلى الأضرار الناتجة عن تمركز البوارج العسكرية للتحالف "السعودية والإمارات" وبوارج عسكرية دولية أخرى، إضافة إلى الألغام البحرية المنتشرة في جزء من المياه اليمنية في البحر الأحمر، ساهمت في تدمير مناطق الاصطياد وهجرة الأسماك وجرف المناطق السمكية، إلى جانب ما تسببت به من مضاعفة تدمير الشعب المرجانية في أعماق المياه اليمنية على البحر الأحمر.

قوارب مصادرة 

تواصل قوات خفر السواحل الإريترية في مطاردة الصيادين اليمنيين ومنعهم من الاصطياد في مياه البحر الأحمر الإقليمية، وتعمل على اعتقالهم وإيداعهم سجونها لفترات تزيد عن ستة أشهر، وفي حال أطلقوا سراحهم تبقى قواربهم محتجزة وتصادر تمامًا، ومنذ مطلع العام الجاري فقط، احتجزت القوات الإريترية 30 قاربًا للصيادين، بحسب الرفاعي.

ويؤكد رئيس جمعية الزيادي التعاونية السمكية في المخا، أن القوات الإريترية أطلقت، في نهاية مارس/ آذار الماضي، سراح 45 صيادًا يمنيًّا من أبناء مديرية المخا، وصادرت قواربهم إلى جانب المئات من القوارب التي صادرتها خلال السنوات الماضية، لافتًا إلى أن هناك الكثير من الصيادين لا يزالون محتجزين في السجون الإريترية.

في منتصف العام الماضي، أطلقت إريتريا سراح 113 صيادًا يمنيًّا كانت تحتجزهم في سجونها، مقابل إفراج السلطات اليمنية لنحو 7 جنود من القوات الإريترية، كانت قوات عسكرية محسوبة على الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًّا، قد اعتقلتهم أثناء دخولهم المياه الإقليمية اليمنية على متن 4 زوارق بحرية بالقرب من جزيرة حنيش ومضيق باب المندب الرابط بين البحر الأحمر وخليج عدن.

إهمال حكومي

يلقي معظم الصيادين في أحاديثهم المتفرقة المسؤولية إزاء الحال الذي وصلوا إليه، والانتهاكات التي يتعرضون لها بشكل متواصل، على الحكومة المعترف بها دوليًّا التي لم تقم بدورها كما يجب لحمايتهم وإنقاذ قطاع الثروة السمكية الذي تأثر كثيرًا خلال سنوات الحرب الدائرة في اليمن، منذ ست سنوات.

تقلصت كثيرًا المساحة المخصصة للاصطياد، وما تبقى من مساحة ضئيلة متبقية من السواحل والمياه الإقليمية المسموحة للصيد، تعوم فيها سفن بحرية عربية عملاقة تمارس فيها الصيد بدون أية تراخيص صادرة عن السلطات اليمنية المختصة، الأمر الذي قلص من حركة القوارب الصغيرة في تلك المياه

وخسرت اليمن نسبة كبيرة من العائدات السمكية؛ نتيجة تراجع الإنتاج من الأسماك في البلاد بأكثر من 60%، مقارنة بإجمالي الإنتاج قبل الحرب والذي كان يزيد عن 200 ألف طن سنويًّا.

مدير مكتب وزارة الثروة السمكية بمدينة تعز، حسن المنصوب يقول بهذا الخصوص في تصريحٍ لـ"خيوط"، إن الحكومة المعترف بها دوليًّا لم تتمكن من تنظيم عملية الصيد وقطع التراخيص للصيادين اليمنيين ليمارسوا الصيد المشروع؛ بسبب الحرب التي تمر بها البلاد.

وعلى نحوٍ مختلف، تتوافد العديد من القوارب الإريترية والصومالية إلى السواحل اليمنية، وتقوم بتسويق صيدها، في ظل استمرار سلطات تلك الدول في مطاردة الصيادين اليمنيين، وفي هذا الشأن يعتبر المنصوب أن ذلك ناتج عن إهمال السلطات الحكومية اليمنية الرسمية.

ويتابع، بأن انتهاكات الصيد البحري في البحر الأحمر والمياه الإقليمية ما زالت متواصلة؛ نظرًا لعدم العمل بالقانون البحري الدولي، بالإضافة إلى عدم قطع تراخيص خاصة لممارسة الصيد المشروع للجميع.

وتسببت عوامل عديدة في تردي قطاع الثروة السمكية في اليمن ومفاقمة معاناة الصيادين المُثقل كاهلهم، والتي لا تتوقف عند حدود ما أفرزته الحرب من تبعات وأزمات الوقود والمطاردات التي يتعرض لها الصيادون اليمنيون في مناطق الساحل الغربي للبلاد، إذ يضاف إلى ذلك -وفق مصادر ملاحية، رفضت الكشف عن هويتها، تحدثت لـ"خيوط"- ما تقوم به قوات التحالف "السعودية والإمارات"، التي تسيطر على نحو 60% من الشريط الساحلي الغربي والمياه الإقليمية للبلاد في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، في منع الصيادين من ممارسة الصيد، إضافة إلى ما تقوم به القوات العسكرية التابعة لسلطة أنصار الله (الحوثيين) من زرع ألغام بحرية وتفخيخ قوارب وزوارق مفخخة، في محاولة لاستهداف السفن الحربية للتحالف، في إطار التوترات والصراع الدائر في سواحل اليمن الغربية، بحسب المصادر الملاحية.

وفق هذه المصادر، فإن المساحة الضئيلة المتبقية من السواحل والمياه الإقليمية المسموحة للصيد، تعوم فيها سفن بحرية عربية عملاقة، تمارس فيها الصيد بدون أية تراخيص صادرة عن السلطات اليمنية المختصة، الأمر الذي قلص من حركة القوارب الصغيرة في تلك المياه.

الصيد.. أزمة تاريخية

في مطلع العام 1995، تنازعت اليمن وإريتريا على جزر أرخبيل "حنيش"، الواقعة بين سواحل البلدين، قرب مضيق باب المندب الرابط بين البحر الأحمر وخليج عدن، على خلفية قيام شركة ألمانية آنذاك ببناء فندق في المنطقة تحت إذن من السلطات اليمنية التي مدتها بقوات عسكرية كحماية، وفي المقابل اعتبرت السلطات الإريترية تلك الخطوة محاولة للسيطرة على الأرض.

وشنت في حينها القوات الإريترية هجومًا عسكريًّا على القوات اليمنية في الجزر، بعد تحذيرات الحكومة الإريترية لها بالانسحاب، ما أدى إلى سقوط ضحايا من الطرفين بين قتيلٍ وجريحٍ وأسير، واستمر ذلك النزاع ثلاثة أعوام، حتى 1998 حينما أصدرت لجنة تحكيم دولية حكمها لصالح اليمن، مؤكدةً بأن جزر أرخبيل "حنيش" تتبع اليمن، لينتهي بذلك النزاع وتعود العلاقات بين البلدين مجددًا، بحسب تقارير صحفية.

وتقع جزر أرخبيل "حنيش" في الجزء الجنوبي من البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، غرب ساحل مدينة الخوخة بمدينة الحديدة، ويتألف الأرخبيل من عدة جزر؛ أهمها حنيش الكبرى، حنيش الصغرى، وزقر، إلى جانب جزر القمة، الدراعيل، المشاجرة، المدورة الشمالية، المدورة، هايكون، كوين، الصخر، وسيول حنيش والقمتين، وتعتبر "حنيش الكبرى" أكبر جزيرة في الأرخبيل، وكانت مركز تجمع للصيادين اليمنيين.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English