بنك البنوك وسنوات التأسيس الأولى (4)

حينما كسر احتكار بنوك المستعمرة عدن ووسطائها
محمد عبدالوهاب الشيباني
June 24, 2021

بنك البنوك وسنوات التأسيس الأولى (4)

حينما كسر احتكار بنوك المستعمرة عدن ووسطائها
محمد عبدالوهاب الشيباني
June 24, 2021

حتى قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، كانت كل المعاملات التجارية في مملكة الإمام تتم عبر وكلاء محليين؛ أشهرهم: (الخادم غالب الوجيه، وعلي حسين الوجيه، وعلي محمد الجبلي)، وهؤلاء يتعاملون بدرجة رئيسة مع بنوك أجنبية موجودة في عدن، ومرتبطة بالدورة النقدية لاقتصاديات دول الكومنولث البريطاني، وإلى جانب هذه البنوك كان يتواجد البنك الأهلي التجاري السعودي بفروعه الثلاثة المصرح لها بالعمل منذ 1956، في الحديدة وتعز وصنعاء، والذي كان يقيِّد في حساباته -وقت تصفيته بعد الثورة- قرضًا شخصيًّا على الإمام أحمد بمبلغ ثمانين ألف دولار أمريكي، حسب ما يشير إلى ذلك د. سعيد الشيباني في كتابه "البنك اليمني للإنشاء والتعمير – أربعة وثلاثون عامًا من العطاء التنموي/ ص 109"(1).

أغلب هذه البنوك بدأت بمزاولة أنشطتها في المستعمرة الإنجليزية، بعد أن صمتت مدافع المتحاربين منتصف أربعينيات القرن العشرين الماضي، كون عدن كانت قد تحوَّلت إلى واجهة تجارية ومالية متقدمة في منطقة الشرق الواعدة، تنشط فيها فروع رئيسية لبنوك معروفة، مثل: (شارترد بنك البريطاني، حبيب بنك الباكستاني، البنك البريطاني للشرق الأوسط، البنك الشرقي البريطاني، البنك العربي الأردني الفلسطيني، بنك الأندوشين والسويس(2)، البنك الأهلي الهندي، وغيرها من البنوك).

وما كانت لتصير المدينة الكوزمبوليتية كذلك إلا لحاجة المستعمر الإنجليزي لميزاتها الجغرافية، ووجودها على خط الملاحة الحيوي الرابط بين الشرق والغرب والجنوب -حسب فرانك مراميه في كتابه "مدن متنازعة– بيروت، صنعاء، عدن/ 2015"، وكانت المستفيد من هذا الوضع نخبة الحكم في جارتها المعزولة، إذ أتاحت التجارة البينية معها بواسطة الوكلاء (وكلاء الإمام بدرجة رئيسية) خلق حالة من النشاط المالي الذي يستفيد منه التجار الذين يعملون باسم الإمام وعائلته وأركان نظامه والوسطاء والبنوك، وتحوّل هذه الأطراف إلى واجهات احتكارية. لهذا كانت أهمية توقيت إنشاء البنك اليمني للإنشاء والتعمير في أكتوبر 1962:

ليتمكن من الإنهاء جزئيًّا وبصورة تدريجية لدور البنوك الأجنبية العاملة في عدن، وتحرير تجارة اليمن الخارجية من سيطرة وتحكم تلك البنوك ووكلائها من الوسطاء التجار المنتمين للجاليات الأجنبية هناك، ومن كبار التجار اليمنيين المتعاملين معها، سواء كانوا في عدن أو في مناطق الداخل اليمني (المحافظات الشمالية)، وبهذا خفف البنك من الضغط على الاقتصاد اليمني الوليد في مرحلة نشوئه الأولى.

