بنك البنوك وسنوات التأسيس الأولى (3)

كيف يُستعاد بعضٌ من تاريخه من ذاكرة أقدم أعضاء إدارته
محمد عبدالوهاب الشيباني
June 17, 2021

بنك البنوك وسنوات التأسيس الأولى (3)

كيف يُستعاد بعضٌ من تاريخه من ذاكرة أقدم أعضاء إدارته
محمد عبدالوهاب الشيباني
June 17, 2021

منذ تأسيسه- بعد 32 يومًا من قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962- وحتى اليوم، تولت موقع الرئاسة في البنك اليمني للإنشاء والتعمير، 16 شخصية (لتسع عشرة فترة)(1). هذه الشخصيات ارتبطت بعدة محطات من تاريخ اليمن الحديث، ومنها الشخصيات السبع التي قاربنا سيرها المهنية في الجزء الثاني من هذ التتبع، ويضاف إليها تسع شخصيات؛ هي: 

عبدالله محمد السنباني، محمد سعيد عبدالرحمن، محمد أحمد الرعدي، محمد الخادم غالب الوجيه، أحمد محمد ثابت، أحمد عبدالرحمن السماوي، أحمد علي المُحَنِّي، عبدالله سالم الجفري، وحسين فضل محمد هرهرة- الرئيس الحالي.

خارطة جذور الأسماء وانتماءاتها الجغرافية(2) تتوزع تقريبًا على كل اليمن، وبخبرات راكمتها أعمال الإدارة الحديثة، التي أتاحتها عملية التحول في البلاد بعد ثورتي سبتمبر وأكتوبر. موقع الرئيس الذي يملؤه الشخص، يكون في العادة مسنودًا بتاريخ مهني للمعيَّن في الموقع. أما السياسيون الذين مروا على إدارته العليا، كانت تفرضهم حسابات محددة داخل بنية السلطة، وأقصد أن يكون التعيين جزءًا من التسويات الوظيفية، أو ردًّا لاعتبارات رمزية لاسم الشخص. ومع ذلك يبقى البنك هو المؤسسة التي تعيد تطويع الأشخاص داخل مسارها، وتنتصر، ولو بمستويات متفاوتة، لمهنيتها.

مقابل هذه الإدارة الفوقية، ثمّة فاعلون مستترون في قيادة البنك، لا يكتمل حضور الأولى إلَّا بهم، ونعني هنا أعضاء مجلس الإدارة الأحد عشر (تعيِّن الحكومة منهم ستة أشخاص، ويختار القطاع الخاص والمساهمون الآخرون- خمسة أعضاء حسب النظام الداخلي)، وبعض هذه الأسماء صارت جزءًا أصيلًا من ذاكرة البنك وتأريخه، ومن هؤلاء الأستاذ حسين محمد سعيد غالب السفاري (حسين السفاري) أقدم عضو في مجلس الإدارة (1980- ...)، وهو -في غير موقعه العتيد هذا في البنك- أحد وجوه اليمن المعاصر، منذ وعى ما حوله منتصف الأربعينيات من القرن العشرين الماضي، في مدينة عدن. وهو في هذا الموضع يصير واحدًا من المتَّكآت النشطة لقراءة تاريخ البنك اليمني للإنشاء والتعمير، كجزء من تاريخ اليمن الذي أبصره من موقع المثقف الذي اقترب من تاريخ الحركة الوطنية ورموزها. ولا تستقيم المعاينة التاريخية، بهذا المقدار أو ذاك، دون استرجاع الكثير من الحكايات التي ارتبطت بسيرته الشخصية ومبذولاتها غير المدوَّنة، قبل المشافهات الطويلة التي سمعتها منه في لقاءات متفرقة منذ سنوات، لتصير مع الوقت نصوصًا قابلة للقراءة، وغدت اليوم ملومة في كتاب، سيكون في سياق التلقي العام خلال أيام. 

