بنك البنوك وسنوات التأسيس الأولى (12)

صورة البنك في كتاب "النقود والسياسة النقدية اليمنية"
محمد عبدالوهاب الشيباني
August 26, 2021

بنك البنوك وسنوات التأسيس الأولى (12)

صورة البنك في كتاب "النقود والسياسة النقدية اليمنية"
محمد عبدالوهاب الشيباني
August 26, 2021

في كتابه الرائد "النقود والسياسة النقدية في الاقتصاد اليمني الحديث"، أفرد عبدالعزيز أحمد سعيد المقطري، مساحة مهمة فيه لمقاربة أدوار البنك اليمني للإنشاء والتعمير في الحياة الاقتصادية لما بعد الثورة من زاوية الاستقلال المصرفي الواضح الذي قام به في الحياة الاقتصادية ودعم برامج التنمية خلال عشرين عامًا بين 1962 و1982.
وحسب المقطري، فإنه بقيام ثورة 26 سبتمبر 1962، وُضعت اللبنة الأولى في إنشاء الجهاز المصرفي اليمني المستقل بعد فترة طويلة من التبعية للبنوك الأجنبية العاملة في مدينة عدن ووكلائها في الداخل، وكان العنوان الأبرز في هذه الخطوة، تأسيس البنك اليمني؛ والذي تمكن، بعد وقت قصير من إنشائه، وبصورة تدريجية من إنهاء دور البنوك الأجنبية العاملة في عدن، وتحرير تجارة اليمن الخارجية من سيطرة تحكم تلك البنوك ووكلائها من الوسطاء التجار المنتمين للجاليات الأجنبية، ومن كبار التجار اليمنيين المتعاملين معها، وأمكنه، أيضًا، التعامل مع مختلف كتل ودول العالم، ولا سيما مع الدول العربية ودول المعسكر الاشتراكي، بعد أن كانت معظم تجارة اليمن، والتي تمر عبر عدن، تتم بصفة أساسية مع الدول الغربية ودول الكومنولث البريطاني على وجه الخصوص. توفرت الإمكانية للاستفادة من القروض السلعية والنقدية الخارجية، وتحرير أموال المغتربين [المهاجرين]، والتي كانت تُترك من قبل وكلاء الآخرين بشكل ودائع في البنوك الأجنبية في عدن، وبتوسّع عملياته الداخلية والخارجية أصبح منافسًا قويًّا لتلك البنوك ووكالات الصرافة الفردية ووكلاء المغتربين، وأمكنه إقامة علاقات مصرفية مع البنوك الأجنبية في أوروبا والولايات المتحدة.
فقبل ذلك -وكما أسلفنا في أكثر من موضع– لم يكن يوجد من بنوك تجارية سوى البنك الأهلي التجاري السعودي، وهو بنك سعودي تابع للقطاع الخاص، والذي تحول لاحقًا بعد تصفيته إلى البنك اليمني للإنشاء والتعمير، الذي تحدد رأس ماله وقت التأسيس في 28 أكتوبر/ تشرين أول 1962، بعشرة ملايين ريال يمني، تمتلك الحكومة 51% من راس ماله المصرَّح، والباقي 49% يمتلكه مواطنون يمنيون. وُزّع رأسمال البنك إلى مليون سهم، قيمة كل سهم عشرة ريالات.


لمّا كان البنك اليمني للإنشاء والتعمير أول بنك وطني في البلاد، فقد اعتُبر بنك الحكومة، إذ قام بمسك حسابات الحكومة والاحتفاظ بودائعها، وباستخدام القروض العامة والمساعدات لصالحها