أمكنه أيضًا التعامل مع مختلف دول العالم، بعد أن كانت معظم تجارة اليمن تمر عبر مدينة عدن، فقللت هذه الخطوة من دور تأثير البريطانيين المباشر على التجارة الخارجية، ومستتبعاتها في التأثير السياسي، عبر المؤسسات المالية الأجنبية التي يتحكمون بقراراتها، وفي ذات الوقت أخل أيضًا بشروط التجارة (الاحتكارية) من الوكلاء، التي تفرض أسعارًا مبالغ فيها للسلع الأساسية المستوردة من بلدان المنشأ. والأهم أيضًا تحرير أموال المغتربين والمهاجرين اليمنيين في أفريقيا وأوروبا، وكذا العاملين على ظهور السفن التي تجوب البحار والمحيطات، والتي كانت تُترك من قبل وكلاء المغتربين في البنوك الأجنبية، التي تنشط في المستعمرة الإنجليزية ومجاوراتها من المدن في القرن الأفريقي، على هيئة ودائع آجلة. ولأن سياسة هذه البنوك كانت تجارية صرفة، ويقتصر عملها على تمويل الأنشطة التجارية الخارجية، فلم يستفد الداخل (الوطن) من تلك الأموال المودعة، باستثمارها محليًّا في مجالات إنتاجية. وكانت مثل هذه الأعمال تتوافق أيضًا مع رغبات نظام الحكم الذي كان لا يشجع على مثل هكذا أعمال؛ لأنها ستصير مع الوقت روافع مهمة لعملية التحول في البلاد، التي أرادها أن تكون معزولة عن محيطها، ومتخلفة عن ركب الحضارة، لتسهل إدارتها بأدواته المتخلفة(3).

الشقيقان أحمد وعلي حسين الوجيه -وكلاء الإمام سابقًا- صارا أكبر مساهمين في البنك، بل وصارا -حسب مرويات كثيرة- وكيلين للجمهورية الوليدة،إذ كان رئيس الجمهورية عبدالله السلال يوجه بالصرف من لديهم لمجابهة كثير من الالتزامات للأشخاص والجهات

يقول الدكتور سعيد الشيباني في كتابه المذكور: "لم يكن البنك اليمني في الفترة من أكتوبر 1962 حتى العام 1971، (وقت تأسيس البنك المركزي اليمني) فحسب، الوسيط الاقتصادي الإنتاجي الاستهلاكي ( أي الرأسمالي والسلعي) مع بلدان الدول الشقيقة والصديقة، ومطوِّر وموطّد العلاقات بينها وبين اليمن (استلام واستخدام وإعادة سداد أغلب أقساط القروض من بلدان، مثل الكويت ومصر والاتحاد السوفيتي والصين)، ولا محرِّر التبادل من قبضة المصارف الأجنبية في عدن التي التهمت احتياطي الريال من الفضة والذهب والعملات الدولية الأخرى، بل كان أيضًا السفير المكوك والممثل التجاري والاقتصادي، الممارس والمقيم، رافع ومثبت وخافق علم الجمهورية العربية اليمنية على وفي ومع، صفحات وأرصدة وعمليات المصارف في البلدان المعيقة والمعادية للنظام الجمهوري الثوري، أو مع الدول التي لم تعترف بالنظام الجمهوري والتي موَّلت الثورة المضادة، القومية منها والأجنبية. فمن عملية فتح حساب بسيط مع مراسلين في ألمانيا الغربية (مع دوتش بنك في مطلع ديسمبر 1962، بمبلغ 799 دولارًا أمريكيًّا تقريبًا)، وفي الولايات المتحدة الأمريكية (مع تشيز مانهاتن في منتصف ديسمبر من ذات العام بمبلغ 6,799 دولارًا أمريكيًّا)، والتعامل مع وكيل واحد في المملكة العربية السعودية هو (أحمد عبده شولق)، إلى فتح حسابات والقيام بعمليات مع 76 مراسلًا دوليًّا في المنطقة العربية وأفريقيا وآسيا وأمريكا وأوروبا، ووكيلين في مدينة عدن، هما هائل سعيد أنعم، وعبدالصمد مطهر.

وعلى ذكر الوكلاء، يظهر الكثير منهم كمساهمين أوائل في القوائم، ونطاق مساهماتهم كانت مدينة عدن، التي نشط فيها الاكتتاب وشراء أسهم البنك بعد التأسيس مباشرة ومن المساهمين الأوائل والوكلاء (شركة غالب مطهر سعيد بفروعها في الحبشة وعدن بـ1811 سهمًا، شمسان عون وإخوانه بـ2680 سهمًا، أحمد وعلي حسين الوجيه بـ13000 سهم، عبدالله شمسان الدالي بـ6933 سهمًا، وأحمد حيدر ثابت الأديمي بـ1791 سهمًا، عبدالله علي سالم العولقي 8437 سهمًا، وسلام علي ثابت 518 سهمًا، محمد عبدالله القربي 239 سهمًا، وأحمد سالم الكولي 305 سهمًا، وهائل سعيد أنعم وشركاه بتسعين سهمًا)، وكما سبق وذكرنا كانت قيمة السهم الواحد عند التأسيس هي عشرة ريالات فضية "ماريا تريزا".