أثناء تحرير مادة الكتاب، كنت أحرص على مقابلة (العم حسين) صباحًا، ولمرتين في الأسبوع الواحد على الأقل؛ أحمل إليه جملة من الأسئلة والاستفسارات التي لها علاقة بما رواه في اللقاءات السابقة. يكون ذهنه صافيًا في هذا الوقت وذاكرته طرية، فيستذكر الكثير من التفاصيل الصغيرة، التي تبدو من الوهلة الأولى أنها غير ذات علاقة بما أريد الاستفسار عنه، غير أني حينما أربط لاحقًا بين ما قاله بشكل عفوي بغيره من الأحداث، يصير ذا قيمة مهمة في المسرود. مثلًا وقف ذات صباح أمام مبنى قديم في أطراف ميدان التحرير، وقال: كان هنا مقر البنك الأهلي التجاري السعودي، وسكت. جملة قصيرة قطع بها حديثًا عن موضوع آخر، وهي في حضورها العرضي ليس لها علاقة بالحديث الذي كنا نناقش تفاصيله، فيأتي وقت لأحتاج إلى معلومات إضافية عن البنك السعودي في سياق الحديث، عن نشأة البنك اليمني للإنشاء والتعمير، الذي نهض على أنقاض البنك السعودي، وأتذكر مباشرة أول رئيس مجلس إدارة للبنك، وهو الدكتور حسن محمد مكي الذي تشارك معه السفاري إحدى غرف دار الضيافة في صنعاء بعد قدومه إليها من تعز في شتاء العام 1963، بعد تركه لمقر القيادة هناك. وأتذكر د. محمد سعيد العطار بغيلونه المصنوع من الأبنوس وهو يحرر رسالته من موقع مدير البنك في الحديدة إلى رئيس البنك حسن مكي عن الموجودات في خزانة البنك الأهلي السعودي بعد تصفيته، ويوقِّع إلى جانبه على الرسالة "محمد عبدالله عبده"، أحد أقدم موظفي البنك والقريب جدًّا من الحاج عبدالله عثمان، أمين صندوق حزب الأحرار اليمنيين في عدن، وصديق الأستاذ النعمان القريب. قال السُّفاري أن محمد عبدالله عبده رفض مقترحًا في الغالب قدمه الأستاذ النعمان ليكون ضمن طاقم وزارته التي ألفها في العام 1966، ( بعد مؤتمر خمر)، وفي موقع وزير الاقتصاد أو التجارة، لكنه رفض هذا العرض وفضَّل البقاء ضمن قيادة البنك في موقع المدير العام للبنك في 1964، 1966. 

بعد تأسيس البنك اليمني مباشرة ودمج شركة المحروقات اليمنية به، بدأ الكثير من تجار مدينة صنعاء التقليديين، التوجس خيفة من هذه العملية، وظنوا أن حصصهم في الشركة وأرباحهم منها قد استولى عليها البنك، وكانت فكرة التأميمات في أذهانهم لم تزل ساخنة

