بنك البنوك وسنوات التأسيس الأولى (6)

بيت للفن وتركيم للأصول!
محمد عبدالوهاب الشيباني
July 15, 2021

بنك البنوك وسنوات التأسيس الأولى (6)

بيت للفن وتركيم للأصول!
محمد عبدالوهاب الشيباني
July 15, 2021

  في الردهة الواسعة المؤدية لمكتب مدير البنك، يمكن للزائر مشاهدة لوحة تشكيلية للفنان الراحل عبدالجبار نعمان، تختلف بأسلوبها ومضمونها عن لوحاته التي ذهبت لتصوير الوجوه والطبيعة والمعمار، فهي أقرب للتجريدية والترميز. توقيعه على اللوحة كان في العام 1973، أي بعد عشر سنوات من تأسيس البنك، وبعد سنة من تشييد مبناه الحديث على أطراف ميدان التحرير. كان عبدالجبار نعمان أكثر الفنانين اليمنيين التصويرين علاقة بالمباني الحديثة في العاصمة التي تتزين بلوحاته القريبة من المزاج العام، ومنها لوحته التصويرية لليمن بعاملها وفلاحها وجنديها وطالبها وحقلها ومصنعها، والتي تتزين بها الردهة الجانبية للمدخل الجنوبي للمبنى، وتحمل اسم "لوحة وطن"، وهي تتكامل مع لوحات زيتية تعبيرية مجسمة على الجدران، تختزل مضامين رسالة البنك. 

لوحة الوطن - عبدالجبار نعمان 1973

  قال لي الصديق عبدالفتاح عبدالولي، الفنان التشكيلي والقاص المعروف، والمدير القانوني السابق للبنك، إن الراحل أحمد علي المُحنّي،  رئيس مجلس إدارة البنك اليمني للإنشاء والتعمير (في الفترة من 1990 إلى 1996)، كان ذا ميول فنّية راقية وله الكثير من اللوحات التشكيلية التي رسمها في حياته وتحاكي الطبيعة. وقد عمل على شراء الكثير من اللوحات الفنية الأصلية من الفنان عبدالجبار نعمان، ومن غيره من الفنانين المعروفين، وأمر بتعليقها في مكاتب وردهات مكاتب البنك، وصارت مع الأيام تمثل قيمة مضافة لأصول البنك، إن كان الأمر بحسابات عائدات الأصول، كما يفهم الأمر مقيّمو الحسابات في كثير من البنوك في دول العالم.

منذ فترة طويلة قرأت-في الغالب-  عن بنك مصر، أنه يمتلك عشرات اللوحات الفنية والمنحوتات لكبار الفن التشكيلي المصري ورُوّاده، وأن هذه المقتنيات صارت قيمة مضافة إلى أصول البنك، بسبب تزايد قيمتها النقدية مع توالي السنين، وإن الحفاظ على تلك المقتنيات بأساليب علمية تمنع عنها عمليات الإهلاك والعطَب، واحدة من أساليب كثيرة للحفاظ عليها كثروة مستديمة.

© لوحة من بدايات الفنان عبدالجبار نعمان
أغلب اللوحات التشكيلية في ردهات البنك اليمني للإنشاء والتعمير وغرفه وصالاته، هي للفنان عبدالجبار نعمان، وهي في محصلتها الكلية، يمكن أن تشير إلى مراحل مهمة من تجربته الفنية الثرية

  قبل أربعة أعوام (2 يوليو/ حزيران 2017) نشر الكاتب السعودي يوسف المحيميد في عموده "نزهات" في صحيفة "الجزيرة"، مقالاً عنوانه "الاستثمار في اللوحات الفنية" ومما جاء فيه: 

"وتثبت التقديرات التي أعلنها بنك الإمارات دبي الوطني، بأن سوق اللوحات الفنية في العالم يشهد نموًا مستمرًا، حيث ازدادت المبالغ المدفوعة على اللوحات من عشرة مليارات دولار قبل خمس سنوات، إلى خمسين مليار دولار، بما يعني أن العالم يتعامل مع اللوحة وفق معايير كثيرة، يدخل فيها جودة تنفيذ اللوحة وفكرتها وأسلوبها الفني المتجدد، واسم الفنان، وعمرها، وغير ذلك من العوامل التي يجب على المقتني أن يدركها، ولعل أهمها تطوير حسّه الفني تجاه اللوحة، وسعرها المعقول قياسًا بسوق اللوحات الفنية، سواء على المستوى المحلي أو الأجنبي".

 وقال أيضاً:

"قد يعتقد البعض أن هذه السوق هي مخصصة للأثرياء فقط، لكن ذلك ليس صحيحًا، فهي سوق مفتوحة مثل السوق العقاري، فليس بالضرورة شراء قطعة أرض في منطقة تجارية أو سكنية مرغوبة جدًا، ذات سعر فلكي، وإنما يمكن شراء قطعة أرض في الأطراف، لكنها في المستقبل تنمو ببطء، تماماً كشراء اللوحة الفنية، ليس بالضرورة اقتناء لوحات ذات أسعار فلكية ومبالَغ فيها، وإنما التركيز على لوحات جميلة ومتقنة، وفيها روح الفنان وجديته تجاه تجربته، لكنه فنان غير معروف على نطاق كبير، ومع الوقت- خاصة إذا كان من فئة الفنانين المخلصين- سيصعد اسمه ونجمه، ولو بعد سنوات طويلة."

  هذا التناول ترافق مع كثافة خبرية حول استثمار البنوك الخليجية في الأصول، حيث بدأت مصارف، إماراتية على وجه التحديد، اقتناء "لوحات" فنية لكبار الفنانين التشكيليين، كأصول في المَحافظ الاستثمارية. ولا شك أن مثل هذه الخطوة ستفتح الباب على مقتنيات فنية أخرى، مثل المخطوطات وغيرها، التي تمثل قيمة فنية ومادية.

  وبحسب الصحيفة، فإن قبول البنوك اقتناء لوحات كبار الفنانين، سيشكل سابقة نوعية في المنطقة العربية لتحقيق مزيد من التنوع والتطوير في الصناعة المصرفية، باعتبارها أحد الطرق الفعالة لحماية الأصول البنكية من المخاطر، وتلبي مطالب احتياجات عدد كبير من العملاء ذوي الثروات.

وجوه يمنية - عبدالجبار نعمان

  أغلب اللوحات التشكيلية في ردهات البنك اليمني للإنشاء والتعمير وغرفه وصالاته، هي للفنان عبدالجبار نعمان، وهي في محصلتها الكلية، يمكن أن تشير إلى مراحل مهمة من تجربته الفنية الثرية. وهناك لوحات متعددة لفنانين آخرين، ومنها لوحة أصلية للفنان هاشم علي عبدالله في مرحلة مبكرة من حياته، ولا تظهر في ألبوماته. وهي لوجه امرأة ريفية من تهامة استخدم فيها اللون الأصفر وتكثيفاته في تصوير التفاصيل الحادة، إلى جانب لوحات للمُحنّي وعبده الحُذيفي، وفنانين شبان لم أتمكن من تمييز توقيعاتهم المبهمة في أطراف اللوحات.

  وهنا مجموعة من صور اللوحات، التي استعنت بأحد المصورين لنسخها فوتوغرافياً، بما فيها صور فوتوغرافية للطبيعة والوجوه، لمصورين يمنيين منهم الراحل الكبير محمد عقبات.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English