ومن فحص هذه القائمة، يلاحظ أن أغلب المساهمين الأوائل والوكلاء كانوا من التجار المقيمين في مدينة عدن، وينتمون في الغالب لمحافظة تعز ومناطق الحجرية، مثل: حيفان والتربة ومجاوراتهما، وأن الشقيقين أحمد وعلي حسين الوجيه -وكلاء الإمام سابقًا- صارا أكبر مساهمين في البنك، بل وصارا -حسب مرويات كثيرة- وكيلين للجمهورية الوليدة، إذ كان رئيس الجمهورية عبدالله السلال يوجه بالصرف من لديهم لمجابهة كثير من الالتزامات للأشخاص والجهات، وبلغت مديونيتهما لدى الدولة الجديدة ملايين الريالات(3).

"يتبع"

________________________________________________

(1) ويصير المبلغ، في رواية أخرى، ثمانين ألف ريال ماريا تريزا، حسب قول الباحثين السوفييت فلادمير .أ. جوساروف، وأدهم .م. سيف المالكوف، في كتابه "اقتصاديات الجمهورية العربية اليمنية"، والذي يعتمد عليه الشيباني كمرجع في صفحة 360.

(2) بنك الأندوشين والسويس، فتح له مقرًّا في الحديدة بين عامي 1949 و1951، وكانت له معاملات مالية مع المملكة المتوكلية اليمنية، منها قرض تمويل وتنفيذ مصنع الغزل والنسيج في "باجل" الذي لم يدفع الإمام أحمد، القسط الأخير منه وقدره أربع مئة ألف دولار أمريكي حسب ما ورد في كتاب الدكتور محمد سعيد العطار "التخلف الاقتصادي والاجتماعي في اليمن"، إلى جانب وديعة بمبلغ مليون ونصف مليون جنيه إسترليني ظلت محل تنازع قضائي في محاكم باريس بين حكومة الجمهورية العربية اليمنية وآخر أئمة اليمن محمد البدر، حُكم بها لصالح الحكومة مطلع السبعينيات، حسب د. سعيد الشيباني.

(3) ينظر عبد الكريم الزبيري، "البنك اليمني للإنشاء والتعمير- قصة تاريخ مجيد في خدمة الاقتصاد والمجتمع/ خمسون عامًا من العطاء 1962-2012م".

(3) يروي حسين السفاري عضو مجلس إدارة البنك في كتاب "حياة تُملِّحُها الحكايات 2021" في قصة التحاقه بالثورة بقوله:

"ذهبت إلى بيت التاجر علي حسين الوجيه في عدن، والذي كانت تربطه بوالدي علاقة ممتازة، حيث كان من هذا البيت يتم تجهيز فدائيي الثورة والراغبين في الالتحاق بالتشكيلات العسكرية الوليدة مثل الحرس الوطني. وجدت في البيت وقتها عشرات الراغبين في السفر إلى تعز وصنعاء، ومنهم السفير حسن السحولي". وفي موضع ثانٍ يقول بعد تعيينه في السفارة اليمنية في بلجراد:

"سافرت إلى عدن جوًّا ومعي أمرٌ من الرئيس السلال للتاجر الوجيه بتوفير احتياجاتنا (السفير وأنا) من نقود ومستلزمات، ومنها أقمشة صوفية، توجب علينا تفصيلها وتخييطها لاحقًا في القاهرة".

وفي سياق ثالث يقول: "أثناء تواجدي الثاني في صنعاء، رأيت التاجر علي حسين الوجيه، والذي سبق معرفتي به في عدن، وكان لديه معاملات في القصر الجمهوري تتعلق بمديونية كبيرة على الحكومة الجديدة، والتي كانت تقترض منه أموالًا لتسيير بعض أنشطتها في أشهر الثورة الأولى، على نحو تلك الرسالة التي حملتها إليه قبل سفري إلى يوغسلافيا. المهم أنه في ظل الفوضى واللامبالاة تركوا الرجل يتابع استرداد أمواله في حال أقرب إلى الاستجداء، وحده محمد علي عثمان قام بتسكينه في إحدى بيوت أسرة إسحاق بالقرب من إذاعة صنعاء، وعمل على مساعدته لتحصيل بعض ديونه".


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English