يتذكر حسين السفاري المؤرخ عبدالله الثور، الذي سكن في بيته بصنعاء القديمة في فترة باكرة من استقراره بصنعاء، وهو من أسرة تشترك في اللقب مع فرع من أسرة تشتغل بالتجارة والصرافة في سوق الملح، وتشترك في اللقب مع علي لطف الثور، أحد رؤساء البنك. ومع هذا التذكر تقفز إلى باله بيوتات تجارية عتيقة في صنعاء القديمة مثل: غمضان، الوتاري، السنيدار، واليماني، وما احتفظت به من أموال في بيوتها، بعد نهب سمسرة محمد بن أحسن، بعد فشل حركة الدستوريين في مارس 1948، التي كانت هي بنك تجار السوق الشهيرة والوحيدة في صنعاء؛ وعند تأسيس البنك خرجت بأموالها إلى صنعاء الجديدة التي مثّلها، ليس بموقعه، وإنما برمزيته. عبروا "باب السَّبَح"، الذي صار في الكتاب جسرًا بين عالمين (صنعاء القديمة وصنعاء الجديدة)، التي تأسست خارج السور القديم، بما حملته من ثقافة جديدة، وصارت هذه الأسماء من كبار مساهمي التأسيس الباكر. لكن قبل ذلك كانت مثل هذه النقلة بحاجة إلى تطمين من نوعٍ ما لهؤلاء المساهمين، فبعد تأسيس البنك اليمني مباشرة ودمج شركة المحروقات اليمنية به كحصة مساهمة للحكومة، بدأ الكثير من تجار المدينة التقليديين التوجس خيفة من هذه العملية، وظنوا أن حصصهم في الشركة وأرباحهم منها قد استولى عليها البنك، وفي أذهانهم، لم تزل ساخنة، فكرة التأميمات التي أقدم عليها ثوار يوليو، بدءًا من تأميم قناة السويس في العام 1956، الذين صاروا بقواتهم وخبرائهم في اليمن رافعة الثورة الوليدة التي لم يعرفوا كنهَها بعد، فرفعوا الأمر بالشكوى لرئيس الجمهورية عبدالله السلال، الذي أحال شكواهم إلى وزارة العدل التي كان وزيرها آنذاك القاضي عبدالرحمن الإرياني، الذي رتّب اجتماعًا للتجار برئيس مجلس إدارة البنك الدكتور حسن محمد مكي، الذي شرح لهم الأسباب التي دعت إلى دمج شركة المحروقات التي يساهمون بها مع البنك الوليد. بعد الاجتماع الذي كان صاخبًا رفع وزير العدل لرئيس الجمهورية المشير السلال بهذه الرسالة:

"لقد كان اجتماع محمد حمود اليماني والحاج عبدالله السنيدار، وعدد كبير من تجار صنعاء بشأن دمج شركة المحروقات، وبعد سماعهم لشرح الدكتور حسن محمد مكي للغرض من الدمج، وتأكيده لهم أن أموالهم محفوظة وأرباحهم مضمونة، وأن الواجب يقتضي التعاون مع البنك، اقتنع أكثرهم، ولم يبقَ إلَّا الحاج محمد حمود اليمانيّ والحاج عبدالله السنيدار، أقنعناهما وطلبا العرض عليكم، وهذا هو العرض، واللازم إقفال الباب في وجه من يريد المناقضة"(4).

يتذكر حسين السفاري أن البنك في سنوات تأسيسه الأولى عيَّن شخصًا من أولاد التاجر غمضان أمينًا لصندوقه المركزي، لتعزيز هذه الثقة، ولكون والده كان يمتلك حصة مساهمة كبيرة وقت التأسيس. فقد كان ذلك بمثابة عامل جذب لكثير من الأسر التجارية العتيقة التي تنتمي للمدينة الخارجة من ظلمة القرون- كما اقترحنا هذا السياق عنوانًا لأحد فصول الكتاب الذي أشرنا إليه قبل قليل، وصارت المدن فيه، مثل عدن، صنعاء، الحديدة وتعز، حاضرة بإرثها الجغرافي والثقافي.

الرئيس السلال كان من أوائل الموفرين (صاحب حساب توفير) في البنك، وهناك ما يشير إلى أن البنك قد منح الرئيس وبعض أعضاء حكومته المشكَّلة في العام 1966، تسعة دفاتر توفير بمبلغ إجمالي مقداره خمس مئة ريال