أما بالنسبة لتنظيمه، فتولى إدارته، مجلس إدارة مكون من 11 عضوًا، تعين الحكومة من يمثلونها [ستة أعضاء]، بمن فيهم رئيس مجلس الإدارة والمدير العام، والخمسة الأعضاء الآخرين، كان يتم اختيارهم من قبل المساهمين في البنك من القطاع الخاص والأفراد، ليمثلوهم في المجلس.
وبما أنه كان البنك الوطني الوحيد في اليمن، فقد تعددت أغراضه، بحيث تشمل كافة الخدمات المصرفية العادية للقطاعين العام والخاص، إضافة إلى المساهمة في عمليات التنمية الاقتصادية، مثل مساهمته في إقامة وتمويل المشاريع الائتمانية. ومن واقع نظامه الأساسي، فقد حددت أغراضه الرئيسة في:
- القيام بجميع العمليات المصرفية، وله في سبيل ذلك مزاولة جميع أعمال البنوك التجارية من خصم وتسليف على بضائع أو مستندات أو أوراق مالية أو تجارية، وقبول الأمانات والودائع، وفتح الحسابات والاعتمادات وبيع وشراء الأوراق المالية والاشتراك في إصدارها, وغيرها من العمليات المصرفية التي تتسق مع نشاطه كبنك تجاري.
- المساهمة في أعمال التنمية الاقتصادية في الصناعة  والزراعة، وذلك بالاشتراك في إنشاء ودعم المنشآت والشركات الصناعية، وإمدادها بالمواد الخام والآلات والقروض، سواء كانت بضمان عيني أو شخصي، ولآجال قصيرة أو متوسطة أو طويلة. وفي الجانب الزراعي، إقراض المزارعين بضمان امتياز الحاصلات الزراعية، وتزويدهم بالآلات الزراعية والبذور والأسمدة.
بعد فترة قليلة من التأسيس، حقق البنك حضورًا فاعلًا في الداخل اليمني، من خلال:
تحقيق نظام الائتمانيات، أو القروض لمختلف القطاعات الاقتصادية، وبذلك يكون البنك اليمني أول مؤسسة مالية دخلت جديًّا في تحويل مختلف الأنشطة الاقتصادية في البلاد، وأصبح المواطن اليمني يجد فيه مكانًا لإيداع مدخراته عن طريق فتح حسابات جارية وودائع لأجل، وتوفير.
ولما كان البنك اليمني للإنشاء والتعمير أول بنك وطني في البلاد، فقد اعتُبر بنك الحكومة، إذ قام بمسك حسابات الحكومة والاحتفاظ بودائعها، وباستخدام القروض العامة والمساعدات لصالحها، وكذلك تمويل الإنفاق العام. وفي جانب التنمية الاقتصادية، قام بنشاطات بنوك التنمية المتخصصة، إذ عمل في الوقت نفسه كمصرف للتنمية، وفي هذا المجال تبنى وأنشأ شركات في مختلف المجالات، وذلك بالمساهمة مع الحكومة والقطاع الخاص. كما عمل البنك على تنمية وتعمير القطاع السكني، عن طريق منح القروض الشخصية للأفراد، والتي استخدمت في بناء المساكن للاستعمال الشخصي أو التأجير، وبذلك يكون قد ساهم بدرجة أساسية في حل أزمة السكن في المدن الرئيسية والثانوية، التي ترتبت على الهجرة الداخلية من الأرياف إلى المدن، بعد تحولات ثورة 26 سبتمبر/ أيلول 1962، ولم تزل مدينة البنك اليمني في منطقة سعوان -شمال شرق مدينة صنعاء- شاهدة على ذلك.
بدأ البنك نشاطه في العام 1962، بـ34 موظفًا، وهم في الغالب موظفو فروع البنك الأهلي التجاري السعودي بعد تصفيته. وبعد 20 سنة (1982) بلغ عدد الموظفين فيه 1500 موظف من ذوي المؤهلات والتخصصات المختلفة. ولرفع كفاءة كادره الخاص، عمل البنك على إنشاء مركز لتدريب موظفيه، يتبعه مباشرة، واستقدم إليه أعلى الكفاءات والخبرات من الداخل والخارج للعمل فيه.


حتى نهاية العام 1982، موَّل البنك اليمني ما يقارب 80% من معاملات الجمهورية [العربية] اليمنية مع العالم الخارجي، سواء بالنسبة للمعاملات السلعية، أي تمويل الواردات والصادرات


بدأ نشاطه في ثلاثة فروع في المدن الرئيسية (صنعاء، تعز والحديدة - كانت تتبع البنك الأهلي التجاري السعودي أيضًا)، وصار في العام 1982، يمتلك شبكة مصرفية متكاملة تغطي معظم المدن والمناطق الحيوية قوامها 24 فرعًا، كأكبر شبكة مصرفية في البلاد، وأصبحت فروعه تمثل نسبة 65% من الشبكة المصرفية التجارية، التي بلغ عدد فروعها في نهاية العام 1982، 37 فرعًا لكل البنوك التجارية العاملة في البلاد.
وخارجيًّا أسس مكتبًا في لندن في ذات الفترة، وصار لديه مئات الوكلاء والمراسلين في كلٍّ من السعودية، قطر، الإمارات، والبحرين، والكويت، وسعى جاهدًا لتحويل المكاتب والممثلين التابعين له في الدول المذكورة وغيرها إلى فروع رسمية من أجل تسهيل عمليات تحويلات المغتربين، والتعريف بالفرص الاستثمارية المتاحة في داخل البلاد، لولا أزمة السيولة الحادة التي تعرضت لها البلاد في تلك الفترة، وانحسار عائدات المغتربين وغيرها من العوامل التي سبق رصدها في الحلقة الماضية.
وعن نشاط البنك داخل الجهاز المصرفي التجاري في اليمن، خلال 20 سنة، يرد في الكتاب ذاته "النقود والسياسة النقدية في الاقتصاد اليمني الحديث":
إن ودائع البنك اليمني –الموارد غير الذاتية- بلغت في العام 1982، حوالي 71% من إجمالي ودائع البنوك التجارية ككل. ومثلت تلك الودائع متوسطًا سنويًّا حجمه 75% من إجمالي الودائع خلال الفترة من 1972- 1982، أي منذ دخول البنوك التجارية الأجنبية اليمن، وظهور أول ميزانية موحدة للبنوك التجارية في اليمن(*).
حتى نهاية العام 1982، موَّل البنك اليمني ما يقارب 80% من معاملات الجمهورية [العربية] اليمنية مع العالم الخارجي، سواء بالنسبة للمعاملات السلعية، أي تمويل الواردات والصادرات، أو العمليات غير المنظورة.
وشكلت موجوداته حتى ذلك التاريخ، الجزء الأكبر من صافي موجودات النظام المصرفي، حيث تصل في المتوسط إلى حوالي ثلثي صافي الموجودات لجميع البنوك التجارية في البلد.
__________________________________________
(*) حسب عبد العزيز المقطري، أنه حتى 1970، لم يتواجد في اليمن سوى بنكٍ تجاريٍّ واحد، وهو البنك اليمني للإنشاء والتعمير، وكان هذا البنك، الذي تساهم فيه الحكومة بـ51%، يقوم بعدد كبير من وظائف البنك المركزي لصالح الحكومة، وبدخول اليمن في عضوية صندوق النقد الدولي في 1970، لحقه إنشاء البنك المركزي اليمني وانتهاج سياسة الانفتاح الاقتصادي التي تمخض عنها دخول عدد من البنوك التجارية الأجنبية إلى اليمن لمزاولة النشاط المصرفي التجاري. ومن أبرز البنوك التجارية الأجنبية التي فتحت لها فروعًا في اليمن:
يونايتد بنك ليمتد، حبيب بنك، البنك البريطاني للشرق الأوسط، البنك العربي المحدود، بنك أندوشين والسويس، سيتي بنك، بنك الاعتماد والتجارة الدولي.

(**) عبد العزيز أحمد سعيد حيدرة المقطري، مواليد عزلة المقاطرة لواء تعز 1945؛
- بكالوريوس في العلوم الاقتصادية، وماجستير في النقد والمال؛
- عمل نائبًا للمدير العام لهيئة الرقابة على النقد 1969-1971؛
- مديرًا للرقابة على النقد في البنك المركزي 71- 1974؛
- مديرًا لإدارة التسليف 74-1976؛
- مديرًا للدراسات الاقتصادية والبحوث في الشركة اليمنية للاستثمار والتمويل 81-1984؛
- عضو مجلس إدارة البنك الصناعي اليمني 81- 1983؛
- صاحب كتاب "النقود والسياسة النقدية في الاقتصاد اليمني الحديث"، الذي يعتبر من أهم المراجع عن الجهاز المصرفي الحديث في اليمن والسياسة النقدية، منذ تشكيل هيئة النقد اليمنية 1963، حتى تشكيل البنك المركزي اليمني 1971، ونشوء البنوك التجارية في اليمن.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English