كثيرًا ما كان يرد اسم عبدالغني مطهر في استعادات السفاري، بدءًا من توجيهه لرسالة من تعز إلى الاتحاد اليمني في عدن عشية ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، يُشعر فيها قيادة الاتحاد بالاستعداد لاستقبال خبر الثورة، وتاليًا الطلب منه العمل معه وكيلًا لوزارة التجارة والصناعة، التي كان يشغل فيها مطهر موقع الوزير في سنوات الثورة الأولى؛ وفي واحدة من استرجاعاته، قال إن عبدالغني مطهر كان يقوم باقتراح مبالغ التسهيلات الائتمانية من النقد الأجنبي والريال اليمني التي يوفرها البنك اليمني للتجار، وتوزيعها على حجم النشاط. بقيت هذه المعلومة سياقًا إنشائيًّا في النص المحرَّر، حتى عثرت على قائمة للتسهيلات الائتمانية الباكرة، التي قدمها البنك للتجار (أفرادًا وشركات) الذين سجلوا أنشطتهم بالوزارة، ومقدار المبالغ ومصادر التوجيهات بها. ومن الأسماء التي وردت في القائمة، اسم محمد سعيد غالب السفاري (والد حسين) بمبلغ خمسة وأربعين ألف ريال، وهو أكبر تسهيل يُمنح وقتها، وهائل سعيد أنعم بمبلغ خمسة وعشرين ألف ريال، وشاهر سيف الأصنج عشرة آلاف ريال، وسعيد علي الأصبحي ثلاثين ألف ريال، وسالم شماخ عشرين ألف ريال، وفندق الأخوة عشرين ألف ريال، وعلي حسين الوجيه عشرين ألف ريال، وشركة المطهر ثلاثين ألف ريال، وشمسان عون خمسة عشر ألف ريال، حمود الحسيني عشرة آلاف ريال، وشركة الشرق الأوسط خمسة وعشرين ألف ريال، وغيرهم.

ذات صباح مررنا بجوار منزل الرئيس الراحل عبدالله السلال، على أطراف حي القاع الغربي بالقرب من شارع الزراعة، لمعاينة المكان الذي وصفه عبدالرحمن الحرازي(5) وقت نهب بيت الرئيس يوم 4/ 11/ 1967، (قبل انقلاب الخامس من نوفمبر بيوم واحد)، وفجأة قال لي إن الرئيس السلال كان من أوائل الموفرين (صاحب حساب توفير) في البنك، وهناك ما يشير إلى أن البنك قد منح الرئيس وبعض أعضاء حكومته المشكَّلة في العام 1966، تسعة دفاتر توفير بمبلغ إجمالي مقداره خمس مئة ريال. كان مبلغ توفير الرئيس هو مئة ريال، أما بقية الوزراء الثمانية، فقد كان نصيب كل واحد منهم خمسين ريالًا، وهم: (عبدالله جزيلان، نائب رئيس الوزراء، وعبداللطيف ضيف الله، وزير المواصلات والأشغال، محمد الأهنومي وزير الداخلية، د.عبدالغني علي أحمد، وزير الخزانة والاقتصاد والتموين، قاسم غالب، وزير التربية والتعليم، محمد عبدالعزيز سلام، وزير الخارجية، ويحيى بهران وزير الإعلام، وعبدالعزيز الفتيح وزير الزراعة)، لكنه يتفق تمامًا مع ما ذهب إليه الدكتور الشيبانيّ في إشكالية تعريف "الموفِّر" في الاصطلاح المصرفي، وهل تصح الهدية التي منحها البنك بشكل رمزي لقيادة الدولة إدراجها ضمن الادخارات مثلًا، لكنها تبقى حاضرة في السياق التاريخي للبنك.

_____________________

(1) بعض هذه الأسماء تولت رئاسة مجلس إدارة البنك لأكثر من فترة في أوقات متقطعة، مثل محسن حسن السري لفترتين في 1963 و1973، والدكتور محمد سعيد العطار 1965 و1967، وعلي لطف الثور 1968، 1970.

(2) التعيين اللفظي هنا لأغراض دراسية فقط، وليس لإسقاطات من أي نوع قد يُجتهد في تأويلها.

(3) محمد عبدالوهاب الشيبانيّ - حياةٌ تُملِّحُها الحكايات (حسين السُّفَاري وأيامه) يونيو 2021.

(4) الدكتور سعيد الشيباني– "البنك اليمني للإنشاء والتعمير، أربعة وثلاثون عامًا من العطاء التنموي 1962-1996".

(5) في نص طويل قام الكاتب بتحريره تحت عنوان "سيرة الظل" ونشر في منصة "خيوط" هناك إشارة لهذه الواقعة – يُنظر الحلقة 9 بتاريخ 6 مايو 2021.

(يتبع)


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English